-
الحرب أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية وخلق مراكز نفوذ متعددة
-
الطريق بين تزايد النشاط الدبلوماسي والتسوية ما زال طويلاً
-
السودان يقف أمام نافذة تسوية تتطلب مشروعاً لإنهاء الحرب وإعادة التأسيس معاً
-
خطأنا الأول يتمثل في ضعف القدرة على بناء مركز مدني موحد بعد ثورة ديسمبر
-
إخضاع الموقف السياسي لمنطق الاصطفاف يمثل الخطأ الأكبر بعد اندلاع الحرب
-
نجاح التسوية يحتاج إلى خمسة مرتكزات مترابطة تبدأ بوقف شامل لإطلاق النار و(…)
-
القوى المدنية اعتادت الذهاب إلى المنابر بأوراق ردود لا بمشروع مكتمل
-
صمود يحتاج إلى التحول من تحالف قيادات إلى مؤسسة سياسية واجتماعية واسعة
-
الحركة الإسلامية حققت عودة إلى المجال العام تفوق ما كان متاحاً عقب الثورة
-
أي عملية سياسية تتجاوز العدالة ستنتج هدوءاً مؤقتاً وتؤجل الحرب لدورة أخرى
-
إعادة إعمار الإنسان السوداني تسبق بناء الجسور والمدن وتتطلب جيلاً كاملاً
-
المجتمع الدولي يمتلك أدوات مؤثرة لكن المعضلة تكمن في غياب الإرادة لتنسيقها
في وقت تتسارع فيه الأحداث وتتعقد فيه خيوط الأزمة السودانية، يمر المشهد السياسي بواحدة من أكثر مراحله حرجاً وخطورة. ومع استمرار أتون حرب عاتية ألقت بظلالها على كافة مناحي الحياة، تتعدد المبادرات الاقليمية والدولية لوقف الاقتتال، وسط تباين في المواقف وتشتت في الجهود السياسية، واجهت فيه القوى المدنية انتقادات واسعة حول أدائها وتقييم أخطاء المرحلة السابقة.
وفي خضم هذه التعقيدات، يدور الجدل مجدداً حول خريطة المستقبل، وعودة التيار الإسلامي للواجهة، ومدى تأثير ذلك على التوازنات السياسية والاجتماعية، إلى جانب الأسئلة الملحة حول الشروط الحقيقية والمطلوبة لتأسيس واستعادة دولة المؤسسات والقانون.
لمناقشة هذه المحاور الساخنة، نستضيف في هذا الحوار القيادي ومساعد رئيس حزب الأمة القومي، الأستاذ عروة الصادق، للوقوف على رؤيته للمشهد الراهن، وقراءته لنجاعة مبادرات وقف الحرب، ومراجعات القوى السياسية، فضلاً عن التصور المطروح للعبور بالسودان نحو الاستقرار لبناء دولة القوانين والعدالة.
حوار: راينو
—
س: كيف تقرأ المشهد السياسي السوداني اليوم، وهل ترى أن البلاد تقترب من تسوية سياسية أم ما تزال بعيدة عنها؟
دعني أؤكد لك أني انطلق ابتداء من يقين بأن هذا الوضع وصلنا إليه بتخطيط مسبق من الحزب المحلول وعناصره الإخوانية، بتدبير بدأ بالتخطيط والتدريب والتحضير والتمويل له منذ ديسمبر 2022م كنت أتابع تقاريره شخصيا عبر ضباط وصف ضباط من استخبارات الجيش السوداني منذ ذلك الوقت حتى الجمعة 14 إبريل 2023م، لذلك أقرأ المشهد الحالي باعتباره مسرحا تراجيديا تم تصميمه بالكامل وقد دخل مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن السنوات الأولى للحرب، فالمعركة اليوم تدور حول مستقبل الدولة ذاتها وتآكل حدود السلطة، وطبيعة المؤسسة العسكرية، ومركزية الحكم، وتوزيع الموارد، وموقع الأقاليم، وعلاقة السلاح بالسياسة، لأن الحرب أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية والاجتماعية، وخلقت مراكز نفوذ متعددة، وربطت الداخل بشبكة متشابكة من المصالح الإقليمية والدولية، وهذا يجعل أي تسوية مقبلة أكثر تعقيدًا من اتفاق لوقف إطلاق النار بين قيادتين عسكريتين، وهو ما تسعى له تلك القوى التي أعدت وأشعلت نيران الحرب وحشدت لها.
مع ذلك الآن هناك اقتراب من لحظة تفاوضية أكثر من اقتراب من تسوية مكتملة، والفرق بين الأمرين كبير للغاية، لأننا نشهد تصاعد النشاط الأمريكي، وتحرك الآلية الخماسية، والمشاورات الأممية، والتحركات البريطانية والإقليمية، وجميع هذه التحركات تشير إلى تزايد القناعة بأن استمرار الحرب يهدد وحدة السودان ويضاعف مخاطر الانتقال من الحرب الأهلية إلى تشظٍ سيادي طويل الأمد، وقد أعلنت مجموعة واسعة من الدول والمنظمات في يونيو 2026م دعمها لمسار مدني تقوده الأطراف السودانية عبر الخماسية، على أن يقود إلى حكومة مدنية مستقلة ومسار زمني محدد.
غير أن الطريق بين تزايد النشاط الدبلوماسي ونشوء تسوية قابلة للحياة ما زال طويلًا، لأن الطرفان العسكريان يحتفظان بقدرات قتالية عالية وكثافة مقاتلين ومستنفرين، وموازين السيطرة الجغرافية أصبحت أكثر رسوخًا، والحرب دخلت عامها الرابع وسط تمدد المليشيات الأيدولوجية والقوى القبلية والتدخلات الخارجية، ودلالة ذلك استمرار سيطرة الدعم السريع على معظم دارفور وأجزاء كبيرة من كردفان، مقابل تمركز الجيش في الشمال والوسط والشرق وأجزاء واسعة أخرى، مع تصاعد حرب المسيّرات واتساع الحاجة الإنسانية.
لذلك أرى أن السودان يقف أمام نافذة تسوية، غير أن هذه النافذة يمكن أن تغلق إذا جرى التعامل معها بمنطق التسويات العرجاء القديمة، فالمطلوب هذه المرة مشروع لإنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة معًا، ووقف إطلاق النار يمثل المدخل، ثم تبدأ المعركة الأصعب متمثلة في توحيد المجال السيادي، وإنهاء تعدد الجيوش، وتفكيك اقتصاد الحرب، وتحجيم عصابات الجريمة المنظمة، وإعادة المؤسسة العسكرية إلى وظيفتها المهنية، وإقامة سلطة مدنية ذات شرعية انتقالية واضحة.
س: ما أبرز التحولات التي طرأت على مواقف القوى السياسية منذ اندلاع الحرب، وما الأخطاء التي تعتقدون أنها أسهمت في تعقيد الأزمة؟
الحرب أعادت فرز القوى السياسية بطريقة عميقة، وفي بدايتها انقسم المشهد سريعًا بين من اصطف خلف الجيش باعتباره ممثل الدولة، ومن اقترب من الدعم السريع تحت مبررات مواجهة عودة النظام السابق عزز منه سياسات الفرز والحرمان السياسي والاجتماعي والاقتصادي والخدمي التي مارستها سلطة الأمر الواقع تحت دعاوى محاربة “حواضن التمرد”، وهناك من حاول التمسك بموقف مدني مناهض للحرب والطرفين معًا، ومع امتداد القتال تحولت بعض هذه المواقع من مواقف ظرفية إلى ارتباطات سياسية ومصلحية أكثر رسوخًا.
لكن التحول الأخطر تمثل في انتقال قطاعات من المجال المدني من موقع الضغط على العسكريين إلى موقع البحث عن مظلة عسكرية تحمي مشروعها السياسي، وعند هذه النقطة فقدت السياسة جزءًا من استقلالها، وأصبح السلاح يمنح الشرعية بدل أن تخضع القوة المسلحة للشرعية المدنية.
الخطأ الأول وقع قبل الحرب، ويتمثل في ضعف القدرة على بناء مركز مدني موحد بعد ثورة ديسمبر، عندما تنافست القوى على المواقع والتمثيل، واستهلكت طاقتها في إدارة خلافاتها الداخلية لدرجة مارست بعض تلك القوى العرقلة والمعارضة المدمرة للنظام الانتقالي، بينما كانت بنية الدولة العميقة تستعيد توازنها داخل المؤسسات النظامية والاقتصادية والقضائية والنيابة العامة.
الخطأ الثاني تمثل في التساهل مع انقلاب 25 أكتوبر بوصفه أزمة قابلة للاحتواء عبر صفقة سياسية جديدة، فذلك الانقلاب قطع مسار الإصلاح، وأعاد شبكات النظام السابق إلى مؤسسات الدولة، وفكك ما تحقق في ملف تفكيك التمكين، ثم خلق بيئة أصبح فيها الصدام العسكري في أبريل 2023م أكثر احتمالًا.
