المبدع والفنان عاصم الطيب لـ”ملف الهدف الثقافي”:

صحيفة الهدف
  • الموسيقى لغة المعرفة وبحث في جغرافيا الهامش السوداني

  • التصوف والحب والموسيقى.. ثلاثية الوجدان والوعي

  • فلسفة الإنسان.. استلهام التماثل بين الوجود والجسد البشري

  • السلم الخماسي خصوصية وتميز وليست عائقاً للانتشار

  • دكتوراه الفنون الإبداعية.. توظيف الفن لخدمة المجتمع والسلام


من سحرِ الطبيعة، ومن نثيثِ المطر، وهسهسةِ القصب، جاء الدكتور الموسيقار عاصم الطيب، معمَّداً بماءِ الحكمة، ومطوقاً بخرزِ البصيرة، امتداداً لسمفونية الأرض، وحارساً لوطنِ العذوبة ومنابعِ الشغف.

لم يكن عاصم مجرد صانعٍ للألحان، بل باحثاً استثنائياً يغوص في الأعماق السحيقة للذاكرة السودانية، منقِّباً في إيقاعات الشعوب وحكاياتها المنسية، ومستكشفاً ما تختزنه الهوامش من كنوزٍ ثقافية وروحية، حتى غدت الموسيقى لديه لغةً للمعرفة، ووسيلةً لفهم الإنسان قبل أن تكون فناً .

وفي مشروعه الإبداعي، تتجاور المعرفة مع الإلهام، ويتعانق التراث مع الحداثة في تناغمٍ بديع، لتغدو الموسيقى جسرا يعبر عليه السودانيون نحو ذواتهم المشتركة، وفضاءً رحباً تتنفس فيه الهوية، وتستعيد الذاكرة نبضها، ويتشكل فيه المصير الجمعي بروحٍ أكثر إنسانية واتساعاً.

وفي هذا الحوار، يفتح لنا خزائن سيرته وتجربته، ويكشف ملامح فلسفته في «السودانوية» والتصوف، متحدثاً عن رحلته التي بدأت بشغف الطفولة، وامتدت إلى الإبحار في تراث الهامش السوداني، وصولاً إلى إيمانه الراسخ بأن الفن الصادق هو أبهى تجليات المعرفة، وأقدرها على بناء الجسور، وصناعة السلام، ومقاومة النسيان.

حوار: محمد الحاج

  • من هو عاصم الطيب؟

عاصم الطيب قرشي إبراهيم، ولدت في الرصيرص مارس 1965، ، من أب ينتمي إلى قبيلة الحلاوين من ناحية الأب، أمه بنت الشيخ القرشي ودالزين، . ومن ناحية أخرى ، في النسب نجد الشيخ الطيب أمه دينكاوية، عندي نسب مع الدينكا. والشيخ القرشي أيضاً حبوباته بزعيات، بقى عندي خط مع البِزَعة. وأم الشيخ الزين أبو الشيخ القرشي ودالزين، من ناس الهلاليه في أبو سكونة.

​وشِريكابية، إيه جَوطة بتاعة قبائل سودانية حقت وسط وغرب. بالنسبة للأم، آمنة، الأم عائشة بنت طه الشايب، أو طه آدم، أو ضو البيت آدم، جدها علي شاور. شاور ولد عبد الله جماع. عبد الله مختلطين بالشمباتة، ومختلطين بالعِنيج أو الهَمَج، مختلطين بالبطاحين الدهمشية، مختلطين بالمجاذيب من ناحية أمها، الحسن ولد الطالب.

​حسن ولد الطالب، ولد عوض ولد عبد الرحمن، وينتهي النسب إلى أحمد المجدوب. جده درس القرآن في الفُور سِيرِس.

​فمزيج من القبائل تلاقت، وُلدت وسط 22 خال وخالة،من أمهات مختلفات، وواحد من سبعة إخوان وسبعة أخوات من أُمّين وأبوين. عشت حياة مليئة مليئة بالـغنى، والأعمام ما شاء الله في بري المَحَس، آل العالِم، في بري الشريف، آل العالِم، في امتداد ناصر.

​فعلى امتداد النيل وُجدت من قيسان التي درست فيها إلى آخر حتة مشيت ليها في وادي حلفا، اللي بدأت منها البحث والعمل بتاعي. أول فيلم يطلع وأكون أنا مشارك فيه فيلم توثيقي للموسيقى السودانية اللي هو “مزامير الريف”.

▪️لكل نغمة مطلع، ولكل رحلة بداية.. من أين وكيف بدأت قصة عاصم مع الفن؟

حياتي كموسيقي بدأت من البيت، يعني أمي كانت (بتدوبي لي) وهي معلمة. و… قضيت فترة الابتدائي مع خالتي، وخالي مجذوب الطيب محمد أحمد (هو من المجاذيب). وخالت الصوفية طه الشافعي؛ أمي أيضاً معلمة.

​وبديت أول رحلة مع الشيخ مجذوب إلى باو في 69، ثم إلى قيسان. في قيسان كانت الجمعية الأدبية والنشاط. وكانت الوازا والفرق الموسيقية المحلية. الجينات أيضاً كان فيها موسيقى من الوالد في بخت الرضا، هو أستاذ، يقال إنه كان بيعزف. فدي كل هذا أسس لتكويني. اشترت لي أمي مزمار (Tin whistle) ، الصفارة العادية حقت الصفيح، وأنا عمري حوالي خمس سنوات، كانت بشلن. واشترت لي الهارمونيكا أيضاً الصغيرة. فبديت أعزف.

​ووصلت مستوى سنة ثالثة ابتدائي كنت بعزف على الربابة، اللي هي كان اسمها الطمبور عندنا في النيل الأزرق، اسمها الربابة. وفي سنة سادسة ابتدائي بديت أتعلم العزف على العود، حتى كان أول مرة عزفت أغنية… أغنية لمحمد الأمين، دي أول عزف لي. فكان صاحب العود هو الأستاذ محمد موسى بوطي (رحمه الله) أستاذ. ثم مع الكشافة تعلمت على آلة الميلوديكا. بعد الميلوديكا بقليل، بديت أعزف على الأكورديون وأنا في المتوسط، وزارت الفكرة وماشي العزف… أجدت العود في الثانوي، وبعدين عزفت الكمان وأنا في السنة الأولى في الجامعة.

