بقلم : الأستاذ البخيت النعيم
أبيي حلقة وصل بين الشمال والجنوب:
ظلت المجموعات السكانية في أبيي وبحر العرب، في حالة تعايش وتآخي لمئات السنوات في حقب تاريخية مختلفة، الحقبة التركية والمهدية والبريطانية حتى الاستقلال 1956م، الذي رسم الحدود الموروثة لأقاليم السودان، وعلى الجميع التمسك بها حفاظاً على ما تبقى من السودان.
وضمت مجموعة عموديات دينكا نقوك التسعة، من مديرية بحر الغزال إلى منطقة أبيي في مديرية جنوب كردفان عام 1905م وشكلت نموذجاً للتواصل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، وأكد بقاء المجموعة عام 1951م في مؤتمر شارك فيه إداريون وسلاطين من الجنوب وزعماء دينكا نقوك على رأسهم السلطان دينج مجوك، حيث خيرت مجموعة دينكا نقوك بين خيارين، إما أن تتبع دينكا نقوك للمجلس المحلي لقوقريال في بحر الغزال، وأما أن ينضموا إلى مديرية كردفان، فكان رأيهم أن يبقوا في كردفان.
ومن أهم أسباب ذلك تأكيد علاقتهم التاريخية بالمسيرية وأنهم في كردفان يعيشون وضعاً مميزاً، وهو نفس الخيار الذي منح للزعيم كوال أروب قبل بضع سنوات.
يقول د. فرنسيس دينج في كتابه “رجل يدعى دينج مجوك سيرة زعيم ومجدد”، بأن دينج مجوك كان حافظاً للتوازن ما بين الجنوب الإفريقي والشمال العربي ويعزى السلام الذي كانت تنعم به المنطقة الحدودية الصعبة إلى علاقات دينج مجوك مع الطرفين. كما كان للزعيمين الناظر بابو نمر ودينج مجوك ود وثقة خاصة.
وأيضاً يقول فرنسيس دينج في كتابه “ذكريات بابو نمر قال بابونمر” بقينا أصدقاء وكان بيني ودينج مجوك معاهدة وقسم. (أنا وهو نقعد لغاية الساعة أطناشر نتونس يقعد معاي ثلاثة أربعة أيام وبعدين يمشي وأنا بمشي أبيي بقعد معه خمسة ستة يوم نتونس).
مأزق الحلول الخارجية: (تناقضات بروتكول أبيي وتقرير الخبراء): –
جاء اتفاق نيفاشا لإيقاف الح.رب في الجنوب ما بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني الحاكم في 9 يناير 2005م بعد ولادة متعثرة، حشدت فيها الولايات المتحدة الأمريكية/ كافة أنواع الضغوط على الشريكين، بعيداً عن مشاركة القوى السياسية، ووصلت هذه الضغوط إلى حد التدخل المباشر وصياغة شكل ومضامين الاتفاق، وبعد خلاف استمر لأكثر من عام حول منطقة أبيي، وبحث أيلولتها من جديد لكردفان أم بحر الغزال، تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة في محاولة لحسم الخلاف عن طريق مشروع المبعوث الأمريكي السناتور (جون دانفورث) وسمى بمشروع بروتوكول أبيي لم يكن مشروعاً للحل ولكنه وضع ترتيبات إدارية مؤقتة لإدارة المنطقة، ورغم ذلك قبله الطرفان، في 19 مارس 2004م واعترفا صراحة وكتابة في هامش البرتوكول بأنه حل قدمه دانفورث، وقبله الطرفان، كان من الواضح أن الطرفين يفكران في عبور العقبة، ولو مؤقتاً من أجل توقيع الاتفاق في سباقهما مع الزمن لامتصاص ضغوط الإدارة الأمريكية (عبر قانون سلام السودان الذي أصدره الكونجرس الأمريكي وينص على العقوبة في حالة عدم التوقيع في زمن محدد) وغيرها من الضغوط، كان جوهر بروتكول دانفورث مقترح بوضع إداري خاص بمنطقة أبيي تحت رعاية رئاسة الجمهورية، يبدأ تنفيذه فور توقيع الاتفاقية مباشرة، ويستمر إلى أن يحسم مصير المنطقة بالاستفتاء، وينص البروتكول على أن يدير المنطقة مجلس تنفيذي منتخب (ويكون بالتعيين من رئاسة الجمهورية في المرحلة السابقة للانتخابات)، وهذه الإدارة يمثل فيها سكان المنطقة من دينكا ومسيريه وغيرهم، وتكون مسؤولة عن الخدمات والأمن والتنمية، وتحدد رئاسة الجمهورية سلطات المجلس وصلاحياته، وتنشئ الهيئة القضائية محاكم خاصة للمنطقة، ويعتبر سكان أبيي خلال الفترة الانتقالية مواطنين في ولايتي كردفان وبحر الغزال، ويمثلون في الأجهزة التشريعية، ويرسلون مراقباً للبرلمان المركزي بالخرطوم، ويعين مجلس تشريعي من عشرين عضواً تعينهم رئاسة الجمهورية ويصدر التشريعات المحلية، ويجيز ميزانية المنطقة ويعمل على تعزيز المصالحة، كما يحق له أن يوصي لدى رئاسة الجمهورية بعزل رئيس المجلس التنفيذي أو نائبه كما يوزع الثروة النفطية. ثم يقرر البروتكول أن تنال الحكومة الاتحادية 50% من عائدات بترول المنطقة و42% للحركة الشعبية ولاية بحر الغزال. 2% لولاية غرب كردفان 2% قبلياً في سابقة غريبة تنال بموجبه قبيلة دينكا انقوك 2% والمسيرية 2% كما يسمي البرتوكول منطقة أبيي بأنها منطقة عموديات دينكا انقوك التسع التي تحولت إلى كردفان عام 1905م وذلك في المادة “2-1-1” كما حدد آلية ترسيم الحدود في المادة “5-1” لتكوين مفوضية لذلك بمهام محددة، وتقوم هيئة الرئاسة المقترحة باتفاق نيفاشا والمكونة من (رئيس الجمهورية ونائبيه) بتأسيس مفوضية حدود أبيي، وتنحصر مهام هذه المفوضية في الوقوف على حدود منطقة العموديات التسع لدينكا انقوك، التي ضمت إلى كردفان في 1905م، وترسيمها على الخرائط كما حدد الكيفية التي تتكون بها المفوضية ومداها الزمني في المادة 5-2على أن تشمل ممثلين لأهل المنطقة من الطرفين والإدارة المحلية وأن تشمل في عضويتها خبراء، على أن تكمل مهمتها خلال العامين المقبلين من الفترة الانتقالية. في المادة “5-3” حددت طريقة عمل المفوضية (على المفوضية تقديم تقريرها النهائي للرئاسة متى ما انجز، وعلى الرئاسة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ متطلبات الوضع الإداري الخاص بمنطقة (أبيي، هذه هي أهم معالم الوضع الإداري التي رسمها بروتكول أبيي، ولكن بعد الاتفاق النهائي صدر ملحق سمى بملحق لبرتوكول أبيي، تم الاتفاق عليه بين الطرفين في 17 ديسمبر 2004م ويضيف هذا المحلق تعديلات جوهرية على نص البرتوكول نورد منها الآتي:
المادة 2-2 من الملحق تضيف (على طرفي النزاع الطلب من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ومجموعة الإيقاد ترشيح 5 خبراء يتحلون بالنزاهة والمعرفة في التاريخ والجغرافيا وأي أمور أخرى لها علاقة بالموضوع، على أن تكون رئاسة المفوضية لواحد من هؤلاء الخبراء. المادة 4-0 من الملحق توضح مسؤوليات الخبراء في المفوضية (ولغرض الوصول إلى قرار، على الخبراء في المفوضية مراجعة الأرشيف الإنجليزي والمصادر الأخرى حول السودان أينما وجدت بهدف الوصول لقرار مبنى على البحث والتحليل العلمي، وعلى الخبراء أيضاً تحديد لائحة تنظيم أعمال المفوضية) المادة 5 – 0 من الملحق تعدل المدى الزمني في البروتكول وتتحايل على مهمة المفوضية إذ تقول (على لجنة الخبراء في المفوضية تقديم تقريرها النهائي قبل نهاية الفترة الانتقالية، ويكون تقرير الخبراء الذي يتم التوصل إليه حسب اللوائح التنظيمية لعمل المفوضية نهائي وملزم لطرفي النزاع.