الخطأ الثالث كان الاعتقاد بأن التفاوض حول دمج الدعم السريع يمكن أن ينجح بعيدًا عن معالجة بنية القوات المسلحة نفسها، لأن السودان كان يحتاج إصلاحًا أمنيًا وعسكريًا شاملًا يطال الجيش قبل الدعم السريع والحركات المسلحة والأجهزة الأمنية والاقتصاد العسكري في وقت واحد، إلا أن بعض القوى السياسية كانت تخشى مواجهة قائد الجيش الذي استعان بشبكات الدعاية التي ابتز بها خصومه لدرجة أن بعضهم كان يتودد إليه ويعتذر له عن حدتنا تجاهه وتجاه ممارساته وسياساته الخاطئة التي كنت شخصيا أراها ستوردنا هذا المورد المدمر.
أما الخطأ الرابع، بعد اندلاع الحرب، فتمثل في إخضاع الموقف السياسي لمنطق الاصطفاف، هذه الحرب احتاجت منذ يومها الأول إلى كتلة مدنية مستقلة تطرح وقفها فورًا، وتحمي المدنيين، وتواجه الانتهاكات من كل الأطراف، وتمنع عودة النظام السابق، وتطرح تصورًا واضحًا لما بعد الحرب، لذلك أرى أن المراجعة المطلوبة اليوم ينبغي أن تكون قاسية وصريحة؛ لأن استمرار تفسير الإخفاقات باعتبارها مؤامرات الآخرين وحدهم سيعيد إنتاج النتيجة نفسها.
س: بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، هل ما تزال فرص الحل السياسي قائمة، وما الشروط التي تضمن نجاح أي تسوية قادمة؟كل سياسي عليه أن يتفاءل وإلا فليعتزل العمل، ومن باب التفاؤل أرى أن فرص الحل السياسي قائمة لأن كل حرب تنتهي في النهاية بترتيب سياسي، حتى إذا سبق ذلك إنهاك عسكري واسع، ولكن السؤال يتعلق بنوعية النهاية: هل نحصل على اتفاق يؤجل الحرب، أم تسوية تعالج أسبابها؟ وأرى أن نجاح التسوية يحتاج خمسة مرتكزات مترابطة.
أولها وقف شامل لإطلاق النار بآلية رقابة دولية وإقليمية فعالة ولو دعا الأمر أن تكون تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مع ترتيبات واضحة لحماية المدنيين والممرات الإنسانية ومواقع التجمع وإبعاد القوات عن المنشآت المدنية، وثانيها فصل المسار العسكري عن تقاسم السلطة، لأن القادة المسلحون يمكن أن يكونوا أطرافًا في ترتيبات وقف الحرب والأمن، أما تصميم مستقبل الدولة فينبغي أن ينتقل إلى مسار مدني واسع، وثالثها اتفاق مسبق على نهاية التعدد العسكري، لأن أي تسوية تسمح ببقاء جيش مختل، وقوة موازية، وحركات مسلحة، وكتائب عقائدية تحت هياكل منفصلة ستؤجل الحرب القادمة فحسب، ورابعها معالجة الاقتصاد الذي يمول الحرب: الذهب، الشركات العسكرية، الجبايات، المعابر، التجارة الحدودية، وشبكات التمويل الخارجي، ومجموعات الجريمة المرتبطة بالحرب، لأن السيطرة على المال أحد مفاتيح السيطرة على السلاح، وخامسها العدالة والعدالة الانتقالية لأن التسويات التي تمنح حصانات واسعة مقابل توقيع اتفاق تستطيع إسكات البنادق لفترة، ثم تنتج شعورًا بالغبن يدفع إلى دورة أخرى من العنف، ودوننا اتفاقات السلام السابقة، ومن هنا فإن نجاح التسوية يرتبط بقدرتها على الانتقال من صيغة من يحكم؟ إلى سؤال كيف تُحكم الدولة بحيث يصبح احتكار السلاح والانقلاب والحرب أكثر صعوبة؟
س: تتعدد المبادرات السياسية والإقليمية والدولية المطروحة بشأن السودان، لكنها تبدو متنافسة أكثر من كونها متكاملة. كيف تفسرون ذلك؟
نعم! تعدد المبادرات انعكاس مباشر لتعدد المصالح حول السودان، تعلم جيدا أن السودان يقع عند تقاطع البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل وحوض النيل والعالم العربي، وتملك دول الجوار والقوى الخليجية والولايات المتحدة وأوروبا مصالح أمنية واقتصادية وسياسية متفاوتة فيه.
لهذا تختلف نقطة البداية بين وسيط وآخر، هناك طرف يركز على بقاء مؤسسات الدولة، وآخر يركز على وقف الحرب، وثالث على النفوذ الإقليمي، ورابع على الهجرة والبحر الأحمر، وخامس على التحول المدني، وعندما تدخل هذه الأولويات إلى غرفة الوساطة من دون هندسة مشتركة، تتحول المبادرات إلى مسارات متوازية يتنقل بينها السودانيون بحثًا عن المنبر الأقرب لمصالحهم، وهو ما شهدنا منذ مبادرات دول الجوار، والإيقاد، وجدة الأولى والثانية، والمنامة والرباعية وصولا إلى ما نشهده اليوم من طرح للخماسية.المبادرة التي تحتاجها البلاد ينبغي أن تعمل وفق تقسيم وظائف واضح، تنطلق من منصة واحدة لوقف الحرب، ومنصة سياسية مدنية متكاملة معها، وضمانات دولية موحدة لتنفيذ النتائج، والإعلان الدولي الصادر في يونيو حول دعم مسار مدني عبر الخماسية يمثل محاولة لتحسين التنسيق، لكنه يحتاج إلى أدوات تنفيذ حتى يتحول من توافق دبلوماسي إلى بنية عملية للتسوية، وهو ما أشارت له القوى المدنية التي أبدت ملاحظاتها ودونت تحفظاتها على نهج الخماسية، والتنافس الماثل بين الوسطاء منح أطراف الحرب قدرة على المناورة، وكل طرف استطاع رفض منبر ثم الانتقال إلى آخر، وتعطيل مسار ثم انتظار عرض أفضل، ولهذا فإن توحيد المرجعية الدولية جزء من عملية وقف الحرب نفسها، وذلك لأنني أشاهد محاولات إنفراد أمريكي بقرارات الحرب والسلام في الإقليم (ليبيبا سوريا لبنان) وهو ما ينعكس أيضا على السودان.
س: كيف يمكن لقوى التحول المدني الديمقراطي أن تستفيد من هذه المبادرات بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل معها؟
المشكلة الكبرى أن القوى المدنية اعتادت الذهاب إلى المنابر بأوراق ردود، بينما المطلوب الذهاب إليها بمشروع سوداني مكتمل تتوافق فيه صمود وتأسيس والكتل الداعمة لوقف الحرب. وهو ما اتفق عليه طيف كبير منها في نيروبي منتصف الشهر الجاري، وأرى أن القوة المدنية الجادة ينبغي أن تصوغ أولًا خريطة وطنية شاملة متكاملة تفصيلية لإنهاء الحرب، ثم تحمل هذه الخريطة إلى العواصم والمنظمات وتطلب منها دعمها وهي نقطة اتفق عليها، وهذا يتطلب مركزًا مدنيًا للتخطيط السياسي والدبلوماسي يمتلك خرائط مصالح الدول، وعلاقات منتظمة مع العواصم، وفرقًا مختصة بالملفات الإنسانية والأمنية والاقتصادية والعدلية.
كذلك القوى المدنية تحتاج إلى الانتقال من دبلوماسية القيادات إلى دبلوماسية المؤسسة، مثلا العلاقة مع واشنطن أو القاهرة أو الرياض أو أبوظبي أو أديس أبابا ينبغي أن تقوم على أوراق مكتوبة، ورسائل ثابتة، ومتابعة، وقواعد بيانات، ودوائر اتصال تتجاوز الأشخاص، وهذا الأمر يحاجج الرأي القائل بعمالة هؤلاء القادة وفرية ازدواج جنسياتهم التي يتشدق بها البعض، وعلى حد علمي أن جميع الأطراف الآن تجتهد لتوحيد الرؤية لصياغة الخطابات التي تخاطب بها تلك العواصم خاصة المرتبطة بالحرب مباشرة.
كما ينبغي لها أن تجعل المبادرات المختلفة تتنافس على دعم مشروعها بدل أن تتنافس هي على مقاعد داخل المبادرات، عندما تمتلك رؤية متماسكة لوقف الحرب، والإصلاح العسكري، والعدالة، والاقتصاد، والفيدرالية، والانتقال، تستطيع أن تحدد لكل منبر الوظيفة التي يمكن أن يؤديها، ونحن مثلا في حزب الأمة القومي صغنا هذا التصور كاملا في مشروع تحت وسم “الخلاص الوطني” لقناعتنا أن الدبلوماسية الناجحة تبدأ من امتلاك المبادرة الفكرية والسياسية.
س: ما المبادئ التي ينبغي ألا تتنازل عنها القوى المدنية في أي عملية سياسية أو تسوية مقبلة؟
هناك مجموعة من الحدود التي أرى أن تجاوزها سيجعل أي انتقال مجرد استراحة بين حربين، تمكن هذه الاستراحة المتقاتلين من التحضر الجيد لحرب أشرس وأكثر ضراوة.
أولها مدنية السلطة التنفيذية والسيادية خلال الفترة الانتقالية، مع إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة الدستورية المدنية.ثانيها جيش مهني قومي واحد ونهاية جميع التشكيلات العسكرية الموازية والكتائب الحزبية والعقائدية.