​هذه رحلة العزف والغناء. كنت بغني للجابري أكثر شيء، لكن قررت في الجامعة إنه ما أغني، أو على الأقل ما أغني أغاني غيري يعني، يعني أعمل أغاني برايي أو لا أغني. فاتجهت للموسيقى وبديت أغني أغنيات خاصة بي أنا، لكن بالخواص.”

​▪️ ما هي المحفزات البيئية والروحية التي قادتك أول مرة إلى نبع الموسيقى؟

من أهم المحفزات البيئية والروحية الخلتني أبدأ أعزف، هي بيئة النيل الأزرق؛ التنوع الثقافي، الوازا، البولونقرو، التالاق، الدينغلينغ، المعرفة الـ إندينغا، دي كلها أنا بكون راقد في وسط بيتنا في الحوش، وفي الصيف وفي الليالي القمرية بستمع إلى السيمفونية دي من كل اتجاه، من غير ما أحس بالتناقض،

​وتقريباً معظم ناس النيل الأزرق بطبيعتهم فنانين، يعني لو ما كان عازف أو مغني بيكون مستمع جيد، وبالتالي الجو كله موسيقي والحياة كلها موسيقية.

​دي البداية، بالنسبة للجوانب الروحية في حياة الأسرة كان كبير، لأنه الجد، لأمي، كان خليفة، خليفة ختمية، وكان المولد نقراه كل خميس، نقراه كل خميس المسا، نقرا المولد مع بعض.

​بعد داك أخذت الطريق في وقت مبكر، يعني أنا 17 سنة أخذت الطريق من الشيخ دفع الله الصائم. ولما اختفيت منه فترة كده مشيت له قلت له، أسلم عليه يعني، قام قال لي: ‘كنت وين يا ولد القرشي؟ أنت وينك؟’. قلت له: ‘أنا بقرا’. قال لي: ‘تقرا وين؟’. قلت له: ‘بقرا في معهد الموسيقى والمسرح، بقرا موسيقى’. فهو أصلاً الناس كانوا بيعاينوا لي كده الوقت داك، وهو شيخ يعني الشيخ دفع الله الصائم، فرفع يدينه وقال لي: ‘الله ينصرك، الله ينصرك’. فادّاني يعني كأنما بارك لي الفكرة وأداني مدد فيها وخلاها تمشي في الجانب الروحي.

▪️ الغناء بجانب العزف يتطلب مهارة هل يجد عاصم نفسه أكثر في التعبير عبر حنجرته أم عبر تجليات الوتر؟

الغناء إلى جانب العزف، بالعكس معظم الناس ديل كانوا بيعزفوا ويغنوا، ناس.. القصة بغنائية يعني، لكن قول العزف على الكمان، الغناء والعزف مع الكمان حقيقة نادرة، في لكن نادرة الناس ما قادرين يغنوا بالكمان، وأنا حاولت أغني بالكمان لأن ارتبطت بالكمان في يوم من الأيام، رغم إن أنا بحس بإني في العود أحسن من الكمان.

​وإنه الكمان ذاته في ناس كتار أنا ما أنا عازف يعني بالمستوى بتاع.. لأني أصلًا ما كنت براهن على المهارات والعضلات حقّتي وإني أنا أحسن عازف. فأنا رِهاني أصلًا يعني على إنه كيف أوظف المزيكا دي وأقدر أفيد بيها نفسي والآخرين.

​وده جاي من من منطق ومنطلق إيماني بحت، لما الناس بدت تتجادل في الموسيقى حلال ولا حرام، وأبوي كان عنده رأي في إنه هدم الموسيقى مثلًا في يوم من الأيام وجدي كذلك بعتبروها.. عمي.. يعني كان بفتكر إنه أنا المفروض أثبت لنفسي وليهم بأن المزيكا دي ما بتاعت صعلقة.

​أكتر شيء كنت بعبّر بيه وأنا صغير وأنا ماشي لغاية ما كبرت كمان، الصفارة حقّت الفم دي، لأن دي أصبحت.. هي كانت الماستر بتاعي، الماجستير بتاعي كان في صفارة الفم، تاريخها وأنواعها وتكنيكاتها وكده. واتعلمتها من النيل الأزرق، لأنه في النيل الأزرق في الخريف ممنوع العزف، لذلك بيصفروا بخشومهم.

​بعد داك لقيت نفسي أنا بحكم أنا درست علم التأليف والتأليف كتخصص المفروض تدرس فيه تقريبًا كل الآلات، تعرف تعزف على الآلات كلها، يعني تعرفها تدرسها نظريًا وتعرف تجيد عليها.. العزف على أساس إنك تقدر تألف ليها يعني.

​فبِلقى نفسي أنا متوحد مع العود لما أعزف عود، مع الكمان لما أعزف كمان، مع الجيتار، مع أي آلة بعزفها بحس بـ.. لكن ما بالطريقة البيعزفوا بيها الناس، بطريقتي أنا الخاصة.”

▪️ يُقال (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ) . هل كان ضيق العبارة وعجز الحرف هو ما دفع عاصم إلى رحاب الموسيقى والتصوف؟

النفري قال: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”, وأنا بتفق معه، بالمثل السوداني نقول: “البرميل الفاضي بجلجبق”.

​فنحن بدينا حياتنا فيها تصوف، ما التصوف بمعناه التقليدي كمان، بدينا بالتقليدي، لكن فجأة اكتشفت إنه نحن في وقت مبكر مجتمع بتاع شباب نقرأ لابن عربي، والنفري، والحلاج، و… يعني كتب كثيرة جداً جداً. حقيقةً أنا كلامي كثير ما قليل، وبكتب.

​وكل ما أحس بإنه داير أتكلم كثير، بقعد بتألم باعتبار إنه الجملة القالها النفري دي هي جملة صحيحة، وإنه أنا ما زلت (بجلجبق) كثير. يعني المفروض يكون كلامي بالإشارة، أو بالعين، أو حتى والموسيقى البحتة.

