طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليست العظمة أن يعرف الإنسان كثيرا، وإنما أن يعرف حجم ما لا يعرف. فالمعرفة الحقيقية لا تبدأ عندما يظن الإنسان أنه وصل إلى النهاية، بل عندما يكتشف أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن كل جواب يفتح أبوابا جديدة من الأسئلة، وكل علم يقوده إلى آفاق أوسع من المجهول. ولهذا لم يكن التواضع في تاريخ الإنسانية خلقا اجتماعيا فحسب، بل كان شرطًا من شروط المعرفة نفسها. فالإنسان المتكبر يغلق باب التعلم لأنه يظن أنه اكتمل، أما المتواضع فيظل تلميذا للحياة حتى آخر لحظة من عمره.
ولعل هذه هي المفارقة الكبرى، فكلما ازداد الإنسان علما، ازداد إدراكا لاتساع ما يجهله، بينما كلما ضاق علمه، اتسعت ثقته بنفسه. ولذلك قيل قديما: أشد الناس ادعاء للعلم أقلهم علما، وأعلم الناس أكثرهم تواضعا.
وليس مصادفة أن الحضارات التي ازدهرت علمياً كانت حضارات جعلت السؤال فضيلة، والاعتراف بالخطأ شجاعة، والبحث المستمر منهجا. أما حين يتحول الإنسان إلى مالك للحقيقة المطلقة، فإنه لا يغلق باب التعلم فحسب، بل يغلق باب الحضارة نفسها، لأن الحضارة لا تبنى بالإجابات النهائية، وإنما بالأسئلة التي لا تنتهي.
لم يقدم القرآن العلم بوصفه سببا للتكبر، بل بوصفه سببا للخشوع. قال تعالى:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، (فاطر: 28). فالخشية هنا ليست خوفا، وإنما وعي بحقيقة الإنسان أمام عظمة الخالق. وقال سبحانه:﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، (الإسراء: 85). إنها واحدة من أعظم الآيات التي كسرت غرور الإنسان منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. فمهما بلغ علم البشر، فإنه يظل قليلًا أمام علم الله، وأمام أسرار الكون. ولذلك فإن أول درس يتعلمه العالم الحقيقي هو التواضع.
كان رسول الله ﷺ أعظم معلم في التاريخ، لكنه كان أكثر الناس تواضعا. كان يجلس حيث ينتهي به المجلس. ويخيط ثوبه. ويخصف نعله. ويقول: (إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد). ولم يكن هذا تواضعا شكليا، بل منهجا في بناء الإنسان. ولهذا لم يشعر أحد من أصحابه أن العلم يجعل صاحبه فوق الناس. بل كان يزيده قربا منهم.
من أعظم مشاهد القرآن في هذا الباب قصة سيدنا موسى مع نبي الله الخضر. فموسى، وهو نبي من أولي العزم، أرسله الله ليتعلم. ولم يقل له: اذهب لتعلّم من نبي. بل من عبد صالح. وسار إليه مسافات طويلة. وقال بكل تواضع:﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾، إنها مدرسة كاملة. فالعلم لا يمنح صاحبه حق الاستغناء عن التعلم.
و قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي). ولم يكن ذلك تواضعاً شخصياً فحسب، بل كان إعلاناً أن الحاكم والعالم والإنسان لا يكتمل إلا بالنقد، وأن الاعتراف بالنقص بداية الكمال.
كما يقول الإمام الشافعي: كلما ازددت علمًا ازددت علما بجهلي. وربما لم تكتب عبارة أصدق من هذه في وصف العلاقة بين العلم والتواضع. فالجاهل يظن أن العالم يعرف كل شيء. أما العالم فيعرف أنه لا يعرف إلا القليل.
ومن الأبيات العربية المشهورة في الحث على التواضع:
تواضعْ تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ
ولا تكُ كالدخانِ يعلو بنفسِه إلى طبقاتِ الجوِّ وهو وضيعُ
و قال الإمام علي (كرم الله وجهه) : ولا تَحسبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ ما لَم يُتَوَّج رَبُّهُ بِخُلُقِ
كان ابن سينا يقول إن العلوم بحر لا ساحل له. ولذلك لم يكن العلماء العرب المسلمون يتوقفون عن التعلم حتى آخر أعمارهم. وكان الإمام أحمد يقول: مع المحبرة إلى المقبرة. أي أن طالب العلم يظل طالبًا حتى يموت.