ثالثها وحدة السودان وسيادته المتساوية على كامل أراضيه، مع نظام حكم يعالج اختلال العلاقة التاريخية بين المركز والأقاليم.رابعها استقلال القضاء والنيابة ومؤسسات العدالة، وربط التسوية بمسار عدلي واضح متماسك ومرتبط بالعدالة المحلية والدولية يمنع الإفلات من العقاب ويردع الجناة.
خامسها تفكيك بنية التمكين داخل مؤسسات الدولة وفق القانون والإجراءات القضائية والحق في الطعن تجاوزا لتشوهات التجربة السابقة التي أعاق استكمالها رئيس مجلس السيادة وقتئذ.
سادسها حماية حق التنظيم السياسي السلمي، مع الفصل الصارم بين الحزب والسلاح والقبيلة ومؤسسات الدولة.
وسابعها قيام الانتخابات بعد بناء شروطها المؤسسية وتنفيذ استحقاقاتها الأمنية، لأن الانتخابات التي تجرى تحت هيمنة السلاح والمال غير المشروع تعيد إنتاج الأزمة تحت غطاء انتخابي.
هذه المبادئ ينبغي أن تشكل عقدًا دستوريًا فوق التفاوض اليومي، بحيث تصبح قواعد تأسيس الدولة، عوضًا عن كونها أوراقًا قابلة للمساومة.
س: يطرح تحالف “صمود” نفسه بوصفه إطاراً جديداً للقوى المدنية، كيف يمكنه تجاوز إخفاقات التجارب السابقة، وما الضمانات التي تحول دون تكرارها؟
اختبار صمود يبدأ من قدرته على التعلم من تجربة تاريخية كـ (نداء السودان) وتجربة حديثة مرتبطة بالثورة وهي تجربة قوى الحرية والتغيير ومن تجربة تقدم التي انقسمت ومن تجربة العمل المدني خلال الحرب، لأن تغيير الاسم أو الهيكل التنظيمي وحده يقدم أثرًا محدودًا إذا بقيت الثقافة السياسية القديمة قائمة، وأرى أن تحالف صمود يحتاج إلى التحول من تحالف قيادات إلى مؤسسة سياسية واجتماعية واسعة، أي إطار مدني يريد قيادة مرحلة ما بعد الحرب ينبغي أن يمتد إلى الولايات، والنازحين، واللاجئين، والنقابات، والمهنيين، والنساء، والشباب، والمجتمعات الريفية، وأن يعيد بناء علاقته بالمجتمع من أسفل إلى أعلى، كما يحتاج إلى الفصل بين الوظائف: قيادة سياسية، جهاز تخطيط، أمانة تنظيمية، مركز بحوث وسياسات، جهاز علاقات خارجية، وآليات رقابة داخلية، والتجارب السابقة دفعت ثمن تداخل هذه الوظائف وتمركز القرار داخل دائرة محدودة “مقررية، سكرتارية، لجان.. الخ”،المطلوب كذلك إعلان قواعد واضحة للعلاقة مع الأطراف المسلحة، لأن الاستقلال السياسي ينبغي أن يكون قابلًا للقياس من خلال التمويل، والمواقف، وآليات اتخاذ القرار، والقدرة على إدانة الانتهاكات أيًا كان مرتكبها، والضمان الحقيقي يتمثل في المؤسسية، وتداول القيادة، والشفافية، ونشر المواقف، وإدارة الخلاف بآليات داخلية، وربط التحالف بقواعد اجتماعية واسعة، ومن دون ذلك يستطيع أي تحالف مدني أن يتحول بسرعة إلى منصة تفاوضية صغيرة تتنازعها مراكز النفوذ.
س: سبق أن تحدثتم عن دور الإسلاميين في إطالة أمد الحرب. كيف تقيّمون حضورهم السياسي اليوم؟
الحركة الإسلامية حققت خلال الحرب عودة إلى المجال العام تفوق كثيرًا ما كان متاحًا لها عقب ثورة ديسمبر، فقد عادت عبر ثلاثة أبواب متزامنة: القتال إلى جانب الجيش، استعادة مواقع داخل جهاز الدولة، وإعادة إنتاج حضور سياسي وإعلامي يتحدث باسم الدفاع عن الدولة والسيادة، نحن نشهد كيف أن قيادات إسلامية تتحدث يوميا وصراحة عن إمكانية عودتها إلى الحياة السياسية بعد الحرب، وأن عناصر وواجهات مرتبطة بالحركة والحزب المحلول شاركت في القتال إلى جانب الجيش، ونشاهد تعيين البرهان وحكومته لشخصيات إسلامية وحلفاء لهم داخل مؤسسات سلطة بورتسودان، مع أن قيادة الجيش نفت وجود تنسيق حزبي رسمي، وهنا قراءتي أن المشروع يتجاوز استعادة حزب المؤتمر الوطني “المنحل” كاسم قانوني، لأن الأهم هو استعادة البنية: النفوذ داخل الدولة، الشبكات الاقتصادية ورجال الأعمال، الكوادر الأمنية والعسكرية، الإعلام، النقابات، الإدارة، والقدرة على إنتاج تحالف اجتماعي يخشى البديل ويبحث عن الحماية داخل المؤسسة العسكرية، ولهذا فإن قياس قوة الإسلاميين بعدد مقاعدهم أو بياناتهم مضلل، هؤلاء قوتهم الحقيقية تكمن في المواقع التي يستطيعون من خلالها التأثير في قرار الدولة والحرب، والحرب الحالية منحتهم فرصة لإعادة تعريف أنفسهم من قوة أسقطتها الثورة إلى قوة تزعم الدفاع عن المؤسسة العسكرية وكرامة السودانيين. وفي تقديري، هذه واحدة من أخطر التحولات السياسية التي أنتجتها سنوات الحرب.
س: وما موقفكم من الأصوات التي تدعو إلى إشراكهم في أي تسوية سياسية باعتبار ذلك مدخلاً لإنهاء الحرب؟
ينبغي التفريق بدقة بين الحق في النشاط السياسي السلمي وبين منح منظومة التمكين مكافآت وحصانة سياسية تحت عنوان الشمول، ما يردده البعض “عملية سياسية شاملة لا تستثني أحد”، لأن أي مواطن أو تيار يقبل النظام الديمقراطي، ويفصل نشاطه السياسي عن السلاح، ويخضع للقانون، ويقبل التداول السلمي للسلطة، يستطيع ممارسة السياسة وفق قواعد الدستور، أما تحويل المشاركة في التسوية إلى وسيلة تحفيز أو لإعادة شرعنة الكتائب العقائدية المتطرفة، أو حماية الأموال المستردة، أو تعطيل المحاسبة، أو الاحتفاظ بشبكات داخل القوات النظامية، فذلك يؤسس للأزمة القادمة، إن المطلوب صيغة تقوم على المواطنة الفردية وحرية التنظيم من جهة، والمساءلة المؤسسية من جهة أخرى، وقناعتي الشخصية أن الانتماء الفكري وحده موضوع سياسي؛ لكن الجرائم، والانقلابات، والفساد، وتسليح التنظيمات، واستغلال أجهزة الدولة موضوعات تخضع للقانون، لذلك أرى أن التسوية التي تستبدل العدالة بالمساومة مع أصحاب القوة ستمنح كل تنظيم في المستقبل رسالة واضحة مفادها: امتلك السلاح والنفوذ أولًا، ثم تفاوض على الحصانة لاحقًا. وهذا هو الطريق الذي ينبغي للسودان أن يقطعه بصورة نهائية لأننا كررنا تجربته مرارا فكانت النتيجة هي الانتقال من حرب إلى حرب أشد قسوة وأكبر فداحة.
س: وإلى أي مدى يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح إذا تجاوزت ملفات العدالة والمحاسبة؟
أي عملية سياسية تتجاوز العدالة ستنتج هدوءًا مؤقتًا و”هدنة” تؤجل الحرب إلى دورة أخرى أقسى وأنكى، وفي بلادنا جرّبنا التسويات التي تتجاوز الجرائم أو تضعها في الهامش، وكانت النتيجة تراكم مظالم جديدة، وتوسع ثقافة الإفلات من العقاب، وتحول السلاح إلى وسيلة تفاوضية تمنح حامله مكاسب سياسية، ومن منظوري أن العدالة هنا لا تعني الانتقام ولا تعني إدارة انتقال كامل بمنطق المحاكم وحدها، المقصود هو بناء مسار متدرج يحدد المسؤوليات الفردية والمؤسسية، ويصنف الانتهاكات، ويحفظ الأدلة، ويعترف بحقوق الضحايا، ويمنع منح حصانات شاملة للمتورطين في الجرائم الجسيمة، ويردع الكيانات المتطرفة وحواضن الجريمة المنظمة، لأن الحرب الراهنة خلّفت نطاقًا واسعًا من القتل والتهجير والعنف الجنسي والاعتقال والتعذيب وتدمير الممتلكات واستهداف البنية المدنية، وأي اتفاق يتعامل مع ذلك باعتباره ملفًا مؤجلًا سيُفقد الدولة الجديدة أساسها الأخلاقي والقانوني منذ يومها الأول، وأشدد دائما على قولي أن المطلوب هو عدالة انتقالية متكاملة تضم المحاكمات في الجرائم الكبرى، وجبر الضرر، والحقيقة والمصارحة، والإصلاح المؤسسي، ورد الحقوق، وإعادة الاعتبار للضحايا، مع ضمانات تحول دون استخدام العدالة لتصفية الخصومات السياسية، وفي تقديري أن العدالة ليست عبئًا على السلام؛ لأنها إحدى أدوات استدامته فـ “لا سلام بلا عدالة”.