في رأيي هي جزء من دوافع إنه أنا تكون عندي علاقة بالموسيقى. لكن الجامع بين الموسيقى والتصوف بالنسبة لي أنا هو الحب، لأن الحب بخليك تخرج من ذاتك، تكسر الأنا، تحس الآخر، لما الآخر ده يكون هو الله، هو الأول والآخر.

​فالحب مدرسة، وهذا أكثر شيء، أخذته من ابن عربي من مدرسة الحب: “أدين بدين الحب”.

​بجانب ذلك، الصدق. وبعتقد الصدق ده الأحد اللي بيفتح النفاج ما بين الوعي واللاوعي. وده مهم جداً بالنسبة لينا بين الموسيقى والتصوف، وكل ما كنت… نحن عكس السياسيين، نحن بنراهن على الصدق في الموسيقى، الفنان والمبدع براهن على الصدق.

​لأنه بوحد وجدانك، بوحد ذاتك، بوحد أفعالك بأقوالك، بخليك كلك عبارة عن وحدة كده… الصدق، نوع من أنواع التوحيد بين الداخل والخارج.

​فـ… السياسي براهن على… ما بقول الكذب، لكن على الدبلوماسية، اللي هي أنصاف الحلول، والنفاق، والمجاملة. نحن حاجاتنا تبقى من غير بروتوكولات عشان تتدفق، حقيقةً لازم تكون أنت صادق شديد، ما متكلف.

▪️ اذا كان التصوف هو دين الحب، وأن الموسيقى هي صوته.. كيف ترى هذا الثالوث (الموسيقى، التصوف، والحب)؟ وكيف تذوب هذه الأبعاد لتصبح في تجربتك لغة واحدة؟

، الموسيقى معنية بالحب، و الحب بيخليك تشوف الجمال. ، لأن الحب بيخليك تطلع من ذاتك ، وتمشي للآخر .

​والموسيقى لأنها طاقة إيجابية، وأي شيء منتظم، باعتبار الموسيقى صوت منتظم، فيه الطاقات الإيجابية دي، على عكس الأشياء المضطربة والجايطة، والأشياء الفيها يعني… تناقضات شديدة، بتخلق الفوضى، والفوضى في الموسيقى هي النشاز.

​فالنشاز لا يتناسب مع الجمال، هو عكس الجمال، هو القبح، قبح على مستوى الصوت.

​فالحب هو مدخل للفنان، ويجعله يكتشف الجمال، بعد ذلك يعبر عنه ويصنعه.

​التصوف كذلك، أنا بالنسبة لي التصوف ما معناه “الذين لبسوا الصوف” كما جاءت في رسالة القشيرية أو جاءت أو “أهل الصفة” أو… كلام كتير جداً. أنا بالنسبة لي المعنى الصغير هو “الذين صافوا الله فصوفوا”، والصفاء بالنسبة لي هو نقطة يعادل الشفافية في البصر. أما على مستوى السمع، أنا قادر أحس بإني بحب الصفاء من منظور سمعي، أو من مدخل سمعي، ما ضروري نخليها للشوف.

​فالحب هو الجسر اللي بيربط الموسيقى والتصوف، وهو المنهج ذاته. هو المنهج الذي يجعلك تتوحد أنت… وتتعاطف… (Empathy) ، ويأتي معه الـ ” (Sympathy) الشفقة.

​كنت لما أمشي منطقة جديدة، وبعاين للبيوت، بخشف جوة البيوت وبأتخيل البيوت شكلها كيف، والناس عايشة كيف… وبسترق أي إحساس جميل بخيالي أنا ممكن يكون قاعد، وأستنى الناس في غرفة المعيشة، ضحكة، الأولاد مع أخواتهم… ده كله يعني كان بيتبني في الخيال. وبافتكر الخيال ذاته جاي من الحب، وإن الخيال ده . هو التفكير الإبداعي… ، و عمق التفكير الإبداعي. إنك تفكر مش خارج الصندوق بس، خارج دائرة المنطق خالص إذا كان تفكير منطقي وإبداعي.

​فالحب يوحد، كما يوحد ولد وبنت كي يتزوجوا ، الحب يوحد الذات بالموضوع. يجعل الذات والموضوع حاجة واحدة. وهو مرتبط بالإيمان وبالتوحيد، والإيمان مرتبط بالتوحيد. هو مرتبط بالإيمان والإيمان مرتبط بالتوحيد. أرجع: «لن تؤمنوا حتى تحابوا»، شرط من شروط الإيمان.

​وبعد ذاك، الحب أيضاً مربوط بالسلام: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام». بيبقى السلام برضه منهج للحب.»

▪️ ما هو النبع الروحي والفلسفي الذي تستقي منه ألحانك وتصيغ منه هويتك الموسيقية؟

إذا كان هناك نبع روحي والفلسفي أستقي منه ألحاني، فهو الإنسانية.

أنا أعشق شكل الإنسان، وأعتبره من أجمل الأشكال، وقد بنيت عليه فلسفة كاملة سميتها “فلسفة الإنسان” أو “منهج الإنسان”.

​هذه الفلسفة مبنية روحيًا على الآية الكريمة في سورة التين: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}. وأعتقد أن أي ظاهرة في الوجود تكتمل عندما تتجسد على شكل الإنسان.

​كما أن شكل الإنسان مرتبط لدينا بالحديث الشريف: (إن الله خلق آدم على صورته).

​إسقاط مظاهر الوجود على جسد الإنسان

​إن أي ظاهرة تحتوي على “وحدة الأضداد” نجد تمثيلها في جسد الإنسان كالتالي:

​الرأس والنواة: يمثلان المركز، فرأس الإنسان هو “رمانة الميزان” للكتفين اللذين يمثلان كفتي الميزان.

​مربع الجسد: يمثل مربع العناصر الأربعة (النار، التراب، الماء، والهواء)، ويمثل الاتجاهات الأربعة (أو الجهات الأربعة)، والفصول الأربعة. كما يمثل المربعات الخاصة بالعمليات الحسابية (القسمة، الضرب، الجمع، والطرح) وهي جزء من حياتنا اليومية؛ فحياتنا كلها عبارة عن قسمة، وضرب، وجمع، وطرح.

