أزمة ابيي بين جدل التاريخ والحاضر والمستقبل وسبل الحل

صحيفة الهدف

بقلم البخيت النعيم

تعد منطقة أبيي واحدة من أكثر مناطق السودان تعقيداً وإشكالية على المستويات التاريخية والسياسية والاجتماعية، إذ تختزل في أعماقها صراعاً متجذراً بين هويات متداخلة، ومصالح متضاربة، وذاكرة جمعية تغلفها الأوجاع وتتخللها آمال التعايش. فهي ليست مجرد بقعة جغرافية متنازع عليها بين الشمال والجنوب، بل هي مرآة عاكسة لمراحل تحول الدولة السودانية، وموئل للتداخلات الثقافية، ونموذج حي لكيفية تحول الصراعات التقليدية إلى أزمات سياسية، ومن ثم إلى قضايا دولية طافحة بالتناقضات. وتعكس هذه الدراسة محاولة لفهم جدلية المنطقة في ثلاثة أبعاد متشابكة، تمتد من الماضي الذي يشكل ذاكرة المكان، إلى الحاضر الذي يعيش أزماته الراهنة، وصولاً إلى المستقبل الذي يلوح في الأفق دون ملامح واضحة.

ولأجل هذا، تقسم هذه الدراسة إلى أربعة  حلقات أساسية، تنسجم مع طبيعة القضية وأبعادها المتشعبة، وتؤسس لقراءة تحليلية قادرة على استيعاب تعقيداتها، والخروج بتصورات عملية قابلة للتطبيق:

الحلقة الاولي :

البعد التاريخي للازمة:

تقع أبيي في الجزء الجنوبي لولاية غرب كردفان، وهي إحدى أكثر مناطق النزاعات الحدودية بين دولتي السودان الشمالي والجنوبي. وقد كانت أحد أسباب انهيار اتفاقية أديس أبابا 1972م وهي أخطر نقاط الاختلاف في اتفاقية نيفاشا 2005م بين حكومة السودان والحركة الشعبية. حيث تعود جذور الأزمة وتاريخ الصراع بين المجموعتين المسيرية ودينكا نقوك، إلى التنافس على سبل كسب العيش (الرعي) وعلى الموارد والمصادر الطبيعية الشحيحة، فالمنطقة التي تضم أبيي ومناطق بحر العرب (غرب كردفان) لم تحظ بأي مشروعات خدمية أو تنموية، تسهم في تطوير حياة المجموعات السكانية بالمنطقة. فالحكومات المتعاقبة في مرحلة ما بعد الاستقلال لم تدفع للنهوض بالمنطقة وبالتالي تأثرت المنطقة بحالة الشد والجذب والتخلف والتقصير من السلطة المركزية بالإضافة لحرب الجنوب والتي ما زالت تدار وفق رغبات وسياسات النظام الحاكم في الشمال والحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب.

الصراعات بين مجموعات المنطقة كانت أسبابها تقليدية، حيث كانت تعالج بالأعراف والمواثيق القبلية. لكن منذ أحداث 1964م التي شكلت إشارة فارقة وأعطت الصراع أبعاداً سياسية، حادثة هجوم الأنانيا في سبتمبر 1964م على قوقريال ببحر الغزال، حيث كان يقيم بعض التجار من المسيرية. وأحداث 6/12/1964 في الخرطوم التي كانت بسبب شائعات حول مقتل وزير الداخلية الجنوبي كلمنت أمبورو، منطقة أبيي وبحر العرب تأثرت بهذه الأحداث واعطت تحويل الصراع والنزاع أبعاداً سياسية ومناطقية كانت نتيجة ذلك تراجيديا المأساة في عام ١٩٦٤م ،1965 وفي مايو ويونيو 1977م بين المسيرية ودينكا نقوك والتي احدثت شرخاً بين المجموعتين، وتحول الصراع بعدئذٍ لصراع بالأسلحة الحديثة وعنف واسع النطاق وصل مرحلة الأذى العنيف.

ثم تدخلت الحركة الشعبية في المنطقة ودعمت أحد أطراف النزاع منذ ثمانينات القرن الماضي وتدخلت الأنظمة الحاكمة في الخرطوم سواء كان النظام المايوي أو القوى التقليدية أو نظام الانقاذ أو حكومة جوبا أو بحر الغزال أو كردفان.

