سلسلة المرجعية الفكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي: هل تختزل التجربة السياسية الفكرة المؤسسة؟ الحلقة الثانية: الإنجازات الفكرية ورد الاعتبار للمرجعية

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
إن ما يُثار بين الفينة والأخرى من أحكام مسبقة تجاه حزب البعث العربي الاشتراكي، تحت مزاعم غياب المرجعية الفكرية، لم يعد مجرد نقد علمي قابل للنقاش، بل تحول إلى غطاء لتغليب الإسقاطات الأيديولوجية، وأداة لحجب منجزات نوعية ومبادرات رائدة، أحدثها فكر الحزب ونضاله على مدى ثمانية عقود. فالحزب، الذي لم تكن نشأته وليدة الصدفة، بل استجابة واعية لحاجات النهوض العربي والنضال التحرري، استطاع أن يحدث نقلة نوعية في الفكر السياسي العربي، ليس فقط على المستوى التنظيري، بل أيضاً على مستوى الممارسة والتنظيم. في هذه الحلقة، نستعرض سبعاً من أبرز هذه الإنجازات، كأمثلة لا حصر، لنرى كيف تجلت المرجعية البعثية في الفكر والممارسة، تاركاً بصمات واضحة في مسيرة العمل القومي، يمكن الإشارة إلى بعضها، كأمثلة لا كحصر، فيما يلي:
1. تحرير الفكر الثوري من الإطلاق والتعميم: لم يكن الفكر الثوري، قبل البعث، بمنأى عن الإطلاق والتعميم والجمود، إذ كثيراً ما اختُزل في خطابات عاطفية أو فلسفات مستجلبة لا تلامس واقع الأمة. لكن البعث استطاع أن يحرر الفكر الثوري من أسر الفلسفة المجردة، وأن يمنحه أرضية واقعية تنطلق من خصوصية الأمة العربية وتاريخها ورسالتها، ليصبح فكراً ثورياً إنسانياً، لا يكتفي برفض الواقع، بل يسعى إلى تجاوزه بإرادة واعية، وفي الوقت نفسه، لا يفقد صلة عضوية بالتراث والهوية. لقد طرح البعث القومية بوصفها إنسانية، أي أنها ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحرير الإنسان العربي، وإعادته إلى موقعه الطبيعي في دفع عجلة الحضارة الإنسانية، وهذا ما جعل فكره يتجاوز الثنائيات الضيقة، نحو أفق أرحب.
2. وحدة القضية العربية: قوة تاريخية لا تقدر بثمن: من أبرز إنجازات البعث، أنه وضع القضية العربية ككل موحد، وتمكن من ترسيخ وعي الوحدة في ضمير الأمة العربية، مؤكداً أن القضية العربية ليست مجرد قضايا متفرقة، بل وحدة عضوية تتفاعل أجزاؤها. وقد وصف القائد المؤسس ذلك بأنه قوة تاريخية لا تقدر بثمن، لأنها منحت الوحدة رجحانها المعنوي، ومحتواها الشعبي، وكيانها المادي. ولم تكن الوحدة، في هذا التصور، مجرد شعار عاطفي، بل أساساً مادياً للاشتراكية المحررة للإنسان، فرداً ومجتمعاً، من قيود الحاجة والعوز والاستغلال، في جدلية ثلاثية الأبعاد، تلتقي فيها العروبة والحرية والعدالة الاجتماعية، في انبعاث قومي يستأنف أداء الرسالة العربية المتجددة.
3. الخصائص الوطنية والقومية والحضارية: حق الأمم في صياغة طريقها الخاص: أكد البعث على الخصائص الوطنية والقومية والحضارية للأمم والشعوب، ورفض فرض نماذج جاهزة مستوردة، لا تعبّر عن إرادة هذه الأمم أو تطلعاتها. فمن حق كل أمة أن تصوغ طريقها الخاص، وأن تبني نظمها السياسية والاقتصادية بما يعبّر عن خصوصيتها، في عالمٍ متعدد الأقطاب، تتسيده حوارية التعددية، واحترام الخصوصيات، والديمقراطية، وحقوق الإنسان. وهذه الرؤية سبقت عصرها، وجاءت منسجمة مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم لاحقاً، مما يؤكد الحس المستقبلي الذي تمتع به فكر البعث.
4. مبادرة الحياد الإيجابي وحركة عدم الانحياز: كان للبعث دور ريادي في إطلاق مبدأ الحياد الإيجابي، وترجمته عملياً في إطار حركة عدم الانحياز، التي مثّلت، في سياق الحرب الباردة، إنجازاً استراتيجياً للأمة العربية، وللجنوب العالمي بأسره. فالحياد الإيجابي لم يكن انعزالاً أو تردداً، بل موقفاً مبدئياً رفض التبعية لأي من القطبين المتصارعين، وسعى إلى فتح فضاءات للحركة العربية على صعيد العلاقات الدولية، وحافظ على استقلالية القرار الوطني، مع الانفتاح على تجارب الآخرين بما يخدم المصلحة القومية.