​السباعية (من المحزم والفخذين والساقين والقدمين): تأتي لتشكل سباعية، وهي ترمز لسباعية ألوان الطيف، وسباعية مدارات الذرة، والسموات السبع، والأيام السبعة. هذا هو الجمال؛ فالجمال كامن في الرقم سبعة (الألوان السبعة، والأنغام السبعة، وغيرها).

​العلم، الفلسفة، والموسيقى للمجتمع

​و يتربع العلم على المربع الخاص بالوسط، والذي يحتوي على العمليات الرياضية وتوزيعات الذرة الفرعية (SPDF)، والعديد من الأشياء المرتبطة بمربع الأبعاد الأربعة:

​بعد النقطة.

​البُعدين.

​الثلاثة أبعاد (الارتفاع).

​البُعد الرابع (بُعد الحركة أو الزمن).

​الثنائية: هي الفلسفة، وهي الاعتدال.

أعتبر العلم جلالاً وسلطانًا للمعلومة، ولكن المعرفة أعلى من العلم.

​و تمثل الفلسفة التوازن. وأول سؤال فلسفي كان يدور حول (المادة والروح، أو الدجاجة والبيضة، أو…), وهذا هو الاعتدال، وهو قمة ما يصل إليه العقل من توازن واعتدال. أما الرأس، فهو التوحيد، ويمثل فكرة الكمال ووحدة الأضداد.

​خلاصة الشكل الإنساني: الكتفان يمثلان الاعتدال والتوازن (رمانة ميزان الفلسفة)، والعلم يمثل الجلال (جلال المعرفة)، والسباعية تمثل الجمال.

​من خلال هذا الشكل، استطعت أن أصيغ كمية من المعارف المبنية على هذه الخارطة الذهنية.

​الإنسانية، السودانوية، ومستقبل الأطفال

​الإنسانية هي منبع روحانياتي، وفلسفتي، وهي الدور الذي قررت أن أوزع وأشغل به الموسيقى الخاصة بي.

أنا أؤمن بـ “الموسيقى للمجتمع وللإنسانية”، وليس “الموسيقى للموسيقى” أو “الفن للفن”. فلا يوجد نهر يصنع موجاً لنفسه، ولا يوجد مطر ينزل لأجل نفسه؛ كل شيء في هذا الكون خلقه الله لخدمة الآخرين.

​التخصيص (السودانوية والأطفال): بعد الإنسانية مباشرة، خصصت هذا الفكر لـ “السودانوية”، وفي السودانوية اتجهت أخيراً نحو الأطفال؛ لأنهم يشكلون لي المستقبل، وهم من يمنحونني الأمل.

▪️ كيف توظف الآلات التي تعزف عليها (كالعود والكمان) في إحياء الاعمال التراثية، لتقديمها للأجيال دون المساس بأصالتها وجوهرها؟

بالنسبة للآلات وتوظيفها، الآلات المحلية- الكمان – الجيتار، العود. التوظيف ما بكون للآلة بقدر ما إنك بتوظف إحساسك . من بعد ما تتشرب الأغنية أو العمل التراثي، وأحسه تماماً وأعزفه أمام أصحاب العمل يدوني الإجازة. ودائماً كانت الإجازة من أي قبيلة إنه، يا أخي أقعد معانا نعرس ليك’. دي اتكررت في كمية من المناطق المشيت ليها، حتى في أسوسة. ودليل على إنه أنت أصبحت جزء مننا بثقافتك ووجدانك. بعد ذاك بيبقى من السهل جداً إنك تطوع الآلة أو الصوت، والصوت أولاً طبعاً، بحيث إنه أنت تقدر تعيد إنتاج العمل من غير ما تمس من غير ما تمس الجوهر بتاعه.

​العمل دائماً أي عمل عنده جوهر وعنده مظهر. ناس في ناس بيشتغلوا بالمظهر الخارجي لكن الجوهر الحقيقي لما تتقمص أنت حال الناس، بتحس بإنك أنت في اللحظة بتعزف فيها مع القمز ولا مع الإنقسنا كأنك أنت إنقسناوي أو كأنك أنت فورّاوي. والإحساس ده بيجي مارق بعد ذلك كامل. ده في الجزء لتوظيف الآلات لأداء الأعمال التراثية.”

▪️ ما هي الأغنية التراثية أو المقطوعة الموسيقية التي تشعر أنها تختزل روح المجتمع وتعبر عن هويته بشكل عميق؟

في رأيي ما في أغنية تراثية أو أي مقطوعة موسيقية حتى الآن اختزلت روح المجتمع وعبرت عن هويته بعمق، لكن في بعض المقاطع الصغيرة أنا بفتكر إنها قاعدة تعبر عن السودانوية والمجتمع السوداني بتاريخه. والمقطع ده من نشيد وردي، مقطع: «حين خط المجد في الأرض دروبا… عزم ترهاقا وإيمان العروبة… عرباً نحن حملناها ونوبة». والمقطع ده بالنسبة لي ككلام وكأداء ولحن من وردي ، بعبر لي عن السودانوية بشكل واضح ومختزل في بيت أو في بيتين.”

▪️ كيف تخدم الموسيقى والغناء مشروعك الأكبر في البحث عن التراث ونشر ثقافة السلام؟

الموسيقى ثقافة شفاهية، والثقافة الشفاهية سبقت الثقافة التحريرية أو المكتوبة. وكان من الصعب جداً زمان أن يُوثّق لها لأنه لم تكن هناك أدوات. لكن على مستوى الزمن القريب، أنا كنت أتخيل دائماً أن هناك إزاحة تحدث من المركز إلى الأطراف، يعني بدل البحث عن تاريخ الموسيقى السودانية (لأننا لن نجد له أرشيفاً) نبحث عن جغرافيا الموسيقى السودانية في الهوامش.

​موسيقى الهامش والأصالة

​فموسيقى الهامش الموجودة في القبائل والمناطق البعيدة عن المركز هي أكثر أصالة من موسيقى المركز، لأن المركز متعرض لضغوط غزو ثقافي ولكثير من الأشياء الجديدة التي تدخل عليه، (​استعمار.​حكم.​هجرات) .

​كل هذه العوامل تغير منه، فهو المتغير، أما الثوابت فتكون في الأطراف؛ لذلك كنت أبحث عن السودان في الأطراف.