المتابع لتطور النزاعات وطرق معالجتها يلاحظ قيام عدد من المؤتمرات من أجل حل النزاع بين المسيرية ودينكا نقوك مثل مؤتمر أبيي الأول والثاني وأبيم نم وكادقلي والأبيض وغيرها ويلاحظ أن أغلب تلك المؤتمرات ركزت على التعويضات والصلح وحصر الخسائر وتحديد الديات والتعويضات والمراحيل والمسارات ومواقيت دخول الرحل إلى مناطق بحر العرب صيفاً ولكن لم تقم مؤتمرات متخصصة للنظر بشكل استراتيجي في مستقبل المنطقة وقضايا البنية التحتية الخدمية أو أقامه مشروعات زراعية أو صناعية او تعليمية أو صحية لتساهم في تغيير الحياة النمطية والتقليدية إلى حياة مستقرة أي (ضرورات أحداث التحولات النوعية والخدمية والتنموية ).

إن عملية الاستقرار والسلام تحتاج لمعرفة عميقة بالأبعاد القبلية والسياسية والثقافية والتنموية. فكثير من المؤتمرات فشلت لأنها لم تناقش جوهر النزاع وخلفياته فمؤتمر أبيم يم المشهور 20/4/1974 بمنطقة بحر العرب حضرته قيادات مديرية كردفان وأعالي النيل وبحر الغزال وكان معني بوضع المعالجات الوقائية وتنظيم العلاقات وتسوية الخلافات بين النوير ودينكا نقوك والمسيرية وحفظ الأمن وتنظيم المراعي والمراحيل ومنع حمل السلاح غير المرخص. ولكن المؤتمر لم يناقش قضايا الخدمات والمشروعات التنموية.

مسألة أبيي بعد أن تم تسييسها لم تعد مسألة بين قبيلتين حيث تم أدراجها في جدول القضايا السياسية المركزية في أديس ابابا مما يستدعى النظر إليها بأفق استراتيجي يقول دكتور فرانسيس دينج السفير السابق بوزارة الخارجية السودانية في مذكراته عام 1972 لرئاسة الجمهورية أن أبيي هي بوتقة نماذج وتفاعل ثقافي، وأن الدينكا والمسيرية ظلوا يتمازجون ثقافياً لقرون بالرغم من مرارات التاريخ التي شهدها السودان لذا ينبغي النظر إلى المنطقة كمنطقة تمازج مستقبلي ورمزاً للوحدة الوطنية تتطلب المعالجة قدراً كافياً من الاهتمام من قبل الحكومات  المركزية كما اقترح ترفيع أبيي إلى منطقة تابعة لمحافظة جنوب كردفان ورعاية خاصة من المركز لضمان استمرارية برامج التنمية وتوفير الثقة.

(وفي 19/ فبراير 1981 أصدر الرئيس جعفر نميري تكوين لجنة لدراسة الاوضاع الإدارية والأمنية والتنموية لأبيي وأوصت اللجنة بتكوين مديرية بأبي تسمى غرب كردفان تشمل المجلد بابنوسية أبيي وتكون عاصمتها أبيي أو تكوين مجلس منطقة تابع لأقليم كردفان.)(9)

(في عام 1984م أصدر حاكم كردفان القرار رقم 79 بتاريخ 29/1/1984 بتكوين لجنة برئاسة وزير الخدمات محمد أحمد جحا لوضع تصور متكامل لإنشاء مجلس منطقة يكون مقر رئاسته أبيي.

اكدت كل الوثائق التاريخية واللقاءات المباشرة والشفهية أن منطقة أبيي ولمئات السنوات أنها منطقة تعايش وأتصال بين المسيرية ودينكا نقوك فبين المجموعتين مصالح حيوية ومصير مشترك جمعتهم الأرض فالمسيرية يمكثون حوالي تسعة شهور من العام في بحر العرب وأبيي لذلك قررت حكومة كردفان وبناء على توصية اللجنة تقسيم مجلس منطقة الفولة إلى مجلسين مجلس منطقة الفولة ومجلس ريفي أبيي والذي ضم المجلد وبابنوسة والتبون وأناقديل وتاج اللي وعاصمته أبيي.

