الخطأ الرياضي في قراءة حلمي للموسيقى السودانية

صحيفة الهدف

 يوسف الغوث

قبل أن تكون سلالم ونسباً رياضية، كانت الموسيقى عبارة عن كينونة وجودية تسبق التدوين، وامتداداً روحانياً لجغرافيا الإنسان وذاكرته الجمعية.

فحين يصعد النيل من قلب السودان شاقاً صحراءه، فإنه لا يحمل ماءً زلالاً فحسب، بل يحمل أهازيج تولد من رذاذ الشلالات، وهمس النخيل، ووقع خطى لا تكل على كثبان تمتد بلا حدود.

إنها ليست حسية رياضية جامدة، بل منطق وجداني يُقرأ بالشغف لا بالأرقام، وتجربة جمالية تتسع لكل الأبعاد، ولا تنحصر في محكمات أكاديمية ضيقة تختزل الروح والنص في معادلات باردة.

على ضفاف هذا النيل الخالد، حيث تلتقي أسوان بجنوب مصر، وقف (الكينج) محمد منير حاملاً بصمته الفريدة، التي مزجت بين صولفيج الشرق وروح النوبة الخماسية، ليؤكد أن الانتماء إلى السلالم الغربية لا يلغي شرقية الجذور.

فالخماسي في عروضه لم يكن نقصاً، بل كان إبحاراً في فضاءات صوفية ممتدة، واستدعاءً واعياً لامتداد النوبة الذي يتجاوز الحدود السياسية. فلو كان لهذا السلم عيباً، فكيف استطاع منير أن يحتل عرش الأغنية العربية ويصبح صوتاً للوجدان المصري والعربي، بينما ينبض في إيقاعاته نبض أسوان وجذورها العميقة الممتدة روحياً إلى عمق السودان؟

إنه دليل قاطع على أن هذه السلمية ليست شذوذاً، بل لغة مشتركة بين ضفتي النهر، تثري الحس العربي ولا تنتقص منه.

وإذا انتقلنا إلى السودان ذاته، وتحديداً إلى روح كردفان وترابها الموشى بالإيقاعات، نجد عبد القادر سالم الذي أثبت عملياً أن الهوية السودانية ليست أسيرة لبعد واحد.

فهذا الفنان العبقري، المنحدر من عمق تلك الأرض، تفنن في غناء القصائد العربية بالسلالم السباعية الشرقية بكل أبعادها ودقة مقاماتها، متصدراً المشهد الغنائي العربي بجدارة، ومؤكداً أن السودان واعٍ ومتعدد، يستوعب السباعي الكلاسيكي كما يستوعب الخماسي الشعبي، دون أن يفقد جذوته الأصيلة المنبثقة من تراب كردفان الذي يزخر بالتنوع.

وفي هذا السياق الواسع، تبدو المقولة التي أطلقها مؤخراً الناقد حلمي بكر، برفض مشاركة السودان استناداً إلى الانحراف عن السلالم السباعية، وكأنها نظرة متأخرة لا تليق بسعة الأفق النقدي. فالخطأ المنهجي هنا أنه يختزل تجربة ثقافية متكاملة في قالب أكاديمي ضيق، متناسياً أن الخماسي الذي يستنكره هو بعينه جوهر تراث مغاربي عريق في الجزائر والمغرب وموريتانيا، حيث تشكل الأزوان والقناوة عمقاً وجدانياً لا يُجادل فيه أحد.

إن رفض مشاركة السودان بهذه الحجة يعني رفض جزء لا يتجزأ من الذائقة العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج.

الفن، أيها السادة، لا يقاس بمدى التزامه بالنظريات، بل بمدى التصاقه بالروح.

إن بناء الجسور بين ثقافات العرب لا يكون بإقصاء السودان، بل بالاحتفاء بتنوعه الذي يجمع بين صفاء كردفان في صوت سالم، وروح النوبة في غناء منير، وسعة الصحراء في طبول المغرب. فلنترك للجمود مكانه في الكتب، ولنمنح الموسيقى حريتها في أن تظل نبضاً إنسانياً خفاقاً فوق كل الحواجز…

في ختام هذه الوقفة النقدية، أرفع أسمى آيات التهنئة إلى أسرة الملف الثقافي العريق، الذي يكمل اليوم مائة جمعة ومائة عدد، لأؤكد أن هذا الملف قد احتل مكانه بالإشعاع والريادة، وأن الثقافة، كما الموسيقى، لا تُقاس بمعادلات جامدة…

كل مائة عدد والملف الثقافي أوسع من كل اختزال، وأبقى من كل سلم نقدي ضيق.

#ملف_الهدف_الثقافي #العدد_المائة #ثقافة #إبداع #صنّاع_الذاكرة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.