الأيديولُوجْيا الدِينيّة فِي خِدمَةِ الجِيوبُولِيتيكا والسِياسَة لِنظامِ ” وِلايَة الفَقِيه ” الإيرَاني

صحيفة الهدف

د. طارق أحمد، باحث في الجيوبوليتيك والسياسة – لبنان

لم تغب الأهداف والأبعاد الجيوبوليتيكية عن المسارات التاريخية للنظم السياسية التي تعاقبت على قيادة الحكم والسلطة في إيران على امتداد المراحل الزمنية، التي تواصلت منذ العهود القديمة، مرورًا بالأديان التوحيدية اليهودية والمسيحية، وصولًا إلى العهد الكسروي الإمبراطوري، وانتهاء بنظام الدولة “الإسلامية العالمية” على أسس الأدلجة الدينية – الطائفية، الذي أمسك بكل مفاصل الدولة والسياسة الداخلية والخارجية في أعقاب ما سمي بالثورة التي أسقطت نظام الشاه في شباط ( فبراير )  1979 ، لتعلن  إيران جمهورية “إسلامية” بقيادة دينية حاكمة على رأسها مرجعية “المرشد ” أو ” الولي الفقيه”، ليقوم بالحكم بتأسيس المرتكزات حسب زعمه ، للدولة ” العالمية ” يُقتَرَض على أسس العدالة وقيم السماء السمحاء !! .

واذا كانت السياسات الإيرانية قد عرفت، عبر مساراتها التاريخية الطويلة، عناصر متعدّدة عملت على تحشيدها وتجنيدها جيوبوليتيكيا في خدمة استراتيجياتها ومشاريعها للتوسّع والسيطرة والتمدّد في محيطها الإقليمي، فإنّ النظام الديني – الطائفي الذي أمسك بالسلطة المركزية في أعقاب ” الثورة” عام 1979، كان قد وجد في تلك الأيديولوجيا العنصر الأبرز والأفعل في عملية التحشيد الجيوبوليتيكي وتوظيفه في خدمة استراتيجية السيطرة والتغوّل الإيرانية استجابة لنزعة امبراطورية لم تفارق أنظمة الحكم السياسي، التي توالت عبر مديات المراحل التاريخية الممتدّة ولم تختلف في الجوهر عنها.

أولًا، الثنائي الأيديولوجي للنظام الطائفي بعد 1979

يقوم هذا الثنائي على مكوّن تركيبي من مرتكزين أساسيين:

الأول، المقدّس الغيبي

الثاني، إلغاء الآخر المختلف

فالمقدّس الغيبي، هو العنصر الحاسم والمهيمن على العقل السياسي ، وبالتالي على الفكر والممارسة السلوكية الإيرانية في ترجمة الاستراتيجيات والتوجّهات السياسية سواء على مستوى الداخل الإيراني أم على مستوى الخارج الإقليمي والدولي. ومن خصوصيات هذا المقوم ثلاثة مركزية:

الأولى، أنّه مقدّس غيبي

الثانية، أنّه يقوم على تكفير المذاهب الأخرى من إسلامية وغير إسلامية المنتشرة على مساحة العالم، فهو ” مقدّس لوحده”، يلغي كل ما هو مختلف عنه دينيًا واعتقاديًا وفكريًا واجتهاديًا.

   الثالثة،  إنّه أيديولوجي ديني – مذهبي على تضاد وتناقض مع الأحزاب والحركات الوضعية السياسية، وبصورة خاصّة الأحزاب ذات الخلفيات المدنية والقومية، وبصورة أكثر عدائية وتكفيرية مع الأحزاب ذات التوجهات الفكرية للتيار القومي العربي بوصفه التيار المنادي بالتحرر والتوحّد القومي في إطار أمّة عربية واحدة لها خصوصياتها في تشكّلها التاريخي والحضاري.

ثانيًا، بعض المرتكزات الأيديولوجية لنظام ولاية الفقيه

ارتكز هذا النظام في بناء أيديولوجيته الاعتقادية الطائفية والفكرية والسياسية إلى مصدرين في التشريع الديني والسياسي:

الأول، نظرية ولاية الفقيه، ومن بين أبرز الأفكار التي تضمنّتها على النحو التالي:

1- تتولى الحكومة القيادة المرجعية لكل الثورات “الإسلامية” في العالم.

