بين الفرح المسلوب والحزن المكبوت: دموع الرجال في مرآة عبد الرحمن منيف

صحيفة الهدف

محمد شريف

في زحام الحياة، حيث تتقاطع الأفراح والأتراح، يطلّ سؤال قديم جديد، يلحّ على الذاكرة ويستفزّ الوجدان: هل دموع الرجال محظورة؟ ليس سؤالًا عابرًا، بل هو استدعاء لتاريخ طويل من الموروثات التي كبّلت العاطفة، وأحاطت الرجولة بأسوارٍ من الصلابة المصطنعة، حتى غدت الدموع في نظر الكثيرين ضعفًا لا يليق بمن يحمل لقب “رجل”.

في لحظات الوداع، حين يغيب الأمل في لقاء آخر، أو حين ينهش الحنين القلب، تتأهب الدموع للمغادرة. لكنها، قبل أن تصل إلى صالة العيون، تواجه جحافل من “الأمن العاطفي”، مدججة بمفاهيم موروثة، تأمرها بالعودة من حيث أتت. تعود الدموع لتجد الأبواب مزدحمة بمشاعر أخرى، فتختنق، ويختنق معها صاحبها. لا يجد وصفًا أدق من تلك العبارة الشعبية التي تختزل الموقف: “خنقتني العبرة”.

هذا الحظر لا يمرّ بلا احتجاج داخلي. فالنفس، بطبيعتها، تبحث عن متنفس، عن تعبير صادق يخفف وطأة الألم. لكن الإجابة تأتي من ركن قصيّ في الذاكرة، مدعومة بمفاهيم توارثناها عبر الأجيال: “أ يذرف الرجال دموعهم؟” وكأن البكاء صار امتيازًا أنثويًا، محرّمًا على الرجال، رغم أن الحزن لا يفرّق بين جنس وآخر.

نحن نتقلب في هذه الدنيا بين أفراح نرجو دوامها وأتراح نتمنى زوالها. نعيش أيامًا بكينا فيها، وأيامًا بكينا عليها. وحين يتملكنا الأسى، لا تحزننا فقط ذكرى الألم، بل ترهقنا أيضًا ذكرى الفرح الذي افتقدناه. نبحث عن مخرج للألم ومدخل للسعادة، فنصل أحيانًا إلى سؤالٍ إجابته سؤال: وهل هناك سعادة دائمة في هذه الفانية؟

هنا، يتقاطع هذا التأمل مع صوت عبد الرحمن منيف في روايته الأشجار واغتيال مرزوق، حين قال:

“إن الحياة قصيرة لدرجة أن الإنسان يجب أن يسرق لحظات الفرح، وإذا لم تكن سارقًا جيدًا سوف تنزلق الحياة، وسوف تنظر إلى الوراء ذات يوم وتبصق. ستقول لنفسك: هذه السنين كلها ولا لحظة فرح واحدة؟”

منيف كان يتحدث عن الفرح المسلوب، وأنا أتحدث عن الحزن المكبوت. كلاهما يُصادر من الإنسان باسم الأعراف، باسم الرجولة، باسم الخوف من الضعف. لكن، ما الفرق بين من يُمنع من الفرح، ومن يُمنع من البكاء؟ كلاهما يعيش نصف حياة، وكلاهما ينظر إلى الوراء يومًا ويبصق.

إن حظر دموع الرجال ليس مجرد قضية شخصية، بل هو انعكاس لبنية ثقافية أوسع. ثقافة ترى في الدموع تهديدًا لصورة الرجولة، وتربط القوة بالصمت، والصلابة بالجمود. لكنها تغفل أن الدموع ليست ضعفًا، بل هي اعتراف بالإنسانية، وتنفيس عن الألم، وتطهير للنفس من أثقالها. في لحظة البكاء، يتجلى الصدق بأبهى صوره. لا أقنعة، لا تزييف، لا ادعاء. فقط إنسان يواجه حزنه بشجاعة، ويعترف بأن قلبه ليس من حجر.

ولعل السؤال الأعمق الذي يطرحه هذا التأمل هو: لماذا نخشى الاعتراف بإنسانيتنا؟ لماذا نصرّ على أن الرجولة تعني الكبت، بينما القوة الحقيقية تكمن في القدرة على مواجهة الذات؟ إن دموع الرجال، حين تُذرف، لا تنتقص من رجولتهم، بل تضيف إليها بعدًا إنسانيًا يجعلها أكثر صدقًا وأقرب إلى جوهر الحياة.

في النهاية، لا يمكن أن نعيش حياة كاملة إذا صادرنا نصف مشاعرنا. كما دعا منيف إلى سرقة لحظات الفرح من بين أنياب الزمن، علينا أن نسمح لدموعنا بالانسياب حين يشتد الألم. فالحياة قصيرة، والفرح والحزن وجهان لعملة واحدة. إن حظر أحدهما يعني العيش في نصف دائرة، بينما الإنسانية الكاملة لا تكتمل إلا بالاعتراف بكليهما.

فهل دموع الرجال محظورة؟ ربما ليست محظورة بقدر ما هي مراقبة، مستنكَرة، مقنَّنة. لكنها، حين تُذرف، تكون لحظة صدق نادرة، لحظة “سرقة” من عمرٍ لا يرحم، تمامًا كما وصف منيف لحظة الفرح. ولعلنا بحاجة إلى أن نعيد تعريف الرجولة، لا كقوة صلبة، بل كقدرة على الاعتراف، على البكاء، على الفرح، على الحياة.

#عبد_الرحمن_منيف #دموع_الرجال #فلسفة_الحزن #أدب_وفكر #ثقافة_إنسانية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.