ويتضح جلياً من خلال المحلق ومواده، أن الدور الأساسي اسند إلى ما سمى من خبراء ودور أعضاء المفوضية الأخرين أصبح دوراً تكميلياً، وكل ذلك بديلاً لدور حقيقي يصنعه أبناء المنطقة مسنوداً بالإرادة الوطنية وأسس وتقاليد التعايش التاريخي ويرنو إلى آفاق مستقبلها ببرنامج تنموي يستهدف توسيع مصادر العيش ويؤسس للاستقرار على ضوء حوار شفاف ملخص يتناول الأزمة من جذورها.
في أبريل 2005م تم تكوين مفوضية ترسيم حدود أبيي مما سمى بالخبراء وهم سفير الولايات المتحدة السابق (دونالد بيتر سون) رئيساً للمفوضية، والبريطاني (دوغلاس جونسون)، وثلاثة من مجموعة الايقاد (صاحبة المبادرة الأصل في المفاوضات)، ثم ممثل لحكومة السودان وممثلان للإدارة المحلية بالمنطقة واثنان ممثلان قبيلة المسيرية تختارهم السلطة وليس أبناء المنطقة أو منظماتهم حيث مثل الحكومة السفير الدرديري محمد أحمد رئيساً لمجموعته وأحمد الصالح صلوحة نائب والي ولاية غرب كردفان وزكريا اتيم وأحمد عبدالله آدم الصحفي، وجميعهم من كوادر حزب المؤتمر الوطني وعبد الرسول النور إسماعيل حاكم لإقليم كردفان بعد انتفاضة مارس/أبريل من رموز حزب الأمة القومي آنذاك بينما جاء ممثلوا الحركة الشعبية من القائد دينق الور كوال رئيساً للوفد وجيمس أجينق فط ودينق أروب كوال، وفكور اكوك من دينكا أويل، وجيمس لوال من قوريال.
بدأت المفوضية اجتماعها في نيروبي 11 أبريل 2005م. ثم طرحت برنامجاً ميدانياً بغرض التعرف على الحدود على ضوء التفويض الممنوح وإجراء مقابلات هنالك وقد وصف عمل المفوضية الميداني أحد أعضائها ضمن وفد الحكومة هو عبدالرسول النور إسماعيل في مقال بصحيفة أخبار اليوم بتاريخ 4/فبراير 2007م، (حيث وزع السفير رونالد بيتر سون وهو رئيس المفوضية منشوراً يوضح مهمتها، ووزع بأعداد كبيرة وقد ركز في بداية مخاطبته للتجمعات القبلية ان يوضح مهمة المفوضية بشكل قاطع وهو التزام المفوضية بالتفويض الممنوح لها وهو ترسيم حدود منطقة المشيخات التسع لدينكا انقوك، التي ضمت لكردفان في العام 1905 ولا شي غير ذلك) لقد جاء ذلك واضحاً في خطبة السفير دونالد بيتر سون أمام ممثلي المسيرية في المجلد يوم 17 أبريل 2005م لقد كان حديث السفير (دونالد بيتر سون) وهو رئيس للمفوضية والناطق باسمها واضحاً لهذا اختصر حديث ممثلي المسيرية في الحديث عن المنطقة المعنية الواردة في التفويض، ولكن اتضح فيما بعد أن السفير دونالد بيتر سون كان يظهر خلاف ما يبطن، فقد تجاوز التفويض الممنوح له وحكم وفق هواه، ثم قال عبدالرسول أيضاً في نفس المقال كانت أسئلة الخبراء كثيرة ومتشعبة بعضها إيجابي وبعضها استدارجي خاصة أسئلة الدكتور دوجلاس جونسون الخبير البريطاني الذي لم يستطيع إخفاء تعاطفه وانحيازه للحركة الشعبية، وتحامله الواضح على المسيرية (انتهى حديث عبدالرسول النور).

Leave a Reply