​وأخيراً، اكتشفت أنني أبحث عن ذاتي كنموذج للسودان، وهذا منهج بحث يسمى “الأوتوإثنوغرافي” (Autoethnography)، وهو أن تبحث في ذاتك عن موضوع أنت جزء من المشكلة فيه. فبحثي عن التراث هو بحث أو محاولة لرسم خارطة ثقافية شفهية، كان أملي فيها أن يكون المشروع الكبير هو عمل خارطة للسودان (مثلما عُملت خريطة الجغرافيا المكتوبة والمرسومة)؛ أن تُعمل خارطة ثقافية مبنية على الأنثروبولوجيا، على علم القبائل والأجناس، وعطائها الموسيقي والغنائي.

​هذه الخارطة كانت ستقرب المسافة بين المجتمعات عندما يعرفون بعضهم، ويسمعون الجانب الجميل من بعض، ويتخيلون المشاهد. ومن الممكن أن يُخلق من خلالها أكبر مهرجان، ويمكن أن تُبث من مركز دائرة السودان (طالما أننا أصبحنا نعمل بحكم مركزي) من الإذاعة السودانية، للتعارف أولاً، وفي نفس الوقت لكي يشعر كل واحد بأنه موجود في خارطة السودان الثقافية، ويشعر بالانتماء، وبخلاف ذلك سيشعر بالظلم وبانه مهمش وغير موجود.

​بالتالي، الموسيقى تخدم جزءاً كبيراً جداً لأن الثقافة الشفهية أقرب إلى الوجدان، حتى الكلام أسرع من الكتابة. الثقافة الشفهية أقرب إلى الوجدان، وبعد الموسيقى هناك الحكي والقصص والأساطير، وكل هذه كانت يمكن أن توفر مساحة كبيرة جداً من السلام لأنها مبنية على الحب، والفن مبني على الحب، والحب يقودنا إلى السلام.

▪️ إن “الموسيقى لغة عالمية”.. كيف يمكن توظيف هذا الشعار عملياً لمواجهة خطابات الكراهية والتقسيم؟

الموسيقى لغة عالمية، هي لغة إنسانية ولغة كونية. الحيوانات أصبحت تستجيب، أو عِرفوا إنها تستجيب للموسيقى، والبيئة كلها بتتناغم مع الموسيقى، حتى الزرع.

​في دراسات اتعملت في هولندا في مزارع أبقار، لقوا إن الأبقار الخلوا ليها موسيقى بتدر لبن أكثر. وفي مزارع عنب… لقوا… ده الفايبرايشن (Vibration)، ده الاهتزاز، الأرض لما تهتز وتروى بالماء أيضاً، الطاقات الإيجابية الموجودة والمنتظمة الموجودة في الموسيقى دي كاهتزازات، هي قاعد تنظم وترتب… مش ترتب الوجدان، ترتب العصب وترتب أي شيء.

​من التنافر إلى التناغم

​لذلك الموسيقى البحتة عليها دورها في التناغم، بتنقل حياتنا من التحارب والتنافر إلى التناغم لأنها مبنية على الأنغام. زمان حبوباتنا كانوا بيقولوا ليك: “ناغمتك”، ما بيقولوا ليك “ناديتك”، دليل على الهارموني (Harmony)، والهارموني ده هو الانسجام.

​فالموسيقى حالياً عشان تشتغل بشكل واقعي وننزلها لمستوى الأرض، نحن نرجع تاني للخارطة الثقافية القلناها، ونشيع أكبر طاقة إيجابية عبر الأغنيات الجميلة اللي بتهدئ النفوس.

​الموسيقى سلاح ذو حدين ، في ناس ممكن يغنوا للموسيقى ويعملوا أعمال تقود الناس للحرب، تحمس الناس. في النهاية هي لغة تفاعل، لغة تؤدي للتفاعل، إما التفاعل الإيجابي أو السلبي.

​الحل: إن الجهات المعنية واللي عندها السلطة تفتح فرصة أكبر للناس الشغالين في الجانب بتاع السلام، وجانب الحب، و تخلق منافسات ومهرجانات في المناطق الفيها … أمن وسلام نسبي، وترسل الرسائل حتى لمناطق الحرب.

▪️ في المجتمعات التي أرهقتها الصراعات وعانت من الحروب، كيف يمكن للموسيقى والتراث المشترك أن يسهما في رتق جرح الوجود، وإعادة بناء الإنسان؟

بالنسبة للوضع الراهن، ودور الموسيقى في الراهن عبر السوشيال ميديا، نحن المفروض نشتغل أكبر أعمال من الأعمال السودانية اللي بتخاطب الوجدان السوداني الجمعي بتنوعه الثقافي ده، وتبث في السوشيال ميديا ومعاها كلام جميل، ممكن يبقى تريند جديد، ويبقى منافسة بين الفنانين دي تقوم بها اتحاد الغناء السوداني والمبادرات الاخرى.

​من ضمنها أهم ما يمكن تقديمه، أنا عملت حاجة بفتكر إنها مدخل للدستور وللعقد الاجتماعي قبل الدستور للتعايش الاجتماعي. الغنية مربوطة بدولة القانون، اللي هو القانون ده مبني على الدستور الدائم، والدستور الدائم المقصود بيه الدستور اللي بيصيغه المجتمع وبيستفتى فيه، ما الدستور يصنعه ناس بالنيابة عن المجتمع. بيبدأ بعقد اجتماعي، تعاقد على التعايش السلمي، وتعاقد على الحب وعلى الأشياء الجميلة، وعلى الاعتراف بهويتنا المتنوعة ما الأحادية، .

​فعندي أغنية بتعبر عن ذلك تقول كلماتها:

​”الشارع ناقص قانون.. والقانون لازمه دستور

الدستور إجماع مضمون.. الأول وشرط آخره نور

إنت منو؟ أنا إنسان.. هويتك شنو؟ أنا سوداني

اعرف حقك في وطنك.. ابدأ واجبك من سكنك

ازرع أرضك.. اصنع مكنك.. رتب وجدول في زمنك

دستوركم شروطكم ونوركم

لا لا للبندقية.. لا لا للعنصرية

لا لا للجهوية.. لا لا للقبلية

الجهوية والقبلية.. بحرية بحنية هوية قوية”

​القصيدة طويلة، لكن نحن محتاجين خطاب مباشر غنائي واحد، يدعو للتعايش السلمي بلغة العربية السودانية الدارجة، أو لغة وسط ما تكون فصيحة، وفي نفس الوقت نخاطب التنوع ده بأغنيات متنوعة، تخاطب جبال النوبة بأنواع مختلفة من أغنياتهم ولغاتهم المختلفة، والنيل الأزرق، ودارفور، والشرق، والشمال، وحتى الوسط.

