في حياة الصحف أعدادٌ تتوالى، ثم تمضي كما تمضي الأيام، غير أن بعضها يتحول إلى شاهدٍ على زمنٍ بأكمله. والعدد المائة من ملف الهدف الثقافي ليس احتفاءً برقمٍ استدار على نفسه، بقدر ما هو وقفة تأمل أمام تجربةٍ وُلدت في زمنٍ لم يكن يراهن كثيرون فيه على بقاء الثقافة، فإذا بها تثبت أن الكلمة الصادقة لا تستأذن العواصف، بل تمضي في قلبها، وأن الإبداع ليس ترفًا تؤجله الأمم في أوقات المحن، وإنما هو إحدى وسائلها للدفاع عن ذاكرتها، وعن حقها في المستقبل.
حين خرج العدد الأول في مطلع أغسطس 2024، لم يكن بين أيدينا سوى إيمانٍ بأن الثقافة تستطيع أن تجمع ما فرّقته السياسة، وأن تحفظ للإنسان السوداني، وللقارئ العربي والإفريقي، مساحةً يرى فيها نفسه خارج ضجيج البنادق وصخب الشعارات. ومنذ ذلك اليوم، ظل الملف يفتح نوافذه لكل صوتٍ صادق، ولكل تجربةٍ جديرة بالحوار، ولكل فكرةٍ تستحق أن تُناقش، دون أن يسأل صاحبها عن جهته أو لونه أو موقعه، لأن الثقافة، في جوهرها، لا تعرف الحدود التي يصنعها الاختلاف، وإنما تعترف بحدود الإبداع وحدها.
وعلى امتداد مائة عدد، لم يكن ما ننجزه مجرد صفحات تُقرأ ثم تُطوى، وإنما محاولةٌ متواضعة لصناعة ذاكرةٍ ثقافية تحفظ نبض هذه المرحلة. تعاقبت الملفات المتخصصة، واتسعت الحوارات لتجمع بين المبدعين والباحثين والنقاد، وأهل الشعر والرواية والقصة، والموسيقى، والفنون التشكيلية، والدراما، والمسرح، كما انفتحت على أصوات الشباب والمرأة، والعسكريين أصحاب الأقلام، وعلى كتابٍ ومفكرين من السودان، ومن إفريقيا، ومن الوطن العربي، ليصبح الاختلاف مصدرًا للإثراء، لا سببًا للتباعد.
ولأن أي مشروعٍ ثقافي لا يصنعه اسمٌ واحد، فإن هذا المنجز هو ثمرةُ جهدٍ جماعي؛ كتّابٍ وهبوا أقلامهم للفكرة، ومحررين آمنوا بأن الدقة احترامٌ للقارئ، وفنانين منحوا النصوص أجنحةً من الجمال، وقراءٍ تابعوا، وناقشوا، وانتقدوا، وصوّبوا، وشركاء في التوزيع والنشر حملوا هذا الملف من يدٍ إلى يد، حتى غدا مساحةً يلتقي عندها المختلفون على مائدة الكلمة.
وفي مسيرةٍ كهذه، لا يكون الوفاء ترفًا، بل جزءًا من أخلاق الثقافة. لذلك نستقبل العدد المائة وقلوبنا عامرةٌ بالامتنان لرفاقٍ ساروا معنا في البدايات، وأسهموا في أن يشتد عود هذا المشروع، ثم اختارهم الله إلى جواره. نستذكر الشاعر الدكتور يوسف مكي، والشاعر والمصمم والمخرج ياسر عوض، والدكتور القاص المبدع معاوية الشفيع، والمهندس طارق ميرغني. لم تنقطع صلتهم بهذا الملف برحيلهم؛ فما يزرعه المبدعون في الوجدان لا تدركه يد الفناء. نسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدموه للكلمة والثقافة نورًا يسبقهم إلى جناته.
إن المائة ليست خاتمة الطريق، وإنما امتحانٌ جديد لما تبقى منه. فكل عددٍ قادم ينبغي أن يكون أصدق من سابقه، وأكثر قدرةً على مساءلة الواقع، وأشد وفاءً للحقيقة، وأعمق انحيازًا للجمال، لأن الثقافة التي لا تجدد أسئلتها، تفقد حقها في أن تصنع المستقبل.
ولذلك فإننا، ونحن نفتتح المائة الثانية، لا نقدم وعدًا بالاكتمال، فالكمال ليس من صفات الأعمال البشرية، وإنما نجدد عهدًا بأن يبقى ملف الهدف الثقافي بيتًا مفتوحًا للفكر الحر، والإبداع الأصيل، والحوار المسؤول، ومنبرًا يؤمن بأن الأمم لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما بما تكتبه عقولها، وتحفظه ذاكرتها، وتورثه لأبنائها من قيم المعرفة والجمال.
هذه المائة ليست ملكًا لهيئة التحرير وحدها، وإنما هي ملكٌ لكل من آمن بأن للكلمة رسالة، وللثقافة دورًا، وللوطن مستقبلًا يستحق أن يُكتب.
#ملف_الهدف_الثقافي #الهدف_الثقافي #الهدف #الثقافة_السودانية #الصحافة_الثقافية #السودان

Leave a Reply