س: هل ما يزال بالإمكان بناء جيش وطني مهني موحد بعد هذه الحرب؟
نعم، لكن ذلك يتطلب الاعتراف أولًا بحجم الانهيار والتجريف التدميري الذي أصاب بنية القوة المسلحة في السودان بفعل الحركة الإسلامية ونفوذ الحزب المحلول وتنظيمه الخاص في الجيش، لأن المشكلة اليوم لا تتمثل في وجود جيش وقوة موازية فقط، لدينا قوات مسلحة، ودعم سريع، وحركات اتفاق جوبا، وتشكيلات محلية، وكتائب ذات مرجعيات عقائدية، وقوى قبلية ومناطقية، ومافيا الجريمة العابرة للحدود التي استولدتها قيادة الجيش، إلى جانب اقتصاد عسكري ومصالح متشابكة تحمي استمرار هذه التكوينات، وأرى هنا أن إعادة بناء الجيش تبدأ من إعادة تعريف وظيفته، فالجيش القومي الوطني دوره حماية الحدود والسيادة والنظام الدستوري، وليس إدارة السياسة أو الاقتصاد أو اختيار الحكومات أو لعب دور وصائي كالذي أدخلنا به قائد الجيش في نفق الحرب المظلم، كما أن الإصلاح العسكري لا يمكن أن يقوم على دمج شامل وفوري لكل من يحمل السلاح، هناك حاجة إلى فرز مهني دقيق، وفحص للسجل الجنائي والانضباطي، ومعايير عمرية وصحية وتعليمية، وبرامج تسريح وإعادة دمج، وإعادة تأهيل، وضبط للرتب، وتحديد واضح للحاجة الفعلية للقوات، وهذا بروتكول دولي متعارف عليه ظل البرهان يصر على تجاوزه، والهدف النهائي ينبغي أن يكون مؤسسة عسكرية قومية واحدة ذات عقيدة وطنية، وقيادة موحدة، وميزانية خاضعة للرقابة، ونظام ترقيات مهني، وحظر كامل للنشاط الحزبي داخلها، والأهم أن عملية بناء الجيش ينبغي ألا تكون تفاوضًا بين القيادات المسلحة حول توزيع الرتب والمواقع؛ يجب أن تكون جزءًا من مشروع دستوري لإعادة تأسيس الدولة، وهو أمر يمتنع جنرالات الجيش في الذهاب نحوه وقطعوا الطريق الذي كان معبدا إليهم بإجهاضهم أهم ورش الاتفاق الإطاري بتفجير الأوضاع داخل ورشة الإصلاح الأمني والعسكري التي كان مقدرا لها أن تختم مشوار الاتفاق الموصل إلى استعادة الحكم المدني وتفكيك انقلاب أكتوبر 2021م وللأسف أرى تكرار الأمر والتمنع عن الإصلاح وإعادة الهيكلة تحت ذريعة “حرب الكرامة”.
س: وكيف يمكن معالجة ملف تعدد الجيوش ودمج القوات ضمن مشروع إصلاح أمني وعسكري يمنع تكرار الانقلابات؟
أرى أن معالجة هذا الملف تحتاج إلى مراحل متتابعة، لا إلى صفقة سياسية واحدة، تبدأ بالمرحلة الأولى وهي وقف النار الفوري وتثبيت القوات في مواقع معلومة، وحصر الأفراد والسلاح والمخازن وسلاسل القيادة، والمرحلة الثانية تتعلق ببناء قاعدة بيانات موحدة لكل التشكيلات، تشمل الرتب، والتأهيل، والخدمة، والانتهاكات المحتملة، والمسؤوليات القيادية، والمرحلة الثالثة هي الفرز لأن بعض الأفراد يمكن دمجهم في القوات المسلحة، وبعضهم في الشرطة أو الدفاع المدني أو حرس الحدود، وبعضهم يحتاج إلى برامج تسريح وإعادة دمج اقتصادي واجتماعي، أما المرحلة الرابعة هي إعادة بناء القيادة نفسها، فدمج الجنود مع إبقاء مراكز القوة القديمة سيعيد إنتاج الأزمة، والإصلاح ينبغي أن يصل إلى العقيدة، وهيكل القيادة، والتدريب، والميزانية، والشركات العسكرية، ونظام الترقيات، والعلاقة مع السلطة المدنية، وأما منع الانقلابات فيحتاج إلى أكثر من النصوص الدستورية، ويجب تحريم النشاط السياسي داخل القوات النظامية، وتجريم إنشاء التنظيمات السرية أو العقائدية داخلها، وإخضاع الموازنة العسكرية للرقابة، وإعادة هيكلة الاستخبارات العسكرية، وإبعاد الشركات التجارية عن المؤسسة العسكرية تدريجيًا، كذلك ينبغي أن تصبح أي محاولة للانقلاب جريمة دستورية مغلظة، مع منع المتورطين فيها من تولي المواقع العامة مستقبلًا، والضمان الحقيقي هو بناء مؤسسة لا تستطيع مجموعة محدودة داخلها السيطرة على الدولة، وللأسف هذه الخطوات كنا على مرمى حجر منها في 2022م وكانت أعداد الضباط المهنيين في القوات المسلحة المقتنعين بهذا الأمر أكبر وأصدق وأكفأ منهم اليوم لأن بعضهم أُحيل أو أُقيل أو أُغتيل أو آثر الرحيل.
س: كيف تقيّمون تجربة لجنة إزالة التمكين ولماذا، برأيكم، عادت لفترة وجيزة ثم اختفت رغم رفع سقف التوقعات؟
قبل أن أجيب دعني أقول لك أن هذه التجربة لم تقرأ بصورة شاملة بعد لأن المعلومات التي توفرت تتجاوز استيعاب عقولنا وما يحمد للعاملين وقتئذ أنهم أرشفوا كل شاردة وواردة وحفظوها وحملوها كأمانة سيأتي يوم تسليمها للشعب السوداني وحكومته التي تسترد حقوقه، وعليه أقيّم تجربة لجنة إزالة التمكين باعتبارها واحدة من أهم محاولات تفكيك بنية الدولة التي ورثها السودان عن نظام الثلاثين من يونيو، وقد نجحت في كشف حجم التمكين داخل الخدمة المدنية والاقتصاد والمؤسسات العامة وشبكات الملكية والواجهات الحزبية والقضاء والنيابة العامة بل حتى ديوان المراجع القومي، وفي الوقت ذاته، كانت التجربة تحمل أوجه قصور حقيقية عددتها تفصيلا في أوراق ومقالات، أوجزها في أنها كانت تعمل في بيئة انتقالية شديدة الهشاشة، وبأجهزة دولة بقيت أجزاء واسعة منها خاضعة لنفوذ النظام السابق الذي وفر لقادته البرهان حمايته الشخصية، وبمنظومة عدلية لم تُصلح بالقدر الكافي، وبمقاومة سياسية وإدارية وأمنية واسعة، وممانعة علائق القبلية والأسرية التي وصلت أيادي التفكيك بيوتاتها، وكنا ندرك أن ملف التمكين لا يقف عند الوظائف المدنية أو الشركات، وقد جمعنا تقارير ومعلومات حول اختراقات داخل الجيش والشرطة والمخابرات والجمارك، وكانت هناك محاولات جادة للانتقال إلى معالجة هذه الملفات، وهنا ظهرت حدود القوة المدنية داخل الانتقال ونفوذ العسكريين الحامي لشبكات الفساد، فكلما اقتربت اللجنة من المؤسسات النظامية، اقتربت من مركز القوة الحقيقي الذي بناه نظام الإنقاذ خلال ثلاثة عقود، والتمكين داخل هذه المؤسسات كان أكثر تنظيمًا وأكثر حماية وأكثر قدرة على تعطيل أي مسار إصلاحي، وانقلاب 25 أكتوبر قطع الطريق على هذا المسار، لأن حل اللجنة لم يكن إجراءً إداريًا عاديًا؛ كان جزءًا من عملية أوسع لإعادة توزيع السلطة لصالح الشبكات التي استهدفها التفكيك، مثلا بعد ساعات من الإنقلاب تم إطلاق سراح أحد أكبر رؤوس التنظيم المحلول المرتبطين بأموال تنظيم القاعدة “عبد الباسط حمزة” وتهريبه عبر مطار الخرطوم بواسطة شقيق رئيس مجلس السيادة حسن البرهان، وبعد ذلك عادت مجموعات من المفصولين إلى مواقعها تباعا بقرارت القاضي أبو سبيحة الارتدادية، واستردت شبكات النظام السابق ومنظماته وواجهاته قدرًا كبيرًا من نفوذها داخل مؤسسات الدولة خاصة المالية والقضاء والنيابة العامة، وتراجع الملف كله تحت ضغط الانقلاب ثم استكمل حلقاته في الحرب، لذلك فإن اختفاء اللجنة يقرأ في سياق صراع على طبيعة الدولة: هل تستمر دولة التمكين بشبكاتها القديمة، أم تُعاد مؤسساتها على أساس الخدمة العامة والقانون والمهنية؟
س: إذا قامت سلطة انتقالية جديدة، فهل تعتقدون أن ملف تفكيك التمكين سيعود؟
مؤكد وبصورة قاطعة سيعود حتمًا، لأن المشكلة التي أنتجته ما زالت قائمة واتسعت خلال سنوات الحرب. غير أن عودة الملف ينبغي أن تكون بصيغة أكثر نضجًا من التجربة “البكر” السابقة، فالمطلوب بناء مؤسسة دائمة لاسترداد الدولة، وليست لجنة ظرفية ذات طابع سياسي مرتفع، هذه المؤسسة ينبغي أن تعمل وفق قانون واضح، وقواعد إثبات محددة، ونيابة مختصة، ومحاكم مستقلة، وحق كامل في الطعن، وآليات لحماية الشهود والمبلغين، وقواعد لاسترداد الأصول والأموال، والتجربة المريرة أن قرار تكوين لجنة الاستئناف كان في أدراج رئيس مجلس السيادة متعمدا تعطيله حتى انقلب على السلطة برمتها، كما يجب التفريق بين العضوية السياسية وبين الاستفادة غير المشروعة من التمكين، والانتماء السياسي وحده لا يكفي لإقصاء شخص من الخدمة العام، والمعيار يجب أن يكون الكفاءة، وطريقة التعيين، واستغلال النفوذ، والفساد، والارتباط بالتنظيمات السرية داخل مؤسسات الدولة، والمشاركة في الجرائم أو تقويض النظام الدستوري. والأهم هو أن يمتد التفكيك إلى البنية لا إلى الأفراد فق، لأن تبديل أسماء الموظفين مع بقاء نظم التعيين والتمويل والترقية والإختيار والاحتكار سيعيد إنتاج التمكين بصورة أخرى.