هكذا استمر الوضع الإداري حتى جاء انقلاب 30 يونيو 1989م ليتحول مجلس أبيي إلى محافظة.

المتابع لمسألة أبيي والتي تحولت لقضية ثم تحولت إلى أزمة بعد التدويل يمكن أن يقسم مسارها إلى مراحل وأسباب أساسية وثانوية:-

أولاً: النزاع التقليدي: بسبب التنافس حول مصادر الطبيعة الشحيحة من مياه ومراعي وأرض ومزارع حيث كان يتم معالجته عبر الأعراف والمواثيق القبيلية التقليدية.

ثانياً: صراع سياسي: والذي برز منذ عام 1964م، ودور الانانيا فيه ثم دخول الحركة الشعبية والجيش الشعبي واستقطابها لعدد من أبناء دينكا نقوك وتحريضهم لنقض المواثيق والعهود التاريخية وأعطاء الصراع أبعاداً ثقافية وعن الهوية صراع  (عرقي وديني) ودعوتهم للأرتباط بجنوب السودان  وهي فرضية غير صحيحة، فالمنطقة لم تشهد تاريخياً صراعاً عرقياً أو دينياً، فأصل الصراع سياسي اجتماعي بسبب نقص التنمية المتوازنة في السودان، فكل أبناء المنطقة يعانون من التخلف وانعدام أبسط الحقوق والخدمات التنموية كما عانت قبيلة المسيرية من التدخلات السياسية من المركز واستخدامها كأدوات في حروب الجنوب والجبال وغيرها خاصة في  عقود (نظام الأنقاذ) .

(عنصر اللون والعرق والسلالة والدم ولخصائص الوراثية ليست  من ضمن العوامل التي تحدد الانتماء للمنطقة أو الوطن لأن نقاء العنصر لا وجود له في العصر الحديث ولأن قيمة الفرد كإنسان أو هويته الجماعية لا تتأثران بأصله السلالي).

ثالثاً: تدويل مسألة أبيي والتدخلات الأجنبية:

من أخطر أسباب الصراع هو تدويل قضية أبيي وجعلها منطقة صراع استراتيجي وزجها في الندوات والمؤتمرات الدولية. (منذ ندوة وأشنطن عام 1993م والتي طرحت فكرة تقرير المصير للجنوب ثم حشر قضية أبيي في مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية عام 1995م واتفاقية نيفاشا 2005م ووضعها في بروتكول خاص بها سمى بروتوكول أبيي والذي صاغة الأمريكي السانتور جون دانفورث وهو نفس الشخص الذي صاغ اتفاق سويسرا 2002م لمنطقة جبال النوبة).. هكذا دولت قضية أبيي حتى وصلت محكمة لاهاي الدولية مما يؤكد أن الأمر له تخطيط خارجي، يستهدف خلخلت النسيج الاجتماعي وفق (نظرية ضرب اسفل الجدار) وأشاعة مزاعم الاسترقاق  واستهداف ثروات المنطقة خاصة البترول والذي يتنازعه حكام الخرطوم وجوبا والشركات الأجنبية. أما سكان المنطقة الغربية وأبيي لم يحصدوا إلا الأمراض الفتاكة للإنسان والحيوان والحروب الأهلية حول تعويضات الأرض وما أحداث بليلة 2011م بين قبيلتي أولاد سرور وأولاد هيبان والتي راح ضحيتها مئات القتلى والجرحي إلا نموذجاً.

رابعاً: انعدام البنية التحتية والمشروعات التنموية.

من أهم الأسباب أيضاً فشل الحكومات المتعاقبة في بناء أساس البنية التحتية الخدمية والتنموية من تعليم وصحة وطرق وشبكة مياه وكهرباء وانعدم المشروعات التنموية الزراعية والصناعية والمعاهد والجامعات مما ساهم في تخلف المنطقة، وضعف الوعي والفقر وتفشي الروح القبلية، وضعف الوازع الديني وانتشار الفساد المالي والإداري. وتتحمل الحكومات المركزية والولائية هذا الفشل وكان من الممكن لأبيي وغرب كردفان أن تكون النموذج الحي للوحدة الوطنية، لأنها أرض الثروات والتمازج والتعايش والتضحيات الوطنية.

يتبع لطفاً،،،،،،،،،

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.