ولعل أدب التصوف الإسلامي قد بلغ في هذا الباب منزلة رفيعة، إذ لم يكن المتصوفة يرون أن أعظم الحجب بين الإنسان والحقيقة هو الجهل وحده، بل الغرور بالعلم. ولذلك كانوا يقولون إن أول الطريق إلى المعرفة هو كسر النفس، لأن القلب الممتلئ بالأنا لا يتسع للحكمة. ويُنسب إلى الإمام الجنيد البغدادي قوله: آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة. وكان أبو يزيد البسطامي يردد: كلما ازددت معرفةً بالله ازددتُ معرفةً بنفسي، وكلما عرفتُ نفسي ازددتُ جهلاً بها. أما جلال الدين الرومي فقد لخّص هذه الفلسفة بقوله: كن كالأرض؛ يطؤها الجميع، لكنها تنبت الزهر. فالتواضع عند أهل التصوف لم يكن انكسارًا أمام الناس، وإنما تحررًا من عبودية الذات، حتى يصبح الإنسان أقرب إلى الحقيقة، وأقدر على خدمة الخلق، وأبعد عن أوهام التفوق.
ولعل من أجمل ما يميز فكر الأستاذ أحمد ميشيل عفلق أن المعرفة عنده لم تكن وسيلة للتفوق على الناس، وإنما طريقًا لخدمتهم. فقد كان يؤمن أن النهضة لا يصنعها الذين يدّعون امتلاك الحقيقة، بل الذين يظلون يبحثون عنها بروح متواضعة. ولهذا لم يجعل من الفكر البعثي نصوصًا مغلقة، بل مشروعًا مفتوحًا للحوار والاجتهاد والتجديد، لأن الحقيقة – في نظره – أوسع من أن يحتكرها فرد، وأغنى من أن تُختزل في رأي واحد. وكان يؤكد أن الإنسان كلما اقترب من رسالته ازداد تواضعا، لأن الرسالة أكبر من حاملها، والأمة أكبر من الحزب، والوطن أكبر من الأشخاص. ولذلك ظل يحذر من تحويل التنظيم إلى غاية، أو القيادة إلى صنم، أو الفكر إلى يقين جامد، لأن الغرور الفكري هو بداية موت الإبداع، بينما يبقى التواضع هو الشرط الأول لاستمرار المعرفة وتجدد النهضة. ومن هنا لم يكن احترام الرأي الآخر عنده مجاملة اجتماعية، بل ضرورة حضارية، لأن الأمة لا تبنى بعقل واحد، وإنما بتكامل العقول، ولا تنهض بإقصاء المختلف، وإنما بالحوار معه. إن روح فكر عبقري العصر ميشيل عفلق تقوم على أن النهضة فعل مفتوح، وأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، بل هي ثمرة حوار دائم بين العقول. فالبعثيون : أقوياء بلا غرور ، ومتواضعين من غير ضعف .
و يروى عن سقراط أنه قال: ( كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا). ولم تكن هذه دعابة فلسفية، وإنما إعلانًا عن جوهر المعرفة. فالإنسان الذي يظن أنه وصل، يتوقف. أما الذي يدرك محدوديته، فإنه يواصل البحث. ولهذا بقي سقراط رمزا للفلسفة حتى اليوم.
و بعد أن غير إسحق نيوتن فهم البشرية للفيزياء، قال: ( أشعر كطفل يلعب على شاطئ البحر، بينما يمتد أمامي محيط الحقيقة). هذا هو العلماء. كل اكتشاف يجعلهم أكثر تواضعًا. لا أكثر غرورًا.
و قال المتنبي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
وقال الحكماء العرب: من قال أنا عالم فقد جهل.
وكانوا يقولون: رأس الحكمة أن تعرف قدر نفسك. ولهذا ارتبطت الحكمة دائمًا بالتواضع.
وكان العرب يقولون: من قال لا أعلم فقد أفتى.
وقالوا: (آفة العلم الكبر).
أما في الموروث السوداني، نجد حكمة عميقة تقول: ( الفاضي يعمل قاضي). ويقال أيضًا: ( السمحة ما بتقول أنا سمحة). وكأن الثقافة الشعبية وصلت إلى النتيجة نفسها التي وصل إليها الفلاسفة. فالقيمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان. والعلم الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج. ويقول السودانيون أيضاً: السمح سمح الفعال، ما سمح المقال. ويقولون: (العالي بضل واطي). وهي حكمة شعبية عميقة تؤكد أن الشجرة كلما ارتفعت اتسع ظلها، وكذلك الإنسان كلما علت مكانته ازداد تواضعه للناس.