​فده ممكن يكون مدخل جميل جداً، خاصة ناس كردفان ودارفور.. يعني محتاجين نزيد من الأعمال بتاعت دارفور والأعمال الموجودة عندها علاقة، لأنه هناك بالذات العرب بتاعين دارفور (العطاوة) أغنياتهم الموجودة الموجهة للحرب أكتر، وبالتالي عايزة موازنة.

▪️ في زمن الحرب والأزمات، كيف ترى واقع الأغنية والموسيقى اليوم؟ هل تواجه خطر النسيان والتجريف، أم أنها تولد من رحم المعاناة؟

المجتمعات التي تمر بأزمات سياسية أو اقتصادية، يكون “الترمومتر” الخاص بها يشير دائمًا إلى مستوى سخونة عالٍ جداً، مما يجعل الفن والواقع في تلك الفترات أقرب إلى الكوابيس والهذيان.

​لذلك، هناك شعور بأن الموسيقى الحالية المنتجة في السودان وظاهرة “القونات” وغيرها، بدأت تسحب البساط من الأغنيات الرصينة والجميلة التي كانت سائدة في السابق. ورغم أن الإبداع يولد من رحم المعاناة ويقدم معاني جديدة، إلا أن الواقع أصبح واقعياً لدرجة مؤلمة وساقطاً في التراب.

​بالتالي، الوضع في السودان جعل الغناء لا يشبه طبيعة الشعب، وأصبح مرفوضاً باعتباره فنًا “هابطاً”؛ وهو هابط لأن الواقع السياسي والاجتماعي نفسه هابط، ولا يوجد هبوط أو تدنٍ أكبر من الحرب التي يُقتل فيها الإنسان.

▪️ ماذا تقول لكل من يختزل الفن في كونه “وسيلة للترفيه والتسلية”، ولا يدرك عمقه كأداة حقيقية لبناء المجتمعات وحفظ قيمها؟

الفن ماعون، وبحر. وكل إنسان بيأخذ منه على حسب كمية الجمال الجواه وقبوله للفن كفكرة، ففي ناس أصلاً ما بيمشوا البحر ده خالص بيفتكروا إنه دي منطقة مقفولة ومحرمة.. ومن حقهم، باعتباره ده واحد من الخيارات.

​وفي ناس بيمشوا.. في البيمشي بالماعون الصغير، وفي البيعوم فيه، وفي البيغرق منه.

​لكن الفن بالنسبة لي أنا، هو تجسيد لمستوى الجمال .. أو تعبير عن مستوى الجمال الموجود في المجتمع المعين، أو الفرد المعين.

​وكل ما كان الإنسان فنان، معناه هو استوفى شروط الإنسانية، لأنه الفنان بالنسبة لي .. هو من استوفى شروط الإنسانية الأخلاقية من صدق، وصبر، وعهد، والتزامات، وحساسية زايدة عن الحساسية العامة.. ده هو الفنان.

​فالفن للمعايشة.. في الرقص، والتفاعل..

والفن للذاكرة.. لحفظ ذاكرة المجتمعات والذاكرة الفردية..

والفن للتفكير.. لما تيجي تحلل الأعمال الموسيقية وتنقدها..

والفن للمستقبل.. لما توظفه كأداة لتوجيه المجتمعات للمستقبل.

والفن أيضاً هو الهوية، اللي بتحدد شكل المجتمع .”

▪️ ما هو مستقبل الموسيقى والغناء وأصالة البحث التراثي في زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي؟

طيب، في كثير من الأحيان أسمع نقد لاذع لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الفن، وهو شيء طبيعي جداً يحصل لرفض أي جديد في المجتمعات، لما تكون المجتمعات مرتبطة بالماضي، كمجتمعنا السوداني الذي يحب الماضي أكثر من الحاضر والمستقبل، لا يحتفي بالحاضر ولا المستقبل، لذلك الحاضر والمستقبل ما عادوا يحتفوا به أيضاً.

​فالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ما تريند فقط، دي نقلة عالمية، ونحن المفروض علينا المعاصرة والمواكبة، لكن بتيجي بميزان، دايماً الميزان ثابت؛ الميزان إلى أي مدى أنت وازنت ذكاءك الطبيعي بالذكاء الاصطناعي.

او إلى أي مدى وظفت التكنولوجيا في حياتك، كنت بتمشي بالدواب بقيت تمشي بالعربات، ؟ لأنها وفرت لك زمن. فالتكنولوجيا بتوفر زمن، لكن يجب أن تُؤخذ بحذر؛ و في ثوابت يجب أن لا تتغير، كأن نحتفظ بخصوصيتنا وتميزنا. وفي متغيرات يمكن اللعب فيها بحيث إنه العرض بتاعنا ما يكون أقل من العروض العالمية للأشياء.

​فالذكاء الاصطناعي أصبح غير إنه تريند، بقى علم، خاشي في دائرة العلوم باعتباره واحد من تطورات التحول الرقمي والتكنولوجيا.

​ومستقبل الموسيقى والغناء إذا ما عملنا دراسة حقيقية في كيف نوظف الذكاء الاصطناعي، حنكون نحن بنلعب في دائرة خارج الزمن.

▪️ ما هو المشروع الفني أو البحثي الكبير الذي يسكن وجدان عاصم، وتحلم بتحقيقه ولم يرَ النور بعد؟

أكبر مشروع فني وبحثي أعمل عليه حالياً (والذي بدأ كمشروع دكتوراه مهنية):

​1. طبيعة الدرجة العلمية

​الدرجة: دكتوراه في الفنون الإبداعية (DCA – Doctor of Creative Arts) من أستراليا.

​الفرق عن الـ PhD: هي دكتوراه مهنية وليست دكتوراه في الفلسفة التقليدية.