س: وإذا عاد، فما الصيغة التي تحقق العدالة وتحافظ في الوقت نفسه على سيادة القانون؟
الصيغة الأفضل هي تحويل تفكيك التمكين من أداة استثنائية إلى منظومة عدالة مؤسسية، وأقترح بحكم تجربتي المتواضعة في سكرتارية اللجنة أن الأفضل هو فصل الوظائف إلى ثلاث جهات مستقلة: جهة للتحقيق وجمع الأدلة، جهة للادعاء، وقضاء مختص للفصل، وهذا الفصل يقلل تداخل الأدوار ويعزز الثقة، ويجب أن تكون كل القرارات مسببة ومكتوبة، وأن يكون الطعن حقًا أصيلًا، وأن تحدد مدد زمنية واضحة للنظر في القضايا، كما ينبغي اعتماد معايير دقيقة لاسترداد الأموال العامة، مع تتبع الملكية الحقيقية للشركات والعقارات والأصول، والاستعانة بخبرات المحاسبة الجنائية والتحقيق المالي، وفي المؤسسات النظامية، المطلوب مسار خاص يخضع لمعايير الإصلاح الأمني والعسكري، ويتناول العضوية التنظيمية السرية “التنظيم الخاص”، والكتائب الحزبية (براؤون – بنيان مرصوص- برق خاطف ..الخ)، والتدخل السياسي، والجرائم، والفساد، وسوء استخدام السلطة، فالمبدأ المركزي هو أن الدولة تسترد مؤسساتها بالقانون، وأن المتضرر يستطيع الدفاع عن نفسه، وأن الحقوق لا تسقط تحت ضغط المزاج السياسي.
س: ما أبرز التحديات التي تواجه القوى المدنية اليوم، وهل تحتاج إلى مراجعة نقدية شاملة لتجربتها منذ ثورة ديسمبر، أم أن الحرب فرضت واقعاً جديداً تجاوز ما قبلها؟
القوى المدنية تحتاج إلى مراجعة أعمق من أي وقت مضى، لأن الحرب خلقت واقعًا جديدًا، لكنها لم تمح أخطاء الماضي. وكثير من أزمات اليوم لها جذور في طريقة إدارة الانتقال، وفي ضعف البناء المؤسسي للأحزاب والتحالفات، وفي التنافس حول التمثيل، وفي غياب مشروع اقتصادي واجتماعي واضح وانعدام التصور الاستراتيجي الشامل الذي يقود لتحقيق الحلم الوطني، وكذلك في ضعف العلاقة مع الأقاليم والمجتمعات المحلية.
التحدي الأول هو فقدان الثقة فهناك قطاعات واسعة من السودانيين تنظر إلى النخب السياسية باعتبارها منشغلة بصراعاتها الداخلية أكثر من معاناتهم اليومية، والتحدي الثاني هو التشظي لأن القوى المدنية موزعة بين تحالفات متعددة، وبعضها مرتبط بدرجات متفاوتة بأطراف الحرب أو بالعواصم الإقليمية، والتحدي الثالث هو ضعف التنظيم داخل السودان نتيجة النزوح والحرب والقمع، وهو ما نقل جزءًا كبيرًا من النشاط السياسي إلى الخارج، والتحدي الرابع هو غياب مشروع دولة متكامل يتجاوز الشعارات العامة، هذه النقطة تحديدا دفعتنا في حزب الأمة القومي لإعداد مشروع الخلاص الوطني، لذلك المراجعة المطلوبة ينبغي أن تشمل تجربة الحكم بصورة أوسع من التي أجريناها في ورشة تقييم الانتقالية، لتشمل العلاقة م العسكريين، وبنية الأحزاب، وإدارة التحالفات، والسياسات الاقتصادية، والمركز والأقاليم، وقضايا الشباب والنساء، وخطاب الدولة والدين والهوية، وقلت لقيادة حزبنا الراحل الإمام الصادق عليه الرضوان، أننا أمام تحد كبير في حزبنا لمجابهة مستجدات الوضع بتغيير القيادة والشعار والأفكار والتنظيم والهياكل واليوم أردد ذات الأمر ليس لقيادات حزبنا بل للحركة السياسية قاطبة، فالحرب تمنح فرصة قاسية لإعادة البناء من الجذور علينا اغتنامها رغم مرارتها.
س: كيف يمكن للقوى المدنية استعادة ثقة الشارع السوداني والانتقال من حالة التنافس والانقسام إلى بناء مشروع وطني جامع؟
استعادة الثقة تبدأ بالاعتراف بالأخطاء. المجتمع السوداني لا ينتظر من القوى المدنية خطابًا يشرح دائمًا لماذا أخطأ الآخرون؛ ينتظر منها أن تقول أين أخفقت هي، وماذا تعلمت، وكيف ستتجنب التكرار. ثم تأتي العودة إلى المجتمع. السياسة ينبغي أن تنزل من قاعات المؤتمرات ومنابر العواصم إلى قضايا الناس: الأمن، الغذاء، التعليم، الصحة، العودة، السكن، التعويض، العدالة، الوظائف، والخدمات، كذلك القوى المدنية تحتاج أيضًا إلى بناء تنظيم أفقي واسع داخل الولايات وفي الشتات، وربط القيادات بالمجتمعات المحلية، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء والنازحين واللاجئين، والحذر الشديد من أن يستخدم بعض قادة تلك القوى السياسية مساحات الحركة التي تمنحها السلطات للاستثمار والتكسب التجاري والاقتصادي، أما المشروع الوطني الجامع فيجب أن يقوم على قضايا واضحة قابلة للقياس: وقف الحرب، جيش واحد، دولة مدنية، عدالة، فيدرالية فعالة، توزيع عادل للموارد، استقلال القضاء والنيابة العامة، وتعليم وصحة واقتصاد يعيد بناء المجتمع، والوحدة السياسية لا تعني ذوبان الأحزاب داخل كيان واحد لأن المطلوب اتفاق على قواعد الدولة مع بقاء التعدد الفكري والتنظيمي.
س: يكثر الحديث عن إعادة إعمار المدن والبنية التحتية، لكن هناك من يرى أن الأولوية هي لإعادة إعمار الإنسان السوداني بعد ما خلفته الحرب من شروخ نفسية واجتماعية وقيمية. كيف تنظرون إلى هذا الطرح؟
أراه من أكثر الأسئلة جوهرية في مرحلة ما بعد الحرب، ويمكن إعادة بناء جسر خلال أشهر، وإعادة تشغيل محطة كهرباء خلال عام، بينما إصلاح مجتمع عاش القتل والنزوح والفقد وخطاب الكراهية والاستقطاب قد يحتاج إلى جيل كامل، ونحن في بلادنا سنخرج من الحرب ونحن نحمل ملايين التجارب الفردية المؤلمة: أطفال عاشوا القصف، نساء تعرضن للعنف، أسر فقدت أبناءها، مجتمعات اقتلعت من مناطقها، وشباب حملوا السلاح أو عاشوا سنوات بلا تعليم أو عمل.
إذا أُعيد بناء الخرطوم وبقي الإنسان مكسورًا، سنكون قد رممنا مسرح الحرب القادمة، وإعادة إعمار الإنسان تحتاج إلى مشاريع تأهيل اجتماعي وبرنامج وطني للصحة النفسية، وإعادة الأطفال إلى المدارس، ومعالجة آثار العنف، وبرامج للمقاتلين السابقين، ومبادرات للمصالحة المحلية، وتعويض المتضررين، ومناهج تعليمية جديدة تحقق المواطنة والتعدد وقيمة الحياة، كما نحتاج إلى إعادة بناء منظومة القيم العامة: احترام القانون، حرمة الدم، حماية المرأة، قبول الاختلاف، ونبذ خطاب الكراهية، لأن إعادة الإعمار الحقيقية تبدأ بالإنسان ثم تمتد إلى البنيان.