2- إيران هي مركز الثورة والقائدة لها عالميًا.

3- تعتمد الحكومة الإيرانية استراتيجية تقوم على المزج والتكامل بين الدين والسياسة،  وهي بذلك على تناقض عميق مع ما تدعيه من جهة، وكذلك مع الحكومات والعقائد المدنية التي تفصل بين الديني والسياسي، وبين الدين والدولة. وهنا، تدعو الحكومة العالمية من تسميهم “مسلمي” العالم أن يكونوا جزءِا من التغيير ( الذي هو في حقيقته الفوضى) الذي تتولى قيادته الجمهورية

الإيرانية بدءًا بمحيطها الجغرافي المجاور ( الوطن العربي ) وصولًا إلى كل العالم.

ثانيًا، التشابه الأيديولوجي مع تنظيم ” القاعدة ” وشبيهاته

   

في مقارنة بين المشروعين الإيراني والقاعدي، يمكن تسجيل التالي:

1- أيديولوجيا متماثلة في اعتماد الدين كغطاء للح.رب المستمرة كخيار استراتيجي في مواجهة القوى المخالفة والمعادية.

2- الطرفان يختزنان أسلمة الصراع الديني.

3- الأدلجة الدينية هي السلاح الأفعل لخدمة مشاريع التفتيت السياسي والاجتماعي والثقافي، وصولًا الى إسقاط الدولة الوطنية ومعها مشروع الدولة القومية في الوطن العربي.

4- ثمّة تكامل بين المشروعين مع المشروع التقسيمي الاستعماري الأمريكي والغربي، من حيث الأهداف الاستراتيجية في إعادة انتاج عصر الدويلات الدينية – الطائفية، التي تفتح عصر الح.روب الدينية والتوترات والأزمات المستمرّة، لا سيّما في الوطن العربي بصورة خاصّة، والشرق الأوسط بصورة عامّة. وهنا، تكمن الحاجة إلى التنسيق وتوحيد الساحات بين مختلف الأذرع والفصائل الموالية لكل من هذين المشروعين. وهذا أمر أظهرته، وما تزال، التدخّلات الواسعة في مجريات الح.روب الأهلية، التي اندلعت في غير دولة في العراق، وسوريا، واليمن، ومصر، وليبيا، وتونس، والسودان، ناهيك عن أزمات عميقة في دول عديدة أخرى.

5- التباعد والاختلاف بين المشروعين مع توجّهات النخب الوطنية والقومية في الوطن العربي، وهو اختلاف محكوم بالتوجّهات الاستراتيجية التي تسعى لقيام دويلات دينية عابرة للحدود الوطنية والقومية، وتسويق هذه الدويلات على أنّها مشيئة إلاهية. وبذلك فإنّ الأصولية الجامعة بين الاستراتيجيتين تتقاطعان في مواجهة الفكر القومي العربي، اذ تعتبران أنّ القومية العربية ” ما وجدت إلاّ لمحاربة الإسلام “. لذا فإنّ الأيديولوجيا الإيرانية ترى في حزب البعث العربي الاشتراكي والحركات القومية العربية المعاصرة، مشاريع تنطلق من الدمج بين القومية والإسلام – هي مشاريع فكرية وسياسية للاستئثار بالحكم والسلطة.

رابعًا : لماذا العراق كان المستهدف الأول في استراتيجية نظام ولاية الفقيه الإيراني؟

شكّل العراق أولوية مطلقة في الاستهداف الإيراني بعد قيام النظام الجديد الذي حكم إيران منذ شباط ( فبراير) 1979. أمّا الأسباب الدافعة وراء هذا الاستهداف فهذه أبرزها:

1- لكون العراق، بحكم المجاورة الجغرافية مع إيران، هو الأقرب لتصدير الفوضى وهي ما تطلق عليه ايران ” الثورة” و محاولة إقامة النموذج المماثل لها في العراق من جهة، وهو أيضًا بمثابة المدخل والمعبر الأوسع لمتابعة التصدير الفوضوي ” الثوري” إلى المجال الجغرافي العربي برمته ( البوابة الشرقية للوطن العربي ).