​الهدف الأساسي: التركيز على المشروعات العملية التي توظف الفن لخدمة المجتمع.

​2. محاور المشروع الأساسية

​المحور الأول: التعليم والترفيه (Edutainment)

​توظيف الفن كوسيلة وطريقة تدريس حديثة.

​دمج التعليم بالترفيه لتحقيق الفائدة والمتعة معاً.

​المحور الثاني: الوعي المجتمعي

​قضايا السلام: نشر وتعزيز ثقافة السلام في المجتمع.

​البيئة بمفهومها الشامل:

​الإصحاح البيئي: النظافة العامة والصحة البيئية.

​البيئة الطبيعية: حماية الغابات من التجريف، ودعم الزراعة.

​الجوانب الاقتصادية المرتبطة بالبيئة: تشجيع الفلاحة المنزلية والزراعة المدرسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي.

​رؤية المشروع: لقد حان الوقت لكي يرتقي الفن ليصبح أداة حقيقية لحل مشكلات المجتمع الواقعية، ليؤدي بذلك دوره الإنساني؛ فالفن في أصله إنساني.

▪️ السودان، بمساحته الشاسعة وحدوده الممتدة وتداخل مكوناته الثقافية والقبلية مع دول الجوار، يمتلك تنوعًا موسيقيًا فريدًا انعكس في ألحانه وآلاته وإيقاعاته. كيف تنظر إلى هذا التنوع؟ وهل تراه مصدر قوة وإثراء للهوية السودانية أم تحديًا أمام بناء مشروع موسيقي جامع؟

بالضرورة أن تنوعنا في الألسن واختلافنا ده، يعني يتفهم في سياقه الروحي والاقتصادي والاجتماعي الثقافي كله. لأنه في القرآن في سورة الروم الآية( 22 )… ورد اختلاف الألوان والألسن،؛ . فبالتالي طالما إنها آية معناها هي مصدر قوة وإثراء للهوية. بيبقى متين الكلام ده بيحصل؟ لما نحن نستوعب هذا التنوع ونرفض الأحادية والصراع بتاع الهوية البيقول نحن عرب ونحن أفارقة، نحن سودانيين وهذا يكفي لتوحيدنا. أما توظيفه، أنا بفتكر إنه بس في حالة بتاعت سلام وبيئة نظيفة نحن قادرين نجعل السودان اجتماعياً في مهرجان طول العام، مهرجان؛؛ يحتفي بجونا الجميل وبمجتمعنا المتسامح بعد ما تقيف الحرب، وبجمال أزيائنا وخصوصيتنا في طريقة كلامنا وفي أكلنا وفي شرابنا وكل ثقافاتنا المادية والشفاهية يمكن أن تقدم في أكبر مهرجانات جامعة.”

▪️ . إذا كان الفن حارس الذاكرة ومرآة الوجدان الجمعي، فأين تكمن المسؤولية الأخلاقية والوجودية للمثقف والفنان وسط عاصفة الحرب والانقسام التي يعيشها السودان اليوم؟

الفن فعلاً هو حارس للذاكرة؛ الذاكرة الشفاهية والذاكرة المادية من خلال الرسومات. وشفنا التاريخ وناس علم الآثار كيف من خلال الرسومات قدروا قروا الماضي، وكيف، كما قال تشارلز بوني، إنه لقى صفافير معمولة من العظام؛ حسب الاخرام الموجودة في العظام دي بنعرف السلم الموسيقي اللي كان موجود وبنعرف نوع توظيف الطبيعة، كيف قدروا يعملوا آلات موسيقية، مع إنه في آلات ممكن تكون اهترأت، مصنوعة من الخشب أو مصنوعة من الجلود وانتهت. لكن يبقى هذا المزمار الذي يرجع عمره لـ 5,000 سنة، والان، حسب كلام تشارلز بوني، ، قال إنه موجود في متحف بوسطن.

​فالفن فعلاً بيحرس الذاكرة وبيعكس وجدان المجتمع الآن، ومن خلال الفن وأغنياته ومسرحياته وأشعاره بنقدر نعرف إنه نحن واقفين وين!

​لكن المشكلة هي مشكلة القيادة؛ القيادة الفنية، سواء كان على مستوى الدولة أو على مستوى المؤسسات الفنية، اتحادات الموسيقى والفنون. فـفي رأيي، ان الفترات الأخيرة، الفن أصبح، بسبب الظروف الاقتصادية، أصبح تجاري. والفن عمره ما ارتبط، المفروض ما يرتبط بالتجارة والمادة، ما يكون سلعة تُباع؛ لأنه من الصعب تقييمه.

​وتجي المسؤولية الاجتماعية في إنه الناس، من معهد الموسيقى والمسرح كجهة أكاديمية مسؤولة عن التعليم، إنه تقدم مادة مخصصة للموسيقى السودانية، ومن ضمنها يكون في مواد ثانية زي أخلاق وفلسفة، وحتى سياسة.

​أنا بالنسبة لي، حاولت أؤسس لمادة اسمها السودانوية أو سودانولوجي، أنا ما الأساس فيها؛ هي بدت من ناس حمزة الملك طمبل، بدأ في كتاب، وبعد ذاك بروفيسور أحمد الطيب زين العابدين بدأ يتكلم عن السودانوية. وهي دي المادة الممكن يكون فيها الأخلاق والثقافات السودانية بأنواعها وتُقدم، من ضمنها المسؤولية الاجتماعية، زي ما أي شركة أو أي مؤسسة المفروض يكون عندها مسؤولية أخلاقية واجتماعية، أيضاً الفن المفروض يكون عنده دستوره ولوائحه في المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، وتكون مقننة، بحيث إنه أي زول يمرق من الخط المرسوم، وهذا توجيه منطقي جداً لأنه ما في حرية مطلقة، الحرية لما تبقى مطلقة بتبقى فوضى، فالحرية تؤخذ بقدر المعرفة.

مثلا انت تعطى قروش حسب عمرك ودرجة فهمك، ما ممكن طفل يعطى مليون دولار ويقولوا له امشي اتصرف، . بالتالي، كل ما أدوك قيمة كبيرة من الأشياء، المفروض تكون هي متناسبة مع وعيك وفكرك. وده حال السودان، المفروض نحن نقنن فنوننا بلوائح يكون فيها ثواب وعقاب؛ متين نحفز الناس، ومتين نعاقبهم. وشكل العقوبة دائماً الجزاء من جنس العمل، تُحرم من الممارسة الفنية في الأوساط الفلانية إلى مدى قدره كذا.

