أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
مقدمة:
تأتي هذه السلسلة محاولةً لإعادة ترتيب النقاش حول المرجعية الفكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، من زاوية منهجية تضع الفكرة قبل التجربة، والجوهر قبل المظهر، والأصول قبل الفروع. فثمة خلط منهجي يعطل أي حوار جاد حول المرجعيات، حين يُحكم على المدرسة الفكرية بنتائج تطبيقاتها السياسية، وكأن الفكرة تُختزل في تجاربها، والروح في أجسادها العابرة. ولهذا قسمت هذه السلسلة إلى أربع حلقات متكاملة:
الحلقة الأولى: تناقش التأسيس المنهجي، والتمييز بين المفاهيم المتداخلة، وتحدد ما هي المرجعية الفكرية في جوهرها.
الحلقة الثانية: تعرض الإنجازات الفكرية والنضالية التي أنجزتها المرجعية البعثية، وترد على مزاعم غيابها.
الحلقة الثالثة: تتعمق في البناء الدستوري للمرجعية، وتتتبع مسار الاجتهاد الفكري عبر مؤتمرات الحزب.
الحلقة الرابعة: تناقش التحديات الراهنة، وتطرح أسئلة المستقبل، وتقترح مساراً عملياً لتجديد المرجعية.
فالمقاربة التي تريد أن تفهم الفكر القومي، ينبغي أن تنطلق من نصوصه المؤسسة ومرجعياته البانية، لا من تجارب الحكم التي قد تكون اقتربت من الفكرة أو ابتعدت عنها. وهذا ما تسعى إليه هذه السلسلة.
التأسيس المنهجي والتمييز المفاهيمي
يثير الحديث عن المرجعية الفكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي أسئلة تتكرر منذ عقود، وغالباً ما تطرح بصيغة توحي بأن التجربة السياسية تكفي وحدها للحكم على الفكرة. غير أن هذا المنهج، مهما بدا شائعاً، يفتقر إلى الدقة العلمية، إذ إن المرجعيات الفكرية لا تقاس بنتائج الممارسة وحدها، وإنما بمنظومتها الفلسفية، وبقدرتها على تفسير الواقع، وتجديد أدواتها، والإجابة عن أسئلة الإنسان والتاريخ. ومن هنا تبدأ هذه السلسلة، التي تحاول إعادة ترتيب النقاش من أساسه، فقبل السؤال عن نجاح التجربة أو إخفاقها، لا بد من السؤال: ما المرجعية الفكرية أصلاً؟ وما الفرق بينها وبين الأيديولوجيا، أو البرنامج السياسي، أو التنظيم الحزبي، أو التجربة التاريخية؟ وهل يجوز اختزال مدرسة فكرية كاملة في تجربة حكم أو مرحلة سياسية بعينها؟
مقدمة: حين يُثار سؤال المرجعية الفكرية لأي حزب أو مدرسة فكرية، فإن السؤال لا ينبغي أن يبدأ من التجربة السياسية، وإنما من الفكرة المؤسسة. فالتجارب قد تنجح أو تخفق، والدول قد تزدهر أو تنهار، أما المرجعيات الفكرية فتقاس بما تؤسسه من رؤية للإنسان والمجتمع والتاريخ، وبقدرتها على التجدد والاستجابة لتحولات الواقع.
ولهذا فإن السؤال الذي تم طُرحه حول غياب المرجعية الفكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي يستحق النقاش، لكنه يحتاج أولاً إلى تحرير المفاهيم قبل إصدار الأحكام. فهناك فرق بين أن تكون المرجعية غائبة، وبين أن يكون إنتاجها الفكري قد ضعف، أو أن يكون تجديدها قد تأخر. ومن الناحية المنهجية، فإن الحكم على أي مدرسة فكرية ينبغي أن ينطلق من نصوصها المؤسسة ووثائقها المرجعية، لا من تجاربها السياسية وحدها، لأن التجارب قد تنحرف عن الفكرة، أما الفكرة فلا تقاس إلا بأصولها.