5. تحرير الاشتراكية من أسر النموذج الواحد: لم يقبل البعث بالاشتراكية كقالب جامد، ولا كنموذج واحد يُستورد، بل حررها من أسر الماركسية وما لحق بها من تعسف التطبيقات الشيوعية ونتائجها. لقد صاغ البعث اشتراكيته في قالب عربي أصيل، قائم على العدالة الاجتماعية، ومنع الاستغلال، وتأمين الحقوق الأساسية، وفي الوقت نفسه، حافظ على الملكية الفردية والقطاع الخاص الوطني، بوصفهما جزءاً من النسيج الاقتصادي للأمة. وهذه الاشتراكية، في جوهرها، ليست صراع طبقات، بل توازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع، وبين الحقوق والواجبات.
6. الموقف المبدئي المبكر من الرأسمالية: لم يكتف البعث بطرح بديل اشتراكي، بل اتخذ موقفاً مبدئياً مبكراً من الرأسمالية، وفضح طبيعتها الاستغلالية، وكونها لا تمثل الجوهر الإنساني، بل هي نظام يقوم على تركيز الثروة في يد فئة قليلة، ويخلق فجوات اجتماعية واقتصادية لا تتسق مع مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية. وهذا الموقف لم يكن رفضاً أيديولوجياً سطحياً، بل كان نقداً علمياً لرأسمالية تستعبد الإنسان، وتحوّله إلى أداة في خدمة رأس المال، لا غاية في حد ذاته.
7. الموقف الإيجابي من التراث والدين: في زمن كانت فيه التيارات العلمانية المتطرفة تنظر إلى التراث والدين نظرة عدائية، والتيارات الدينية المتصلبة تنظر إلى الحداثة نظرة رفض، وقف البعث موقفاً إيجابياً متوازناً من التراث والدين؛ فلم يستخف بهما، ولم يتخذ منهما ذريعة للتخلف، بل تعامل معهما بوصفهما جزءاً من هوية الأمة وثقافتها، ومصدر إلهام لقيمها الروحية والأخلاقية. كما تصدى للمواقف السلبية المستخفة بالتراث، والمواقف المتشددة المتاجرة به، ما جعل حزب البعث من أبرز الحركات الفكرية والسياسية التي وازنت بدقة بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانتماء للتراث والانفتاح على العصر، وبين الثبات على المبادئ والتجديد في الوسائل.
إن هذه الإنجازات والمبادرات، التي تمتد على مدى ثمانية عقود، لا يمكن حجبها باتهامات عامة بغياب المرجعية، فهي تشهد على أن للبعث مرجعية فكرية أصيلة، أثبتت قدرتها على التجدد والإبداع، والمساهمة في صياغة وعي الأمة، وطرح حلول لقضاياها المصيرية. وما يثار من أحكام مسبقة، في هذا السياق، ليس سوى تعمية على إنجازات حزب لم ينل حظه من الإنصاف، وتغليب للأيديولوجيا على العلم، وللانطباع على التحقيق. فالفكرة التي تنتج كل هذه الإنجازات، وتستمر في تجديد ذاتها عبر عقود، لا يمكن أن تكون فكرة بلا مرجعية، بل هي فكرة تمتلك من العمق والمرونة ما يجعلها قادرة على الصمود في وجه كل محاولات التغييب والتشويه.
ومن المهم هنا التمييز بين المستويين التاليين: المرجعية الفكرية هي المنظومة الفلسفية المتكاملة التي تؤسس للرؤية، بينما الدستور هو الترجمة التنظيمية والسياسية لهذه الرؤية في وثيقة تحدد الهوية والأهداف والآليات. ولا ينبغي اختزال المرجعية في الدستور، وإن كان الدستور يعكسها.
خاتمة: إن هذه الإنجازات والمبادرات، التي تمتد على مدى ثمانية عقود، لا يمكن حجبها باتهامات عامة بغياب المرجعية، فهي تشهد على أن للبعث مرجعية فكرية أصيلة، أثبتت قدرتها على التجدد والإبداع، والمساهمة في صياغة وعي الأمة. وما يثار من أحكام مسبقة ليس سوى تعمية على إنجازات حزب لم ينل حظه من الإنصاف، وتغليب للأيديولوجيا على العلم، وللانطباع على التحقيق. فالفكرة التي تنتج كل هذه الإنجازات لا يمكن أن تكون بلا مرجعية، بل هي فكرة تمتلك من العمق والمرونة ما يجعلها قادرة على الصمود.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.