▪️ . شهدت الساحة الثقافية مؤخرًا جدلًا حول مشاركة السودان في بعض الفعاليات والمسابقات الموسيقية العربية، بدعوى اختلاف البنية الموسيقية السودانية واعتمادها على السلم الخماسي. كيف تنظر إلى هذا الجدل؟ وهل يمثل السلم الخماسي عائقًا أمام انتشار الموسيقى السودانية عربيًا، أم أنه عنصر تميز يثري المشهد الموسيقي العربي؟

طيب، بالنسبة للجدل الحاصل حول هوية الموسيقى السودانية وأنها لا تنتمي للموسيقى العربية، أنا بتفق تماماً مع هذا، مع أحمد حلمي يعني، من حقه يمنعنا لأن المهرجان ما مهرجان للثقافات العربية، أقصد ما مهرجان للعرب زي ما بنقول، إذا اعتبرنا نحن ما عرب.

​فالموسيقى السودانية هي الوحيدة اللي بتفضح انتمائنا العربي، بدليل إنه السلم الخماسي الموجود عندنا ده، في الشام بيسموه “الرست العبيدي”، منطقة الشام والعراق اسمه “الرست العبيدي” ارتبط عندهم بالعبيد، زي ما الفول السوداني سموه “فستق العبيد” هناك. فنحن بننزل من مستوانا لحتة مقفولة لا تعترف بالآخر، وبيزجونا في مكان، نحن الأقرب لنا نمشي نشارك في مهرجانات الموسيقى الخماسية، لأنها تشبهنا، ودي مساحة كبيرة جداً، جنوب شرق آسيا، والصومال، وجيبوتي، وإثيوبيا، وتشاد، والكونغو، ويوغندا.. كده، ودي معظمها أفريقية وآسيوية، بدلاً من أننا نـفرض نفسنا ونُذل بهذه الطريقة. ويكفي إنه الانتماء لجامعة الدول العربية في يوم من الأيام، الشوام بيقولوا عنه: “إذا كان السوداني عربي، نحن إيه، ملائكة؟”.

​فده ذاته بيثبت أو بيقيف مع فكرة إنه نحن سودانيين، سود. نحن السودانيين السود، موسيقانا خماسية ما بتشبه الواقع العربي. فأنا بتفق تماماً مع أحمد حلمي، وبفتكر دي قرصة أضان للسودانيين اللي مصرين يجروا ورا العروبة حقتهم هم باعتبار اللسان أو غيره. يعني في دول بتتكلم إنجليزي، جنوب أفريقيا بيتكلموا لغة إنجليزية، هل هم بريطانيين؟ هل هم إنجليز؟ فاللغة ما أنا بالنسبة لي شخصياً ده ده كلام ساي. اللغة ما محددة لشكل الهوية، في تشاد بيتكلموا فرنسي، هل هم فرنسيين؟

​فنحن لغاتنا كثيرة جداً، ولا نرفض العربية باعتبارها لغة جات ما بالصدفة جات، وشكلت جزء من واقعنا ووحدتنا، نعترف بهذا الجمال، وهي لغة القرآن ونعزها، لكن معزتنا للغة العربية لا تعني انتمائنا للعرب بالشكل الكامل بحيث إنه نرمي بكاهلنا كله على العرب، باعتبار نحن عرب، نحن سودانيين، عندنا خصوصيتنا وفخورين بها جداً.

▪️ لو أردت كتابة “رسالة سلام” موجهة للشعب في هذا التوقيت الحرج، فما هي الأغنية أو المقطوعة الموسيقية التي تختارها لتكون خلفية وصدى لهذه الرسالة؟

إذا أحببت أغني أغنية للشعب السوداني في هذه المرحلة ، فسوف أختار كلمات بسيطة جداً للشاعر الراحل الأستاذ متوكل زكريا من القضارف، رحمه الله، كان معلم. فكتب لي أربعة بيوت شعر ولحنّتها، وحتى اللحن هو لحن بسيط قابل للهضم وقابل للحفظ للأطفال والكبار، فيه رسالة واضحة جداً، وفيه تبادل في الأداء ما بين المغني السولو والـ كوراس:

​خلونا نِجمّع

خلونا نِجمّع.. الوطن يرتاح إذا السلام عمّ

يلا يا أولاد يلا نتلمّ.. يلا يا بنوت يلا بتتمّ

يلا يا خالات ويلا يا عمّة.. نرفع السودان نخطو في القمة

وخلونا نِجمّع

خلونا نِجمّع”

▪️ ختاماً اترك لك المساحة لتسأل نفسك سؤالاً غاب عن بالنا ولم نطرحه عليك في هذا الحوار.. ما هو السؤال، وما هي إجابتك عليه؟

سؤالي لنفسي وللمجتمع السوداني؛ أما آن للسودانيين أن يفخروا جميعاً بأنهم متميزين بسودانيتهم؟ وأنهم لا ينتمون إلى اليسار ولا اليمين، ولا العرب ولا الأفارقة، ونحن من أصلنا نحن الأصل أصلاً؟ نحن الأصل، والأصل مركز دائرة. الأصلي هو بكل حسابات التاريخ والكلام الكُتب؛ يعني نحن أصل الدائرة، جسمنا الأسود ده لأنه نضج خلاص، وصلنا مرحلة يعني تشبعنا بهذا الميلانين.

​فأنا بفتكر إنه الآن آن الأوان أن نعترف بإننا نحن مجتمع متميز ونحن قاعدين في مركز الدائرة، فقط يجب أن نعي هذا الشيء. إذا لم نعي إننا نحن في وسط الدائرة، حنكون مهمشين أنفسنا، حنكون قاعدين في الهامش.

​وهذا معناه عودة كل الطيور المهاجرة، وتعالوا نقاوم الغول الاقتصادي، والغول العسكري، والغول السياسي، وكل الغيلان.”

#شحذ_الهمم #فكر_سوداني #ثقافة_وسلام #السودانوية #تراثنا_هويتنا

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.