مئوية الملف الثقافي: امتنان لمن حملوا مشعل الكلمة والمعرفة

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

وفي مثل هذه المحطات المضيئة، لا يكون الاحتفاء بالأرقام هو الأهم، وإنما بالرجال والنساء الذين جعلوا من الأرقام حياة، ومن الصفحات رسالة، ومن الكلمة مسؤولية. فالعدد المئوي الذي نحتفي به اليوم لم يأتِ مصادفة، ولم يولد من فراغ، وإنما هو ثمرة رحلة طويلة من الإيمان، والعمل، والصبر، والوفاء لفكرة آمن بها أصحابها، وظلوا يحملونها في أوقات اليسر كما في أوقات العسر، حتى أصبحت هذه المئوية شاهدًا على أن المشاريع الثقافية العظيمة تبنى بالإرادة قبل الإمكانات، وبالإخلاص قبل الشهرة.

ومن هنا، فإن هذه المناسبة تفرض علينا واجبًا أخلاقيًا قبل أن تكون فرصة للاحتفاء، واجب الاعتراف بالفضل لأهله، وتحية أولئك الذين آمنوا بأن الثقافة ليست ترفًا يُمارس عند فراغ الوقت، وإنما مسؤولية وطنية وقومية وإنسانية، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تبني ما قد تعجز عنه أدوات كثيرة.

إن القيمة الحقيقية لهذا الملف لا تكمن في عدد صفحاته، ولا في انتظام صدوره، وإنما في الرسالة التي يحملها. فالثقافة ليست نشاطًا هامشيًا يرافق حياة الأمم، بل هي روحها الحية، وذاكرتها الجمعية، والعقل الذي يحفظ هويتها ويصوغ مستقبلها. وحين تضعف الثقافة، يضعف الوعي، وحين يضعف الوعي تصبح الأمة أكثر عرضة للتبعية والتشظي وفقدان الثقة بنفسها. ومن هنا فإن كل جهد ثقافي صادق هو في جوهره إسهام في حماية الهوية، وصيانة الذاكرة، وبناء الإنسان القادر على حمل رسالة أمته في الحاضر والمستقبل.

ولعل أعظم ما يمكن أن تقدمه الثقافة الوطنية والقومية أنها تعيد إلى الإنسان العربي ثقته بذاته، وانتماءه إلى تاريخه، وإيمانه بقدرته على الإسهام في الحضارة الإنسانية. فالثقافة التي تغرس في النفوس لا تصنع قارئا جيدًا فحسب، بل تصنع مواطنًا أكثر وعيًا، وإنسانًا أكثر مسؤولية، ومجتمعِا أكثر تماسكًا. ولهذا فإن كل صفحة تُكتب دفاعِا عن المعرفة، وكل فكرة تطرح بإخلاص، وكل حوار يفتح باحترام، إنما يضيف لبنة جديدة في بناء الإنسان العربي الذي ظل الفكر القومي يرى فيه غاية النهضة ووسيلتها في آن واحد.

ولذلك، فإننا نتقدم بخالص التقدير، وعظيم الامتنان، وصادق الوفاء، إلى رئيس هيئة تحرير صحيفة الهدف، وإلى مدير التحرير، وإلى هيئة التحرير جميعًا، وإلى أسرة المحررين، وإلى كل الكتّاب والباحثين والمفكرين الذين تعاقبت أقلامهم على صفحات هذا الملف، وأسهموا، كل من موقعه، في أن يصبح منبرًا يحترمه القارئ، ويثق به الباحث، ويعتز بالانتماء إليه كل من كتب فيه أو قرأه.

ولعل أجمل ما في هذا الإنجاز أنه لم يكن إنجاز فرد واحد، ولا ثمرة قلم واحد، وإنما كان حصيلة عقول التقت على هدف واحد، وقلوب اجتمعت على حب المعرفة، وإرادات آمنت بأن الثقافة قادرة على أن تُعيد للإنسان ثقته بنفسه، وللمجتمع وعيه، وللأمة ذاكرتها ومستقبلها. وهكذا تُبنى المؤسسات الحقيقية، لا بالجهد الفردي، وإنما بروح الفريق، ولا بالمجد الشخصي، وإنما بالإيمان الجماعي بالرسالة.