س: وما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأحزاب السياسية في هذه المهمة؟
الأحزاب مطالبة بأن تتغير هي نفسها قبل أن تطلب من المجتمع التغيير، عليها أن تتحول من أدوات انتخابية ونخب مركزية إلى مؤسسات للتنشئة المدنية والتثقيف السياسي وبناء القدرات والخدمة العامة، ويمكن للأحزاب أن تطلق برامج واسعة للمصالحة المجتمعية، ولتأهيل الشباب، ولدعم النساء المتضررات، وترسيخ ثقافة الحوار وقبول الآخر، وللتوعية بالحقوق والدستور، كما عليها أن تصلح خطابها الداخلي، لأن الأحزاب التي تستخدم لغة التخوين والكراهية في صراعاتها اليومية لا تستطيع أن تقود مجتمعًا نحو المصالحة، وكذلك يقع عليها واجب فتح أبوابها لجيل الحرب، وهو جيل ستكون له أسئلة مختلفة عن جيل الاستقلال وجيل الإنقاذ وجيل الثورة، والمطلوب بإيجاز شديد أحزاب جديدة في طريقة التفكير والعمل، حتى لو احتفظت بأسمائها التاريخية، ولا أذيعك سرا أني ممن ينادون بتغيير حتى اسم حزبي حزب الأمة القومي وتحديثه اسما ومعنى وشعارات وهياكل ومؤسسات وحلفاء وأدوات تفكير ومواعين صناعة قرار ليكتب له حياة جديدة واستدامة وفعالية وإلا سيكون مصير بعض أحزابنا كمصير الحركة الشعبية بعد الإنفصال أو كمصير حزب الوفد المصري.
س: كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني بعد هذا القدر من الاستقطاب والانقسام؟
الثقة لا تُفرض بقرار سياسي، ولا تنتجها المصالحات الاحتفالية، وتبدأ بالاعتراف بما حدث، وكل مجتمع يحتاج إلى سماع حقيقة ما جرى له ولغيره، ومعرفة مصير المفقودين والأسرى والجرحى، والمسؤولية عن الجرائم، والاعتراف بالألم، ومن ثم تأتي العدالة وجبر الضرر، لأن الضحية التي ترى قاتل أسرتها يحتفظ بالسلاح والنفوذ ستجد صعوبة في تصديق أي خطاب عن المصالحة وهو ما كنا نسمعه ولا زلنا من أسر ضحايا مواكب الثورة وذوي شهداء مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، علينا تحقيق ذلك وبعده تأتي المصالحات المحلية المرتبطة بالأرض والموارد والعودة والتعويضات والأمن.
كما ينبغي تفكيك خطاب الحرب الذي صنف السودانيين وفق القبيلة والمنطقة واللون والانتماء السياسي ما عرف بـ “الوجوه الغريبة” و”حواضن التمرد” وغيره من التوصيفات البذيئة التي تقدح حتى في الأنساب وتخوض في الأعراض، ولذلك أرى أهمية إنشاء برنامج قومي طويل المدى للتماسك الاجتماعي، يضم قيادات المجتمع الأهلي والديني، والشباب، والنساء، والفنانين، والمعلمين، والأكاديميين، ويعمل داخل المدارس والجامعات والإعلام والمجتمعات المحلية، لأن المصالحة الوطنية لا تعني نسيان الحرب؛ فهي في تصوري تعني تحويل ذاكرتها إلى ضمانة تمنع تكرارها وجميعنا رأى الاحتفاظ بذاكرة الحرب رغم ألمها في رواندا وجنوب أفريقيا وكيف ساهمت في استدامة الاستقرار.
س: هل ما يزال المجتمع الدولي يمتلك أدوات حقيقية للتأثير في أطراف الحرب، أم أن الحل أصبح رهين الإرادة السودانية وحدها؟
المجتمع الدولي ما زال يمتلك أدوات مؤثرة، غير أن المشكلة تكمن في الإرادة السياسية لتجميع هذه الأدوات داخل استراتيجية واحدة، أنظر إلى الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ودول الإقليم، والمؤسسات المالية الدولية، ومجلس الأمن، والمحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، جميعهم يمتلكون قدرات ضغط تتصل بالعقوبات، وحركة الأموال، وتجارة الذهب، وشبكات التسليح، والتحويلات، والسفر، والشرعية السياسية، والوصول إلى الأسواق الدولية، كل هذه أدوات تستطيع تغيير حسابات الحرب إذا استُخدمت بصورة منسقة.
المعضلة أن الضغوط ظلت متفرقة، وأن بعض الأطراف الإقليمية تتعامل مع السودان من زاوية أمنها ومصالحها المباشرة وفرص الاستثمار من أزمة السودان واستنزاف موارده، لذلك ظل طرفا الحرب قادرين على الحصول على موارد عسكرية وسياسية ومالية تسمح باستمرار القتال، وحتى المبادرات الدبلوماسية أصبحت في فترات كثيرة جزءًا من إدارة التوازنات أكثر من كونها أداة لفرض نهاية للحرب، مثلا خطة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات تطرح هدنة إنسانية تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار ثم انتقال مدني، فيما تركز المقترحات الأمريكية الأخيرة كذلك على جيش وطني موحد وتسريح التشكيلات المسلحة وإعادة دمجها، وهذا يدل على وجود أدوات ورؤية أولية، ويبقى السؤال متعلقًا بقدرة الرباعية على تحويل التوافق النظري إلى ضغط متزامن على الأطراف ومن يقف خلفها، ولكن الإرادة السودانية تظل الأساس؛ لأن الدولة التي ينتجها الخارج وحده ستبقى رهينة الخارج، المطلوب الآن علاقة مختلفة تجعل السودانيون وحدهم من يصوغون مشروع إنهاء الحرب وبناء الدولة، والمجتمع الدولي يوفر لهم الضمان والضغط والموارد اللازمة لحماية ذلك المشروع من التخريب، وهو ما يتطلب نخب لهم حساسية عالية تجاه التعاطي مع الخارج الإقليمي والدولي. لأن المعادلة المطلوبة هي إرادة وطنية تملك المشروع، وإرادة دولية تمنح الأموال والدعم لاستدامة استقراره وتمنع أصحاب السلاح من إسقاطه، ويد جنائية دولية تردع الجناة وتحول دون إفلاتهم من العقاب.
س: مؤخرًا رشحت معلومات عن طرح لدولة ما بفرض البرهان رئيسًا لخمس سنوات بصلاحيات عسكرية فقط في مقابل صلاحيات كاملة لحكومة مدنية، كيف ترى مثل هذه الأطروحات، وهل وجدت صدى لدى البعض في القوى السياسية؟
شخصيا أتعامل مع هذه المعلومات باعتبارها طرحًا متداولًا يحتاج إلى إثبات رسمي قبل نسبته إلى دولة بعينها؛ ولم أجد في المواقف العلنية التي يمكن التحقق منها إعلانًا رسميًا بهذه الصيغة المحددة، سواء من البرهان أو مخادميه، أما من حيث المبدأ، فأرى أن مجرد التفكير في إبقاء رئيس عسكري لخمس سنوات حتى وإن كان بخلفية غير خلفية البرهان المثقلة بالجرائم والانتهاكات، حتى مع تقليص صلاحياته المعلنة إلى المجال العسكري، يعيدنا إلى أصل الأزمة التي ظل السودان يدور حولها منذ 2019م وهي من يملك السيادة النهائية، المدني المنتخب أو العسكري الذي يحتفظ بالقوة المنظمة؟ وإني أقدر مخاوف البرهان وسدنة إنقلابه ومخادمي الحرب وكتائب الحركة والحزب من الذهاب إلى خطوات شجاعة نحو سلام ثم انتقال ينتزع شرعيتهم لصالح الشعب، وفي ذلك يذهبون نحو هذه الخيارات التمكينية التي ورثوها من “المخلوع البشير” ويحاولون استنساخها حتى أن بعضهم اقترح العودة لدستور 2005م الذي كتب بعد اتفاق السلام الشامل، وفي تقديري يمكن كتابة دستور يمنح الحكومة المدنية عشرات الاختصاصات، ثم تصبح تلك الاختصاصات هشة إذا بقي قائد الجيش فوقها لمدة خمس سنوات، يسيطر على المؤسسة العسكرية والأمنية، ويملك شبكة علاقات إقليمية خاصة، ومصادر قوة اقتصادية، وقدرة فعلية على تعطيل القرار السياسي، السلطة تقاس بأدوات إنفاذ القرار أكثر مما تقاس بعدد المواد المكتوبة في الوثائق، وتجربتنا منذ 2019م تقدم درسًا بالغ الوضوح مفاده أن الثنائية المدنية العسكرية التي كان يفترض أن تقود إلى تسليم السلطة انتهت بانقلاب 25 أكتوبر، وإعادة إنتاجها بعد حرب بهذا الحجم، وبصيغة تمنح قائد المؤسسة العسكرية خمس سنوات أخرى، تعني إرجاء السؤال بدل حسمه، لذلك أرى أن أي ترتيب انتقالي يمكن أن يحدد للمؤسسة العسكرية دورًا في وقف الحرب وإعادة الهيكلة والأمن القومي، أما تحويل قائدها إلى مركز سيادي موازٍ للحكومة المدنية فسوف يؤسس لثنائية سلطة جديدة، وكل ثنائية سلطة في دولة خارجة من حرب تتحول سريعًا إلى صراع حول من يملك القرار النهائي، وشخصيا أرى أن البرهان ينبغي مساءلته لا مكافأته. والموقف الذي أراه أكثر اتساقًا هو سلطة مدنية انتقالية كاملة الصلاحيات، ومجلس للأمن والدفاع يخضع لمرجعية دستورية مدنية، وقيادة عسكرية محترفة تتولى الوظيفة العسكرية وفق القانون. والأهم أن فترة الانتقال ينبغي أن تُحدد بمهام قابلة للإنجاز وجداول زمنية دقيقة، بدل أن تتحول إلى مكافأة زمنية لأحد أخطر وأعقد أطراف الأزمة.
