طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
تحميل ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ اﻟﺒﻌﺚ – اﻟﺒﺎب اﻻول- الإيمان 1943
ليست كل الكتب تبدأ من النقطة التي تبدأ منها حقاً، فهناك كتب تبدأ بمقدماتها، وأخرى تبدأ بعناوينها، أما الكتب التي تحمل مشروعاً حضارياً فإنها تبدأ من السؤال الذي يحدد مصيرها كله. ومن هنا تبدو أهمية البداية التي اختارها الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لكتابه في سبيل البعث، حيث افتتح بفصل عهد البطولة، ليكون المدخل المؤسس لفلسفة النهضة، والذي يسبق حديثه عن الإيمان وغيره من الأسس التي يقوم عليها المشروع النهضوي. والذي جاء بعنوان بسيط هو: (الإيمان).
وللوهلة الأولى قد يتصور القارئ أنه أمام حديث عن الإيمان بمعناه الديني أو الوجداني، لكنه سرعان ما يكتشف أنه أمام مفهوم مختلف تماماً؛ فالإيمان عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق ليس عقيدة مذهبية، ولا حالة وجدانية عابرة، وإنما هو القانون الداخلي الذي يمنح الإنسان القدرة على العمل، ويمنح الأمة القدرة على صناعة التاريخ. ولذلك جاءت عبارته الأولى حاسمة: (إن الأساس الخالد لعملنا، الأساس الذي لا يتبدل ولا يُستغنى عنه هو الإيمان). إنها ليست جملة افتتاحية، وإنما إعلان فلسفي يضع حجر الأساس لكل المشروع النهضوي.
الإيمان، قانون الحياة لا شعار السياسة: يلفت النظر أن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق يدرك منذ البداية أن بعض الناس قد يستغربون حديثه عن الإيمان، فيسارع إلى القول إن الحياة الإنسانية كلها قامت عليه منذ نشأتها. وهنا ينتقل بالإيمان من دائرة الحزب إلى دائرة الوجود. فالإيمان ليس اختراعاً سياسياً. وليس شعاراً تنظيمياً. وليس برنامجاً حزبياً. بل هو القانون الذي يجعل الإنسان قادراً على تجاوز غرائزه المباشرة، وعلى أن يعمل من أجل غاية أكبر من مصلحته الشخصية.
ولهذا فإن الإيمان عنده ليس مرحلة من مراحل النضال، بل هو شرط وجود النضال نفسه. فالأمم لا تتحرك لأنها تمتلك القوة، وإنما لأنها تؤمن بأن هناك ما يستحق أن تُبذل القوة من أجله.
لماذا يضع الإيمان فوق الدولة؟: من أكثر المقاطع إثارة للتأمل في هذا النص قوله: (ولو أعطونا ملك الأرض، ولو أعطونا الدولة العربية التي تتحقق فيها أهداف البعث… وقالوا إن الإيمان سيكون مفقوداً… لقلنا إننا نفضل أن نبقى أمة مجزأة، مستعمرة، مستغلة، مظلومة، مستبعدة، حتى نصل من خلال الآلام… إلى اكتشاف حقيقتنا الإنسانية). قد تبدو العبارة صادمة لأول وهلة، لكنها تكشف عن واحدة من أعمق الرؤى في الفكر السياسي العربي.
فالرجل لا يقلل من قيمة الدولة، ولا من قيمة الوحدة، ولا من قيمة التحرر، لكنه يقول إن كل هذه الإنجازات تصبح فارغة إذا جاءت على حساب الروح التي صنعتها. إن الدولة ليست الغاية الأخيرة، وإنما هي ثمرة. أما الجذر الحقيقي فهو الإنسان المؤمن برسالته. فالنهضة التي تُفرض من الخارج قد تنتج دولة، لكنها لا تنتج أمة. أما الإيمان فإنه يصنع الإنسان الذي يستطيع أن يبني الدولة ويحميها ويمنحها معناها. ولهذا فإن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق يضع القيمة الأخلاقية فوق القيمة السياسية، لأن السياسة عنده وسيلة، أما الإيمان فهو الأصل.
اكتشاف الإنسان قبل اكتشاف الأمة: من أجمل ما في النص أن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا يقول إن الألم يقود إلى اكتشاف الأمة، وإنما يقول إنه يقود إلى اكتشاف حقيقتنا الإنسانية. وهنا يتجاوز الخطاب السياسي إلى مستوى فلسفي أرحب. فالإنسان لا يُعرف في لحظات الراحة، وإنما يُعرف حين يُمتحن. والأمم كذلك. فالمحن ليست مجرد خسائر، بل لحظات تكشف ما إذا كانت الشعوب تحمل في داخلها ما يكفي من الإيمان لتستمر. ولذلك لا يصبح الألم قيمة في ذاته، وإنما يصبح طريقاً لاكتشاف الإنسان الكامن في داخل الإنسان. وهذه رؤية تجعل النهضة رحلة أخلاقية قبل أن تكون مشروعاً سياسياً.