لقد كانت وراء كل عدد ساعات طويلة من القراءة، والتحرير، والمراجعة، والنقاش، والاختيار، وربما كثير من التعب الذي لا يراه القارئ، لكنه يلمس أثره في جودة ما يقرأ. وهذه الجهود الصامتة هي التي تصنع القيمة الحقيقية لأي مشروع ثقافي، وهي التي تمنحه القدرة على الاستمرار، وتجعله أكثر حضورًا وتأثيرًا مع مرور الزمن. وما أعظم أولئك الذين يعملون بصمت، ويتركون للكلمة أن تتحدث عنهم، وللإنجاز أن يكون أبلغ من أي حديث.

إن الامتنان في هذه المناسبة لا يقتصر على تهنئة فريق العمل ببلوغ المائة الأولى، وإنما هو اعتراف صادق بأنهم أسهموا في بناء مساحة عربية حرة للفكر والحوار، وفي ترسيخ تقليد ثقافي محترم، حافظ على قيمة الكلمة، وصان مكانة الفكر، وأتاح للأقلام الجادة أن تجد منبرًا يليق بها. وهذه خدمة لا تقاس بعدد الصفحات، وإنما بما تتركه من أثر في العقول، وما تغرسه من وعيٍ في الأجيال.

فلكم، جميعًا، أصدق التحية، وأعمق الشكر، وأجمل التهاني، وأنتم تدخلون المائة الثانية من هذه المسيرة الثقافية المباركة. نسأل الله أن يبارك جهودكم، وأن يظل هذا الملف منارةً للفكر، وبيتًا للكلمة الحرة، ومنبرًا يجمع العقول ولا يفرقها، ويصنع الوعي ولا يكتفي بوصفه، ويؤمن بأن الثقافة ستظل، في كل زمان، الطريق الأقصر إلى بناء الإنسان، وأقوى جسور النهوض بالأمة العربية.

ولذلك لم يكن الاهتمام بالثقافة في الفكر القومي العربي ترفًا فكريًا، بل جزءًا أصيلًا من الرسالة الحضارية للأمة العربية. فالأمة التي تؤمن بأنها صاحبة رسالة خالدة لا يمكن أن تكتفي بالدفاع عن حدودها، وإنما تدافع قبل ذلك عن لغتها، وثقافتها، وذاكرتها، وقيمها الإنسانية. فالكلمة الحرة ليست مجرد تعبير عن الرأي، وإنما فعل مقاومة لكل أشكال الجهل والاستلاب، وجسر يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال الجديدة القدرة على مواصلة مشروع النهضة بثقة ووعي.

وإذا كانت المائة الأولى قد نجحت في ترسيخ مكانة هذا الملف، فإن المائة الثانية تفتح أمامه آفاقِا أوسع، ليكون أكثر حضورًا في الفضاء الرقمي، وأكثر انفتاحًا على الأجيال الجديدة، وأكثر قدرة على استقطاب الباحثين الشباب، ومواصلة رسالته في الدفاع عن المعرفة، وترسيخ الحوار، وصناعة الوعي الوطني والقومي.

ويبقى الأمل أن تظل هذه الصفحات، كما كانت دائمًا، بيتًا للفكر، وموئلًا للكلمة الصادقة، ومنارة لكل من يؤمن بأن الأمم لا تبنى بالسلاح وحده، ولا بالاقتصاد وحده، وإنما تبنى أولًا بالثقافة، وبالإنسان الذي يعرف من هو، وإلى أين يمضي، ولماذا يحمل رسالته. فهنيئًا لكم هذه المئوية، وهنيئًا للثقافة العربية بهذا المنبر الذي أثبت أن الكلمة حين تكون صادقة، تستطيع أن تهزم النسيان، وأن تبني المستقبل في هدوء، صفحة بعد صفحة، وعددًا بعد عدد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.