إن أكبر خطأ منهجي يقع فيه الباحث هو اختزال المرجعية في التجربة السياسية، لأن التجربة متغيرة، بينما المرجعية ثابتة نسبياً. فالليبرالية ليست حكومة بريطانيا، ولا الماركسية هي الاتحاد السوفيتي، ولا الديمقراطية هي ممارسات أي دولة بعينها، وكذلك لا يجوز أن يختزل الفكر القومي كله في تجربة قطر معين أو مرحلة تاريخية محددة. فالليبرالية لم تبقَ عند جون لوك، ولا عند آدم سميث، بل تطورت عبر قرون طويلة حتى أصبحت مدارس متعددة. والماركسية نفسها لم تتوقف عند ماركس وإنجلز، بل أعاد لينين وغرامشي ومدرسة فرانكفورت وغيرهم إنتاجها في سياقات مختلفة. وحتى الفقه الإسلامي، لم يتوقف عند النصوص المؤسسة، بل ظل باب الاجتهاد فيه مفتوحاً عبر العصور. فلماذا يطلب من الفكر القومي ومن فكر حزب البعث ان يكون اسير قوالب جاهزة او نمط مرجعيات محددة، وأن يبقى أسير لحظة التأسيس، بينما تمنح سائر المدارس الفكرية حق التطور والاجتهاد؟
المرجعية الفكرية لا تعني مجموعة الشعارات أو البرامج السياسية، وإنما تعني الإطار الفكري الأعلى الذي تنبثق منه الرؤية إلى الإنسان، والدولة، والمجتمع، والاقتصاد، والثقافة، والعلاقات الإنسانية. الذي يحدد طريقة فهم الإنسان والتاريخ والمجتمع والدولة، ويمنح المشروع الفكري وحدته الداخلية واستمراريته. أما الأحزاب فهي أدوات، والدساتير ترجمات، والبرامج تطبيقات، والتجارب اجتهادات، بينما تبقى المرجعية هي الأصل الذي تستمد منه هذه المستويات شرعيتها. فهي تمثل المنطلق الذي يحكم تفسير الواقع وآليات تغييره، وتظل أكثر ثباتاً من البرامج السياسية التي تتغير بتغير الظروف. ومن هنا فإن الحزب ليس هو المرجعية، وإنما أحد تجلياتها التنظيمية، فالمرجعية أوسع من التنظيم، وأبقى من التجربة السياسية، بينما يظل الحزب أحد أدوات ترجمتها في الواقع.
ولعل كثيراً من الجدل الدائر حول المرجعية الفكرية يعود، في جوهره، إلى الخلط بين مفاهيم ليست مترادفة، وإن كانت مترابطة. فـالفكرة هي الشرارة الأولى، أو الرؤية الفلسفية التي تفسر الإنسان والتاريخ والمجتمع، ومنها تنطلق بقية المستويات. أما المرجعية الفكرية فهي البناء المعرفي المتكامل الذي يتشكل من النصوص المؤسسة، والاجتهادات اللاحقة، والخبرة التاريخية، والمراجعات المستمرة، بحيث تصبح الفكرة إطاراً تفسيرياً مفتوحاً، لا مجرد نصوص محفوظة. أما الأيديولوجيا فهي تحويل هذه المرجعية إلى منظومة قيم ومبادئ موجهة للفعل السياسي والاجتماعي، في حين أن البرنامج السياسي يمثل الإجراءات والسياسات المرحلية التي تتغير بتغير الظروف والأولويات، ولذلك فهو أكثر عناصر المشروع قابلية للتعديل والتطوير. أما التجربة السياسية فهي التطبيق العملي الذي قد ينجح أو يخفق، وقد يقترب من المرجعية أو يبتعد عنها. ومن هنا فإن الخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى خطأ منهجي كبير، إذ يصبح الحكم على المرجعية حكماً على التجربة، أو يصبح نقد البرنامج المرحلي نفياً للفكرة المؤسسة. بينما تقتضي الموضوعية العلمية أن يُقاس كل مستوى بمعاييره الخاصة، فالتجربة تُقاس بنتائجها، والبرنامج بفاعليته، أما المرجعية فتُقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتفسير الواقع، وإلهام الأجيال، وتجديد نفسها دون أن تفقد هويتها.
