الجزائر بعد الاستقلال: معركة السيادة لم تنتهِ

صحيفة الهدف

بقلم الدكتور نذير بن سالم – الجزائر

من يعتقد أن معركة الجزائر من أجل السيادة انتهت يوم غادر آخر جندي فرنسي أرضها، فهو ينظر إلى الاستقلال من زاوية واحدة. نعم، الاستقلال أنهى وجوداً استعمارياً دام أكثر من قرن، وأعاد للجزائريين حقهم في وطنهم، لكن السيادة أوسع من ذلك. السيادة هي أن يكون القرار الوطني نابعاً من إرادة الدولة والشعب، وأن تكون الجزائر قادرة على تحديد مصالحها واختيار طريقها دون وصاية أو تبعية.

وهذه مسألة أعتقد أن علينا أن نتوقف عندها اليوم، بعيداً عن الشعارات والانفعال.

فالاستعمار لم يترك وراءه آثاراً في الأرض والمؤسسات فقط، وإنما ترك أيضاً آثاراً في الاقتصاد والثقافة وطريقة النظر إلى الذات وإلى الآخر. وبعض هذه الآثار بقي حاضراً، بدرجات مختلفة، إلى يومنا هذا. والاعتراف بذلك ليس انتقاصاً من الجزائر، بل هو جزء من فهم تاريخها كما هو.

ما زالت هناك أصوات داخل الجزائر تنظر إلى النموذج الفرنسي أو الغربي باعتباره المقياس الطبيعي للتقدم. وكأن الجزائر، كلما أرادت أن تتطور، عليها أن تبحث أولاً عن نموذج جاهز تقلده. والأكثر إشكالاً حين يتحول هذا التفكير إلى التقليل من قيمة ما هو جزائري، أو إلى اعتبار الحديث عن الهوية والتاريخ والسيادة نوعاً من المحافظة ورفض الحداثة.

هذا التفكير يحتاج إلى مراجعة.

نحن لسنا ضد فرنسا، ولسنا ضد أوروبا أو الغرب، ولا نرى في الانفتاح على العالم خطراً. الجزائر لا يمكنها أن تعيش خارج العالم، ولا مصلحة لها في ذلك. نحن بحاجة إلى التعاون، والاستثمار، والتكنولوجيا، والخبرات، وإلى علاقات جيدة مع مختلف الدول.

لكن علينا أن نعرف أين تنتهي الشراكة وأين تبدأ التبعية.

نحن نحترم فرنسا كدولة وشعباً، ونريد معها علاقات طبيعية تقوم على الاحترام والمصالح المشتركة. لكن فرنسا ليست مرجعاً فوق القرار الجزائري، كما أن أي دولة أخرى في العالم لا يمكن أن تكون كذلك. وهذا المبدأ يجب أن يكون واضحاً في كل علاقاتنا الخارجية.

السيادة لا تعني أن نغلق أبوابنا، وإنما أن نفتحها ونحن نعرف ماذا نريد.

والقضية لا تتعلق بالسياسة الخارجية وحدها. عندما يعتمد الاقتصاد على الخارج في جزء كبير من حاجاته، تصبح القدرة على اتخاذ القرار أصعب. وعندما لا تنتج جامعاتنا ما يكفي من المعرفة، نبقى في موقع المستهلك لما ينتجه الآخرون. وعندما يكبر جيل وهو يعتقد أن كل ما يأتي من الخارج أفضل، وأن ما هو جزائري يحتاج دائماً إلى الدفاع والتبرير، فإن المشكلة تصبح أعمق من مجرد علاقة بين دولتين.

التبعية قد تبدأ من الاقتصاد، وقد تمر عبر الثقافة، لكنها في النهاية تصل إلى طريقة تفكير الإنسان.

لهذا علينا أن نكون أكثر ثقة بأنفسنا. ليس المطلوب أن نرفض كل ما يأتي من الخارج لمجرد أنه أجنبي. هذا ليس انفتاحاً ولا عقلانية. المطلوب أن نعرف كيف نختار. نتعلم من تجارب الدول التي سبقتنا، ونستفيد من علومها وتقنياتها، ونتقن لغات العالم، لكن من دون أن نشعر بأن علينا التخلي عن شخصيتنا حتى نكون عصريين.

فالحداثة لا تعني أن نصبح نسخة من غيرنا، كما أن المحافظة على هويتنا لا تعني أن نعيش خارج العصر.

وهنا تأتي مسؤولية النخب الوطنية. لا أعتقد أن الجزائر تحتاج اليوم إلى مزيد من الصراخ أو إلى توزيع تهم الوطنية والخيانة على الناس. الجزائر أكبر من ذلك. ما تحتاجه هو نقاش جاد حول الدولة التي نريدها، والاقتصاد الذي نريد بناءه، والتعليم الذي نريده لأبنائنا، والمكانة التي نريد أن تحتلها الجزائر في محيطها وفي العالم.

ومن حق أي جزائري أن يختلف في الرأي وأن يدافع عن تصور مختلف للمستقبل. لكن ليس من الطبيعي أن تصبح الوطنية نفسها شيئاً نخجل من الحديث عنه، أو أن يتحول الدفاع عن الشخصية الجزائرية إلى موقف يحتاج صاحبه إلى الاعتذار.

لقد دفع الشهداء حياتهم من أجل أن يكون هذا الوطن حراً. ومسؤوليتنا ليست فقط أن نتذكرهم في المناسبات، وإنما أن نحافظ على معنى الاستقلال في حياتنا اليومية: في المدرسة، والجامعة، والاقتصاد، والإدارة، وفي القرار السياسي.

الاستقلال لا يقاس فقط بما نرفضه، وإنما بما نستطيع أن نبنيه.

نريد دولة قوية بمؤسساتها، واقتصاداً منتجاً، وجامعات قادرة على صناعة المعرفة، وشباباً يعرف العالم ويستفيد منه دون أن يفقد ثقته في بلده. نريد علاقات متوازنة مع الجميع، لا عداوة دائمة ولا تبعية دائمة.

لا نريد جزائر تعيش في خصومة مع العالم، كما لا نريد جزائر تذوب فيه.

نريد جزائر تعرف من هي، وتعرف مصالحها، وتحسن التعامل مع الآخرين من موقع الندية.

لقد استعدنا الأرض، وهذا كان انتصار جيل الثورة. أما مسؤوليتنا اليوم فهي أن نحمي القرار، وأن نبني دولة تجعل استقلالها حقيقة في الاقتصاد والعلم والثقافة والسياسة، لا مجرد ذكرى في كتب التاريخ.

لقد استعدنا الأرض، وحان الوقت أن نحمي القرار.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.