ربما نعيش اليوم عصرا غريبا. صار كثيرون يتحدثون أكثر مما يقرؤون. ويفتون أكثر مما يتعلمون. ويختلفون أكثر مما يتحاورون. وأصبح الاعتراف بالخطأ عند بعض الناس هزيمة. بينما هو عند العلماء فضيلة. فالفرق بين العالم والمتعالم أن الأول يقول: لا أعلم. أما الثاني فلا يعرف أن يقولها.
لا يمكن لأي مجموعة فكرية، أو علمية، أو ثقافية، أو سياسية، أن تستمر إذا غاب عنها التواضع. فالاختلاف لا يفسد العلاقات. الغرور هو الذي يفسدها. وحين يتحول كل فرد إلى قاضٍ على الآخرين، تموت المعرفة. أما حين يتحول الجميع إلى طلاب للحقيقة، فإن الحوار يصبح طريقا للنمو. ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يتحلى به الإنسان داخل أي مجموعة هو أن يدخل النقاش باحثا عن الحقيقة، لا عن الانتصار لنفسه.
وإن أكثر ما تحتاج إليه المجموعات العلمية والثقافية والفكرية اليوم ليس كثرة المتحدثين، بل كثرة المتواضعين. فحين يصبح الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، يتحول الاختلاف إلى مصدر للإثراء، أما حين يصبح الهدف إثبات الذات، يتحول الحوار إلى معركة، والمعرفة إلى وسيلة للهيمنة. ولهذا فإن أعظم العلماء كانوا أكثر الناس استعدادًا لأن يقولوا: (أصبتَ)، أو (تعلمتُ منك)، لأنهم كانوا يدركون أن الحقيقة لا تهان إذا جاءت على لسان غيرهم، بل يزداد بها الإنسان علمًا وسموًا.
ولعل التأمل في تاريخ الحضارات يكشف أن سقوطها لم يبدأ حين ضعفت جيوشها، وإنما حين أصابها الغرور. فقد سقطت إمبراطوريات كثيرة لأنها اعتقدت أنها بلغت نهاية التاريخ، بينما بقيت الحضارات التي امتلكت شجاعة النقد الذاتي والتواضع العلمي قادرة على التجدد. فالحضارة ليست تراكم عمران فقط، وإنما قدرة مستمرة على مراجعة الذات، والاعتراف بالخطأ، والانفتاح على المعرفة. ولهذا كان التواضع ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل أحد الشروط التاريخية لاستمرار الحضارات.
خاتمة: إن الحضارات لم يبنها الذين ظنوا أنهم يملكون الحقيقة كاملة، وإنما بناها أولئك الذين ظلوا يبحثون عنها بتواضع. فالعالم الحقيقي لا يقيس مكانته بعدد ما يعرف، بل بعدد ما بقي يتعلمه، ولا يرى في الاعتراف بالخطأ انتقاصا من قدره، بل دليلًا على صدقه مع نفسه. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان في بيئات العلم والثقافة والعمل العام، وفي المجموعات الفكرية والاجتماعية، هو أن يجعل التواضع رفيقا للمعرفة، وأن يتذكر دائما أن الحقيقة أكبر من أي فرد، وأن الحكمة لا تحتكرها مدرسة، ولا حزب، ولا جماعة، ولا شخص. فكلما ارتفع العلم، انحنى صاحبه. وكلما ارتفع الغرور، انخفض العقل.
وهذه هي السمة التي جمعت الأنبياء، والعلماء، والحكماء، والعظماء عبر التاريخ، إذ لم يكن تواضعهم دليل ضعف، بل كان البرهان الأوضح على عمق معرفتهم، واتساع إنسانيتهم، ورقي حضارتهم. ولهذا لم يكن كبار العارفين يعدون التواضع فضيلة أخلاقية فحسب، بل شرطا لكل معرفة نافعة. فالإنسان الذي يزداد علما ولا يزداد تواضعا، لم يزد إلا معلومات، أما الذي يزداد علما ويزداد تواضعا، فقد اقترب من الحكمة. ولهذا قال بعض أهل المعرفة: )إذا رأيتَ العالم قد ازداد تكبرا بعلمه، فاعلم أن علمه لم يصل إلى قلبه( ، فالعلم الذي لا يهذب النفس قد يصنع خبيرا، لكنه لا يصنع حكيما.

Leave a Reply