2- حرب الثماني سنوات ( 1980 – 1988) التي باشرت بها إيران في أيلول ( سبتمبر) 1980، كانت في بعدها الاستراتيجي الفكري والسياسي، وخلفياتها الدينية – المذهبية، حربًا على القومية العربية والفكر القومي الذي حمل لواءه حزب البعث العربي الاشتراكي الذي قاد الدولة الوطنية في العراق بعد ثورة 17  تموز 1968.

3- إسقاط دولة العراق الوطنية المركزية، والعمل على خلق سلسلة من الدويلات الفدرالية على أسس عرقية ومذهبية وجهوية.

4- إسقاط العراق وتجربته الوطنية – القومية يبقى يشكّل المدخل الضروري للتغوّل الإيراني إلى العمق العربي، وهذا أمر وجد ترجمته، بعد إسقاط العراق، في التمدّد إلى سوريا ولبنان واليمن، حتى راح عدد من القادة الإيرانيين يهلّلون بقيام ما أطلقوا عليه ” هلال شيعي بنسخته الفارسية – الإيرانية” يجمع بين العواصم الأربع: طهران – بغداد – دمشق – بيروت، وهو هلال يمثّل استعادة تاريخية لإمبراطورية فارس القديمة، حسب الزعم الإيراني.

5- ولمّا كان العراق يمثّل الرأس الشمالي للخليج العربي، والشرقي للوطن العربي فإنّ سقوطه يفتح العبور الإيراني إلى الخليج واليمن، حيث يستطيع إقامة حزام يحاصر دول مجلس التعاون الخليجي، ويتابع التغلغل في البحر الأحمر ليعبر قناة السويس ليصل إلى المرافئ الساحلية المصرية على المتوسط في دمياط والإسكندرية وبور سعيد وغيره.

وهنا، تراود المتابع للمشهد التغوّلي الإيراني، جملة من التساؤلات التي تستدعي إجابات عنها بصورة موضوعية وحاسمة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أ – لماذا ساعدت إيران على ضرب المقاومة الوطنية العراقية، التي كان لها الفضل الأول والأخير في إخراج الاحتلال الأميركي من العراق في نهاية العام 2011 ؟.

ب – لماذا تعايش النظام الإيراني ” الثوري” في العراق مع الاحتلال الأميركي جنبًا إلى جنب على أرض العراق المحتلّ من ما يسميه ” الشيطان الأكبر” ؟.

ج – ما هو التفسير السياسي لذهاب رئيس جمهورية النظام الايراني محمود أحمدي نجّاد إلى ” المنطقة الخضراء” في العاصمة المحتلة بغداد، وهو يسلك سلسلة من الحواجز العسكرية الأميركية العائدة لما يسميه الشيطان الأكبر ؟

ه – ألم يكن التظير الأيديولوجي المذهبي مجرد غطاء لمشروع إيراني تغوّلي يقوم على الأدلجة الدينية – المذهبية، التي وجدت في الجماعات الولائية لها الأدوات والأذرع، التي تستجيب لطموحات إيران الجيوبوليتيكية وتوظيفاتها في استراتيجيتها التوسّعية في المجال العربي برمته ؟.

و- لماذا الوقوف الإيراني بقوّة إلى جانب الحوثيين التقسيميين في اليمن ؟ ألا يدل ذلك على مدى الاهتمام الإيراني بالهيمنة على الخليج العربي بهدف محاصرة الدول العربية فيه وثرواتها النفطية، ومن ثمّ الاندفاع نحو العمق السعودي لاستعادة  المدينتين اللتين شهدتا مهد الانطلاقة والرسالة الإسلامية وهما مكّة والمدينة المقدّستين ؟    

خلاصة :

إنّ الاستراتيجية الإيرانية المخزونة بشعوبية فارسية تاريخية، وبأيديولوجيا دينية – مذهبية، ليست سوى استراتيجية تصديرية للتفكيك والتجزئة والتفتيت للكيانات الوطنية العربية للحؤول دون تطور هذه الكيانات إلى مشروع وطني – قومي تحرري، يعيد الدور الرسالي للأمّة العربية الواحدة في تحقيق وحدتها القومية، وتصدير رسالتها الإنسانية إلى سائر أمم وشعوب العالم لنشر القيم السامية، ومبادئ العدل والحرية والسلام.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.