بقلم: ماجد الغوث
في تاريخ الحركات التحررية والتضامن الأممي، نادراً ما تتجسد الأممية العابرة للحدود والقارات بمثل ما تجسدت في سيرة الياباني كوزو أوكاموتو، المعروف في أوساط المقاومة الفلسطينية واليسار العالمي بلقب أحمد الياباني. رحل أوكاموتو مؤخراً في ضواحي بيروت الجنوبية عن عمر يناهز 78 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض، مسدلاً الستار على حياة حافلة بالتمرد، والتضحية، والثبات المبدئي النادر.
البداية والمسار: من الشرق الأقصى إلى ميادين النضال
وُلد كوزو أوكاموتو في اليابان، وانضم في شبابه إلى منظمة الجيش الأحمر الياباني، وهي منظمة يسارية راديكالية رأت في النضال الفلسطيني طليعةً للكفاح الثوري العالمي ضد الإمب.ريالية. لم يكن أوكاموتو مجرد متعاطف عن بُعد، بل ترجم قناعاته بعملٍ ثوري غير مسبوق، ليثبت أن الزول الجضم الفعل يسبق دائماً صاحب الكلام الفاضي.
عملية مطار اللد – 30 مايو 1972
تُعد الحادثة الأشهر في حياة أوكاموتو هي مشاركته في عملية مطار تل أبيب الدولي، مطار اللد، إلى جانب رفيقين آخرين. وصل الثلاثة قادمين من أوروبا، وأخرجوا بنادقهم وقنابلهم من الحقائب ليبدأوا هجوماً نوعياً أسفر عن مق.تل العشرات وإصابة آخرين، في مشهد أثبتوا فيه أنهم رجالة تفك الحيرة.
* استُشهد رفيقاه في مكان العملية بعد أن سطروا ملحمة من حراقة الدم والشجاعة.
* أُصيب أوكاموتو واعتُقل حيّاً وهو واقف زي السيف.
* حُكم عليه بالسجن المؤبد، ليقضي نحو 13 سنة قاسية في السجون الإس.رائيلية، رافضاً التراجع عن قناعاته، ومتصدياً لجلاديه بقلبٍ من حديد ونفسٍ لا تنكسر.
الحرية والمنفى: رحلة اللجوء والوفاء للبنان
في عام 1985، تحرر أوكاموتو من معتقلات الاحتلال ضمن صفقة تبادل شهيرة أُبرمت بين إس.رائيل والفصائل الفلسطينية، ليعود ويذوق طعم حرية الدقاق. ومنذ لحظة خروجه، وجد له موطن جديد في لبنان تحت حماية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث منحته بيروت ملجأً سياسياً قضى فيه ما تبقى من حياته في ظل إقامة شبه سرية وظهور علني نادر للغاية.
خلال سنوات إقامته الطويلة في لبنان، وتحديداً في مخيمات اللجوء وأوساط المناضلين، ارتبط أوكاموتو وجدانياً وثقافياً بالبيئة الحاضنة، وصولاً إلى إعلان إسلامه، ليُطلق عليه الفلسطينيون بمحبة وتقدير اسم أحمد الياباني، وهو اسم على مسمى.
ظل أوكاموتو وفياً لبوصلته الأولى، وبقي راجل ضكر ما بخاف الموت؛ ففي ظهوره العلني الأخير في مايو 2022 بمقبرة الشهداء في بيروت لإحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد، بدا ثابتاً على العهد رغم سنين العمر والمرض.
الوداع الأخير ورثاء الفصائل
رحل أحمد الياباني تاركاً خلفه إرثاً وموقفاً إنسانياً وأممياً نادراً، بعد أن عاش عزيز نفس ومات شامخاً. وقد نعت جبهة التحرير الفلسطينية وحركة حماس الراحل، مشيدتين بمسيرته التي تجذرت فيها القيم الإنسانية والدعم الصادق والمستمر لحقوق الشعب الفلسطيني، ومؤكدتين أنه ما باع القضية ولا هزته ريح، وبقي ثابتاً على مبادئه لعقود.
يبقى كوزو أوكاموتو في الذاكرة الجمعية للمقاومة رمزاً حياً على أن العدالة والقضايا المحقة لا تعرف جوازات سفر ولا لغات، بل تعرف فقط أصالة المبدأ، وصدق الانتماء، وأفعال الرجال الجد.

Leave a Reply