أ. عبد الكريم علي عثمان
يمكن أن يكون هذا المقال أكثر مقال بحثت فيه واجتهدت فيه، لذا يا عزيزي القارئ، حاول أن تقدر مجهودي بأن تقرأه للنهاية، مهما كان طويلاً. لكي نتحدث عن موارد السودان، لا بد أن نبدأ بالنشأة الأولى للسودان الحديث في خمسينيات القرن الماضي، ثم نمضي بالترتيب إلى موارد السودان بعد ح.رب 14 أبريل الحالية. وباختصار مفيد، ينقسم المقال إلى حقبات.
أولاً: فترة ما بعد الاستقلال حتى منتصف الستينيات (1956–1965): سلة الغذاء
1. إرث الاستقلال
لما نال السودان استقلاله في 1 يناير 1956، ورث اقتصاداً هشاً لكن واعداً، يعتمد بصورة شبه كاملة على الزراعة. كانت الدولة جديدة، لكن الموارد التي تملكها كانت هائلة على الورق، وبدأت تسمية “سلة غذاء العالم” تتردد في الأوساط السياسية والاقتصادية، في إشارة إلى ما يمتلكه السودان من مقومات زراعية هائلة.
2. القطاع الزراعي: 97% من الصادرات
كان السودان في لحظة استقلاله يعتمد على الزراعة كعمود فقري للاقتصاد، حتى بلغت المنتجات الزراعية 97% من عائدات التصدير، وثلاثة أرباع القروض البنكية كانت مخصصة للأغراض الزراعية. وكان القطن هو نجم سلة الغذاء، إذ شكل وحده 71% من عائدات التصدير، وجاء أكثر من 90% من القطن المنتج من المشاريع المروية.
كان مشروع الجزيرة درة التاج الزراعي. بدأ كمزرعة تجريبية عام 1911، لكن بعد الاستقلال تحول إلى أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا، يمتد على مساحة تقارب 2.5 مليون فدان. كانت مساحته تمثل 47% من إجمالي الأراضي المروية و10% من الأراضي الصالحة للزراعة في السودان. لم يكن مجرد مزرعة، بل كان رمزاً للنهضة الزراعية، ينتج في ذروته أكثر من نصف مليون طن من القطن عالي الجودة سنوياً، إلى جانب القمح والذرة والفول السوداني والسمسم، وكانت أراضيه تغذي مصانع النسيج البريطانية. وإلى جانب الجزيرة، بدأت مشاريع زراعية كبرى أخرى في النمو، منها:
-
مشروع السوكي الزراعي: لتوسيع الرقعة المروية غرباً، لزراعة المحاصيل النقدية والغذائية.
-
مشروع الرهد الزراعي: الذي استغل مياه نهر الرهد لزراعة القطن وغيره.
-
الزراعة الآلية: التي بدأت تظهر في المناطق شبه الصحراوية.
3. الثروة الحيوانية: كنز يمشي على أربع
عبر مساحات شاسعة من المراعي الطبيعية تُقدّر بـ 279 مليون فدان (أي ما يعادل 46.5% من مساحة السودان)، كان القطاع الحيواني يحتل المرتبة الثانية بعد الزراعة. كان السودان في تلك الفترة من أغنى دول المنطقة، إذ يملك وحدة مائية لم تكن متوفرة في جيرانه. وكان قطيع الماشية من الأضخم في أفريقيا، ومصدراً رئيسياً للبروتين والعملة الصعبة.
4. القطاع المعدني: كنوز تحت الرمال
على غير ما يتصور الكثيرون، لم يبدأ تاريخ التعدين في السودان بعد اكتشاف النفط، بل هو أقدم من ذلك بكثير، إذ يعود إلى عصر مملكة مروي. كانت الموارد المعدنية متعددة وتشمل: الذهب، الحديد، الكروم، النحاس، المنجنيز، الجبس، الميكا، الحجر الجيري، واليورانيوم.
على سبيل المثال، كان منجم حصاي للذهب (Hassai Gold Mine) من أقدم المناجم نشاطاً، إذ استخرج كميات كبيرة من المعدن الأصفر بين 1924 و1936. وقُدّر الاحتياطي المؤكد من النفط بحوالي 2 مليار برميل، وبدأت معالم اكتشافه تظهر في السبعينيات.
5. المؤشرات الاقتصادية
وفقاً لبيانات البنك الدولي، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في السودان حوالي 99.71 دولاراً عام 1960، وهو مستوى قريب من جيرانه في مرحلة التكوين. وكان صادر القطن وحده يدر على الخزينة العامة ما بين 350 إلى 500 مليون دولار سنوياً في تلك الفترة، مما جعل الجنيه السوداني في ذلك الوقت من أقوى العملات الإقليمية، وكان السودان يطبع عملته في دار سك العملة بلندن.
من هذا الكلام قد تعتقد أن السودان كان ناجحاً اقتصادياً إلى حد كبير، وقادراً على إدارة موارده، لكن العكس هو الصحيح. فالسودان كان ما زال يعاني من المشكلة الأزلية، ألا وهي تصدير الموارد بشكلها الأولي.
فكل الصادرات كانت تذهب كمنتج أولي: القمح، القطن، سائر الصادرات الزراعية، والصادرات الحيوانية، وسائر الصادرات عموماً. بالمعنى الحرفي، أي منتج كان يُصدّر كمنتج أولي.
في رأيك، لو كانت المنتجات تُصدّر كمنتجات نهائية، فبأي نسبة كان سينتعش اقتصاد السودان؟ وكم كان سيصل عدد المصانع؟ وبأي نسبة كانت ستزيد فرص العمل؟
الجواب بسيط: ما كان السودان ليكون مجرد دولة نامية، بل دولة مصنعة كبرى.
أي يمكن أن نقول إن حال اقتصاد السودان في ذلك الوقت كان: (موارد طائلة في أيدي أطفال).
#السودان #تاريخ_السودان #الاقتصاد_السوداني #سلة_غذاء_العالم #مشروع_الجزيرة #الثروة_الحيوانية #ح.رب

Leave a Reply