س: ألا يعكس ذلك تمدد تحالفات البرهان الإقليمية التي تحاصر القوى المدنية وتحالفها الأبرز ممثلًا في صمود؟
إلى حد كبير، نعم. البرهان اشتغل خلال سنوات الحرب على بناء شرعية خارجية موازية للشرعية التي فقدها داخليًا بعد انقلاب أكتوبر والحرب، وتحركاته الإقليمية تتجاوز العلاقات التقليدية للدولة؛ وهي محاولة لبناء شبكة أمان سياسية تمنحه موقعًا في أي ترتيبات قادمة، وأخطر هذه العلاقات في تقديري ليست الظاهرية مع مصر وطهران وتركيا وقطر ودولة إريتريا ولكن البرهان له صلة خفية برئيس وزراء دولة الاحتلال فهو السوداني الوحيد الذي منح الإسرائيليين امتيازات استقبال الوفود وفتح لهم الترسانة العسكرية السودانية وكشف لهم العمق الاستراتيجي والاستخباري في البلاد والمنطقة لذلك أرى أن من مصلحة نتنياهو بقاء البرهان في السلطة وهو ما يجعل البرهان مصر على مسألة الحسم العسكري، وهذه الشبكة من العلاقات تستند إلى ثلاثة مرتكزات: تقديم القوات المسلحة باعتبارها حامل الدولة، تخويف بعض العواصم من انهيار مؤسسات السودان، ثم توظيف المصالح المتعلقة بالبحر الأحمر والهجرة والأمن المائي والحدود ومواجهة الجماعات المسلحة، ومن هنا تستطيع قيادة بورتسودان أن تقول لبعض الدول: البديل عن بقائنا هو الفوضى. وهذه رسالة فعالة لدى الحكومات التي تضع الاستقرار الأمني قبل التحول الديمقراطي، ولكن هذه الاستراتيجية تواجه مشكلة جوهرية وهي أن الاستقرار الذي يقوم على عسكرت الدولة يزرع أسباب الانفجار التالي داخلها، أما القوى المدنية، وصمود ضمنها، فتواجه مأزقًا مختلفًا، فحضورها الخارجي لا يكفي ما لم يمتد إلى قاعدة اجتماعية داخل السودان، لأن المعركة هنا لا تُحسم بعدد اللقاءات مع العواصم، وإنما بمن يستطيع تقديم نفسه بوصفه حاملًا لمشروع دولة قابل للحياة، وعلى القوى المدنية أن تتخلص من ابتزاز معسكر الحرب وترغيب وترهيب البرهان وسلطته التي يمارسها عبر مكتبه أو سفرائه بالخارج وعليها أن تخرج من موقع الشكوى من تحالفات البرهان إلى بناء تحالفاتها هي، وفق رؤية وطنية واضحة، وعليها أن تخاطب مصر من زاوية أمن الحدود والنيل، والسعودية من زاوية البحر الأحمر واستقرار الدولة، ودول الخليج من زاوية الاقتصاد وإعادة الإعمار، وأفريقيا من زاوية وحدة السودان ومنع انتقال الحرب، وأوروبا من زاوية الهجرة والسلام والأمن، والولايات المتحدة من زاوية الاستقرار الإقليمي والتحول المدني، وإسرائيل من زاوية السلام وحل الدولتين، لأن الدبلوماسية المدنية تحتاج إلى خرائط مصالح، لا إلى خطابات تعاطف.والأهم أن المجتمع الدولي بدأ في الأشهر الأخيرة يعيد التأكيد على مسار سياسي مدني مستقل يقود إلى انتقال ديمقراطي، فيما تدعم الرباعية أيضًا هدنة تفتح الطريق أمام انتقال تقوده حكومة مدنية. هذا يمنح القوى المدنية فرصة، لكنه لن يتحول إلى رصيد سياسي ما لم تُنتج هذه القوى مركزًا موحدًا ورؤية واضحة.
س: إذا توقفت الحرب غداً، فما الأولويات العاجلة للدولة خلال الفترة الانتقالية؟
إذا توقفت الحرب غدًا، فإن الخطأ الأكبر سيكون التعامل مع اليوم التالي باعتباره عودة إلى 14 أبريل 2023م، السودان الذي سيخرج من هذه الحرب بلد مختلف جذريًا كليا، فالأولوية الأولى هي إنقاذ الدولة من الانهيار قبل الانشغال بتقسيم مواقع السلطة وأقول الواجب : إزالة الغبائن قبل تقسيم المدائن، ومحو المغارم قبل توزيع الغنائم، وخلال الساعات والأيام الأولى يجب تثبيت وقف إطلاق النار، ونشر آلية مراقبة مشتركة، وفتح الطرق والممرات الإنسانية، وتأمين المستشفيات ومحطات المياه والكهرباء والمطارات والمخازن والأسواق، حماية المدنيين، وحصر القوات والأسلحة ومواقعها، ثم تبدأ مرحلة استعادة الدولة لخدماتها الأساسية: الصحة، المياه (شرب – ري زراعي)، الكهرباء، التعليم (خاصة امتحانات المراحل متوسط وشهاة ثانوية)، الاتصالات، الوثائق المدنية، القضاء، الشرطة، البنوك، الاتصالات، وإعادة تشغيل الإدارة المحلية، ويأتي بالتوازي ملف العودة الآمنة للنازحين واللاجئين، والعودة ينبغي أن ترتبط بالأمن، وإزالة مخلفات الحرب، واستعادة الممتلكات، والتعويض، وتوفير الخدمات، لأن دفع ملايين المواطنين إلى مناطق محطمة قبل توفير شروط الحياة سيخلق أزمة إنسانية جديدة. ثم يأتي ملف العدالة وحفظ الأدلة والمفقودين والمحتجزين والمقابر (فردية وجماعية) والانتهاكات والعنف الجنسي، هذا الملف ينبغي أن يبدأ منذ اليوم الأول لأن الأدلة تضيع، والشهود يتفرقون، والجريمة التي لا توثق في وقتها تصبح أصعب في المحاسبة، أما الأولوية الاستراتيجية الكبرى فهي توحيد المجال العسكري، لأن وقف إطلاق النار مع بقاء الجيوش على بنيتها الحالية يعني وقف الحرب الأولى والاستعداد للثانية.
وبالتوازي علينا إنشاء برنامج طوارئ اقتصادي فيه توحيد النظام المصرفي، وضبط العملة، واستعادة الإيرادات العامة، ومراجعة تجارة الذهب، وإعادة تشغيل الإنتاج الزراعي، وتأمين الموانئ والطرق، وإخضاع الموارد السيادية لوزارة مالية واحدة، ثم تبدأ عملية دستورية سودانية واسعة تقود إلى عقد اجتماعي جديد، وتعيد تعريف علاقة المركز بالأقاليم، والجيش بالدولة، والثروة بالسلطة، وتجيب على تساؤلات الهوية وعلاقة الدين بالسياسة في مؤتمر دستوري جامع. وأرى أن الفترة الانتقالية القادمة ينبغي أن تكون مرحلة تأسيس الدولة، لا مرحلة اقتسامها.