ويمكن النظر إلى المرجعية الفكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي بوصفها منظومة هرمية تبدأ بالنصوص التأسيسية للمؤسسين، ثم دستور الحزب ونظامه الداخلي، ما يصدر عن الامين العام وتقارير ومقررات المؤتمرات القومية وما يصدر عن القيادة القومية والدراسات والكتب التي يصدرها مكتب الثقافة والأعلام القومي. يتطور ويتجدد دون أن يفقد أصوله، منطلقاً من نقطة البداية ذاتها، كما أكد على ذلك القائد المؤسس، وترجمته تقارير ومقررات المؤتمرات القومية. وبهذا المعنى فإن المرجعية ليست كتاباً واحداً، بل تراكم فكري وتنظيمي وتاريخي يتطور دون أن يفقد أصوله. ولأن مبررات نشأة حزب البعث انبثقت من استجابة واعية لحاجات النهوض العربي والنضال التحرري، فقد صاغ مرجعيته الفكرية في قالب تنظيمي متكامل، يجعل من الحزب أداةً لتحقيق شروط النهضة داخله، ووسيلةً لترجمة مبادئه وأهدافه إلى فعل سياسي متماسك، من غير أن يفقد انسجامه العضوي مع الغايات التي يناضل في سبيلها.
كما إن المرجعية الفكرية للبعث ليست شعار (وحدة، حرية، اشتراكية)، كما يظن البعض، ولا هي مجرد ممارسات الحكم التي حكمت باسمه، بل هي منظومة فكرية متكاملة بدأت مع الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، وشاركه في بنائها صلاح البيطار، ثم تطورت عبر أدبيات الحزب ومؤتمراته الفكرية. ولم تتشكل المرجعية الفكرية للبعث من كتابات المؤسسين وحدها، وإنما من مجموع الدستور، والنظام الداخلي، وقرارات المؤتمرات القومية، والأدبيات التنظيمية، والاجتهادات الفكرية التي تراكمت عبر مسيرة الحزب. وقد انطلقت هذه المرجعية من رؤية تعتبر الأمة العربية حقيقة تاريخية وحضارية ورسالية، وأن الإنسان العربي هو محور النهضة وغايتها، وأن الحرية ليست امتيازاً فردياً فحسب، بل شرطاً لتحرير الإنسان والأمة معاً، وأن العدالة الاجتماعية ليست صراع طبقات، وإنما تحقيق للتوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع. فالإنسان في الفكر البعثي ليس أداة في خدمة الدولة، وإنما الدولة وسيلة لتحرير الإنسان وإطلاق طاقاته، ولذلك جاءت الحرية والعدالة والوحدة وسائل لبناء الإنسان، لا غايات مستقلة عنه. لقد كان الأستاذ أحمد ميشيل عفلق مؤسس المرجعية، لا نهايتها. فالفكرة الكبرى لا تموت عند مؤسسها، كما لا تتوقف اللغة عند أول شاعر، ولا الفقه عند أول إمام، ولا الفلسفة عند أول فيلسوف. وإنما تستمر حياتها بقدرتها على إنتاج أجيال جديدة من المجتهدين.
خاتمة: إن التمييز بين المرجعية الفكرية والتجربة السياسية ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة منهجية تسبق أي حكم موضوعي على أي مدرسة فكرية. فالمرجعية تُقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة وتفسير الواقع وتجديد ذاتها، لا بنتائج تطبيقاتها التي قد تنجح أو تخفق وفق ظروفها. وإذا كان البعض يخلط بين المستويات، فإن الموضوعية العلمية تقتضي رد الاعتبار لهذا التمييز، والحكم على كل مستوى بمعاييره الخاصة. فالتجربة تُقاس بنتائجها، والبرنامج بفاعليته، أما المرجعية فتُقاس بقدرتها على البقاء والتجدد والإلهام.

Leave a Reply