الشباب، حين يصبح التجرد مشروعاً حضارياً: لا يتحدث الأستاذ أحمد ميشيل عفلق عن الشباب لأنهم أصغر سناً، وإنما لأنهم النموذج الذي رأى فيه الإيمان متجسداً في الواقع. فهو يصفهم بأنهم كانوا أبعد ما يكونون عن السياسة بمعناها الضيق، لكنهم جسدوا شيئاً أعمق: (مثلوا الفناء والتجرد وإنكار الذات أمام الفكرة وأمام صوت الحق وآلام الشعب). إنها ليست أوصافاً أخلاقية عابرة، بل فلسفة كاملة في العمل العام. فالأمم لا تنهض حين يتنافس أبناؤها على المكاسب، وإنما حين يتنافسون على مقدار ما يستطيع كل واحد منهم أن يقدمه. ولهذا يتحول التجرد من فضيلة شخصية إلى شرط تاريخي لبناء الأمم. فالأنانية تبني المصالح. أما التجرد فيبني الحضارات.
بين المبدأ بوصفه روحاً والمبدأ بوصفه فكرة: من أكثر الأفكار عمقاً في النص تمييز الأستاذ أحمد ميشيل عفلق بين المبدأ كروح والمبدأ كذهن. فالأفكار يمكن أن تُحفظ. والمناهج يمكن أن تُدرس. والبرامج يمكن أن تُكتب. لكن كل ذلك لا يصنع نهضة إذا بقي خارج الإنسان. ولهذا يرفض أن يتحول المبدأ إلى تعبير ذهني جامد. إنه يريد للفكرة أن تصبح حياة. فالفرق بين أمة تعرف مبادئها، وأمة تعيش مبادئها، هو الفرق بين المعرفة والإيمان.
هل يكفي العلم وحده؟: قد يظن البعض أن حديث الأستاذ أحمد ميشيل عفلق عن الإيمان يعني التقليل من قيمة العقل والعلم، لكن النص يقول العكس تماماً. فهو يؤكد أن التعبيرات الذهنية تحتاج إلى دراسة وبحث وتجربة والاستفادة من خبرات الأمم الأخرى ومن نتائج البحث العلمي. إذن هو لا يعارض العلم. ولا ينتقص من قيمة الفكر. لكنه يقرر أن هذه كلها تحتاج إلى شيء يحفظ اتجاهها. ولهذا يختم النص بفكرته البليغة: (هذه الروح العضوية التي تغذيها التجارب ويمثلها الفكر والبحث، ولكن لا توجدها التجارب ولا العلم ولا الفكر… هذا هو المقياس وكلمة السر). وهنا يبلغ النص ذروته الفلسفية. فالعلم ينتج الوسائل. أما الإيمان فيحدد الغايات. والفكر يرسم الطريق. أما الإيمان فيمنح القدرة على السير فيه.
ماذا يقول هذا النص لعالم اليوم؟: إذا كان الأستاذ أحمد ميشيل عفلق قد كتب هذه الكلمات في منتصف القرن العشرين(1943م)، فإنها تبدو اليوم أكثر راهنية. لقد أصبح العالم يمتلك معرفة لا حدود لها، لكنه يعاني في الوقت نفسه من أزمة معنى. تتقدم التقنيات بسرعة مذهلة، بينما تتراجع الثقة، ويزداد الشعور بالوحدة، وتضعف الروابط الإنسانية. إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل مليارات البيانات، لكنه لا يستطيع أن يؤمن برسالة. والخوارزميات تستطيع أن تقترح القرار، لكنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان سبباً أخلاقياً لاتخاذه. وهنا يستعيد نص الأستاذ أحمد ميشيل عفلق أهميته، لأنه يذكرنا بأن النهضة ليست تراكم معلومات، وإنما بناء إنسان يحمل في داخله ما سماه (كلمة السر).
خاتمة: ليس الإيمان عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق شعاراً سياسياً، ولا مفهوماً دينياً بالمعنى الضيق، بل هو الفكرة التي أراد أن يجعلها أساس النهضة العربية كلها. فهو لا يبدأ بالدولة لأن الدولة قد تقوم ثم تسقط، ولا يبدأ بالقوة لأن القوة قد تُهزم، ولا يبدأ بالسلطة لأنها تتغير، وإنما يبدأ بالإنسان، لأن كل مشروع تاريخي لا يعيش إلا بمقدار ما يحمله الإنسان من إيمان بقضيته.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية لهذا النص لا تكمن في أنه كُتب في زمن معين، بل في أنه يضع أمام كل جيل السؤال نفسه: هل تمتلك الأمة من الإيمان ما يكفي لتصنع مستقبلها، أم أنها تكتفي بامتلاك الأفكار دون أن تتحول هذه الأفكار إلى حياة؟
ولعل هذا هو السر الذي أراد الأستاذ أحمد ميشيل عفلق أن يتركه للأجيال: أن الأمم لا تنهض عندما تملك كل شيء، بل عندما تمتلك الإنسان الذي يؤمن بما يفعل، ويعمل بما يؤمن، ويجعل من إيمانه قوة أخلاقية قادرة على تحويل التاريخ من واقع يُفرض عليه، إلى مستقبل يصنعه بيديه.

Leave a Reply