س: وما الضمانات التي ينبغي توافرها حتى لا تتكرر دوامة الانقلابات والصراعات المسلحة؟
ببساطة أزل المسبب يبطل السبب فالضمانات تبدأ من تفكيك البيئة التي تنتج الانقلاب، وأول ضمان هو جيش مهني قومي واحد، وعقيدة عسكرية جديدة، وسلسلة قيادة واحدة، وحظر النشاط الحزبي والتنظيمي والقبلي داخل القوات النظامية، وثاني ضمان هو إخراج المؤسسة العسكرية من الاقتصاد التجاري تدريجيًا، لأن من يملك المال والسلاح معًا يمتلك إمكانية بناء سلطة موازية للدولة، وثالث ضمان هو إصلاح جهاز المخابرات بحيث يصبح جهازًا مهنيًا لجمع المعلومات وحماية الأمن القومي تحت رقابة دستورية وتشريعية، ورابع ضمان هو استقلال القضاء والنيابة والمحكمة الدستورية، بحيث يجد أي انقلاب أمامه دولة قانون قادرة على مقاومته منذ ساعته الأولى، وخامس ضمان هو بناء نظام فيدرالي حقيقي يعالج احتكار المركز للثروة والقرار. جزء كبير من تاريخ التمرد السوداني خرج من اختلال العلاقة بين المركز والأطراف، وسادس ضمان هو تأسيس نظام حزبي حديث وديمقراطي يمنع امتلاك الأحزاب للتشكيلات المسلحة، ويضبط تمويلها، ويفرض الشفافية على مواردها، وسابع ضمان هو بناء اقتصاد يقلل من دوافع التجنيد والحرب، لأن الجيوش تنمو في المجتمعات التي يجد شبابها في حمل السلاح فرصة اقتصادية أكبر من التعليم والعمل، وثامن ضمان هو العدالة عن الانقلابات السابقة، لأن أي انقلاب بلا محاسبة يصبح سابقة مغرية لمن يأتي بعده ومدخل للتبرير الذي نشهده اليوم بأن الانقلابات مبررة منذ قديم الزمن، وأضيف ضمانًا أخيرا وهو أن يتغير تصور السودانيين للسلطة نفسها، لأننا طوال عقود، ظللنا نرى أن الوصول إلى الخرطوم يعني امتلاك الدولة كلها، ما دمنا نبني دولة مفرطة المركزية، سيبقى الاستيلاء على مركزها جائزة تستحق المغامرة العسكرية، لذلك توزيع السلطة والثروة دستوريًا يجعل الانقلاب أقل جدوى من الأصل، وهنا أوافق وأدعم تصور الخبير الاقتصادي الدولي بروفيسور إبراهيم البدوي بتصوره للممرات التنموية وأضيف أننا نحتاج للتعافي مدنا جديدة لأننا منذ الاستقلال لم ننشيء سوى مدن تعويضية كحلفا الجديدة أو مدن صناعية ككنانة وعسلاية وجميعا مدن صغيرة، النموذج القادم ينبغي أن يشمل كل السودان بصورة تجعل من تعافيه الاجتماعي أمرا ممكنا بعد ضغائن الحرب التي عززتها خطابات كراهية غرف مشعليها.
س: في ضوء كل ما جرى، هل ما زلتم تؤمنون بإمكانية قيام دولة مدنية ديمقراطية في السودان؟
بالتأكيد!! لولا ذلك لاعتزلنا الأمر كلينا ولنا أسوة في ذلك الإمام الصادق المهدي الذي ظل يردد لثلاثة عقود أن الديمقراطية راجحة وعائدة حتى رأى صدق نبوءته قبل رحيله إلى دار البقاء، لذلك أؤمن بذلك بقدر أكبر، لأن البدائل جميعها اختُبرت أمام السودانيين وانتهت إلى هذا الخراب، فقد جربنا الحكم العسكري الطويل، والحزب الواحد، والدولة العقائدية (يسرة ويمنة)، والمليشيات (قبلية ومتطرفة)، والشراكة المختلة بين المدنيين والعسكريين، والانقلابات، والتسويات الجزئية، واتفاقات تقاسم السلطة مع حاملي السلاح، وهاهي النتيجة أمامنا: دولة أنهكتها الحروب، وملايين النازحين واللاجئين، واقتصاد محطم، ومجتمع تعرض لصدوع عميقة، والدولة المدنية الديمقراطية بالنسبة لي لم تعد شعارًا متعلقًا بمن يجلس في القصر الجمهوري، فهي هندسة مختلفة للدولة فيها مؤسسة عسكرية احترافيه قومية قوية ومهنية، وقضاء مستقل ونزيه، وحكم فيدرالي عادل، ومواطنة متساوية، واقتصاد منتج، وانتخابات حرة، وتداول سلمي للسلطة، ومجتمع يستطيع محاسبة من يحكمه، وأرى أن الحرب نفسها، على فداحة ثمنها، أسقطت أوهامًا عديدة، فقد أسقطت وهم قدرة السلاح على بناء الدولة، ووهم قدرة الجيش على إدارة السياسة، ووهم قدرة التمرد على إنتاج شرعية وطنية، ووهم إمكانية عودة النظام القديم بالصورة ذاتها، ووهم أن السودان يمكن أن يُحكم إلى الأبد من مركز صغير يقرر نيابة عن بقية البلاد، يا عزيزي السؤال بعد هذه الحرب ينبغي أن يتجاوز: من ينتصر؟ إلى: أي دولة تستطيع منع تكرار كل هذا؟ إجابتي هي دولة مدنية ديمقراطية، تحتكر مؤسساتها الشرعية استخدام القوة، ويخضع الجميع فيها للقانون، وتوزع السلطة والثروة بصورة عادلة، وتستمد الحكومة مشروعيتها من المواطن، وهذه الدولة ممكنة، لكن الوصول إليها يحتاج إلى شجاعة فكرية توازي شجاعة الثورة؛ شجاعة الاعتراف بأخطاء القوى المدنية، ومواجهة مشروع التمكين، وإصلاح المؤسسة العسكرية، وإنصاف ضحايا الحرب، وإعادة تعريف علاقة السودان بنفسه وبأقاليمه وبمحيطه. وأمام السودانيين بعد هذه الحرب فرصة تاريخية أخيرة تقريبًا: إما أن يعيدوا بناء الدولة على عقد جديد، أو يرث الجيل القادم حروبًا تحمل أسماء أخرى وتنتج الخراب نفسه.
س: بعد كل هذه الكلفة ما الذي ينبغي ألا تقع فيه القوى المدنية والسودانيين الباحثين عن بلد حقيقي؟
أقول من موقع المتابع والفاعل في الشأن العام: إن أخطر ما يمكن أن نفعله بعد كل هذه الكلفة أن نبحث عن صيغة تعيد تشغيل الدولة القديمة بأسماء جديدة، لأن السودان وصل إلى نهاية نموذج سياسي كامل؛ نموذج احتكار المركز، وتسييس المؤسسة العسكرية، وتسليح السياسة، واستخدام الدولة مورداً للتمكين، وإدارة التنوع عبر الغلبة، وتأجيل الأسئلة الكبرى بالتسويات المؤقتة، وهذه الحرب كشفت الحصيلة النهائية لهذا النموذج، ولهذا فإن وقفها ينبغي أن يكون بداية انتقال تأسيسي يعيد تعريف الدولة، ومصادر شرعيتها، وحدود القوة داخلها، وعلاقة المركز بالأقاليم، وموقع المواطن في معادلة السلطة، وإنقاذ السودان يحتاج إلى ما أسميه نزع قابلية الدولة للحرب؛ أي معالجة المؤسسات والمصالح والخطابات والشبكات الاقتصادية والأمنية التي تجعل العودة إلى السلاح ممكنة ومربحة كلما وقع خلاف سياسي.
وأرى أن التحدي الأكبر أمام القوى المدنية يتجاوز الوصول إلى مقاعد الحكم إلى امتلاك فكرة الدولة التي تلي الحرب، وعلينا أن نقدم للسودانيين مشروعًا يستطيع طفل في خيمة لجوء أو معسكر نزوح، ومزارع في الجزيرة، وراعٍ في دارفور، وأسرة في كردفان، وشاب في الشرق، ولاجئ خارج الحدود، أن يرى فيه مستقبله وحقوقه وأمنه، مشروع يعيد السياسة إلى المجتمع بعد أن احتل السلاح فضاءها، ويعيد الجيش إلى وظيفته المهنية، والمال العام إلى الدولة، والعدالة إلى الضحايا، والأقاليم إلى قلب صناعة القرار، كما يتطلب ذلك مواجهة أي مشروع يسعى إلى إعادة شبكات التمكين والتنظيمات العقائدية إلى مؤسسات الدولة تحت غطاء الحرب أو حماية الجيش؛ فالدولة المهنية لا تحتمل تنظيمًا سريًا داخل جيشها، أو حزبًا داخل جهازها الأمني، أو اقتصادًا موازياً داخل مؤسساتها السيادية.
وأمام المجتمع الدولي مسؤولية مماثلة، لأن السودان يحتاج إلى شركاء يساعدونه على إيقاف الحرب وحماية المدنيين وتجفيف اقتصادها، ثم يتركون للسودانيين حق صياغة دولتهم. التسويات التي تبحث عن رجل قوي، أو توازن مؤقت بين البنادق، أو صيغة توزع النفوذ بين مراكز القوة ستشتري فترة هدوء بثمن حرب مؤجلة، حاليا المطلوب استثمار دولي وإقليمي في استقرار المؤسسات بدلاً من استقرار الأشخاص، وفي دولة قادرة على البقاء بعد مغادرة حكامها.
وأحسب أن سؤال المرحلة القادمة ينبغي أن يكون أكثر جرأة من سؤال من يحكم السودان. السؤال الذي يستحق أن نبني حوله مشروعنا القومي هو: كيف نبني سودانًا يصبح فيه الاستيلاء على الدولة بالسلاح مستحيلًا، والاحتفاظ بالسلطة بالقوة مستحيلًا، واختطاف المؤسسات بواسطة تنظيم عقائدي مستحيلًا، والعودة إلى الحرب أعلى كلفة من أي خلاف سياسي؟ إذا نجحنا في الإجابة عن هذا السؤال بالمؤسسات والدستور والعدالة والاقتصاد والتعليم والثقافة السياسية، نكون قد خرجنا من الحرب إلى المستقبل. أما إذا اكتفينا بتغيير الأشخاص والتحالفات والواجهات، فسوف نكون قد نقلنا أسباب الحرب من خنادقها إلى داخل الدولة الجديدة.وهذه، في تقديري، معركة السودان الحقيقية: أن نجعل الحرب التي دمّرت حاضرنا آخر حرب تستطيع البنية السياسية للدولة السودانية إنتاجها.

Leave a Reply