م: عادل أحمد محمد
تتعدد صور المأساة في بلادنا، وتتداخل فصولها بين رصاص الغدر الذي يغ.تال الطموح في مهده، وبين رحلة النزوح القاسية التي تقتلع الإنسان من جذوره، لتترك الجميع في مهب الريح، الأطفال والنساء والشيوخ والشباب.
الح.رب، حين تغ.تال رصاصات الغدر أحلام الشباب
لم تكن الح.رب مجرد معارك عسكرية على الأرض، بل كانت مقصلة للحلم. لقد فقدنا أجيالاً من الشباب الذين كانوا يمثلون عماد المستقبل، سقطوا برصاص طائش وغادر لم يفرق بين مق.اتل ومدني. هؤلاء الشباب، الذين كانوا يحملون طموحات بناء الوطن وتطويره، تحولت أجسادهم إلى أرقام في قوائم الضحايا، تاركين خلفهم عائلات مكلومة وبيوتاً خيم عليها الحزن الأبدي. الغدر هنا ليس فقط في نوعية السلاح المستخدم، بل في العبثية التي تنهي حياة إنسان لم يجنِ شيئاً سوى أنه وجد نفسه في طريق قذيفة أو رصاصة لا تعرف الرحمة.
النزوح، رحلة البحث عن وطن بديل
وإذا نجا الشاب من الرصاص، فإنه يواجه رصاصاً من نوع آخر، رصاص النزوح الذي يمزق النسيج الاجتماعي. المأساة تتجلى في قوافل النازحين الذين تركوا كل ما يملكون خلفهم، بحثاً عن أمانٍ مفقود. النزوح ليس مجرد انتقال مكاني، بل هو موت بطيء للذاكرة والارتباط بالمكان. في هذه الرحلات، يفقد الشباب سنوات عمرهم في خيام اللجوء أو في زوايا المدن البعيدة، حيث يتلاشى الأمل، وتتحول القدرات والمهارات التي اكتسبوها عبر سنوات التعليم إلى طاقة مهدرة في انتظار فرج بعيد المنال.
رحيل الحكامة، حين تستهدف الح.رب صوت السلام
في قلب هذه المأساة السودانية، فقدنا قامات كانت تضيء عتمة الصراعات، ولعل أكثرها إيلاماً هو رحيل الفنانة والمناضلة شادن محمد حسين، المعروفة بالحكامة أو شادن قردود، التي كانت تجسد روح التراث الكردفاني الأصيل. إن شادن، التي عُرفت بلقب الحكامة، لم تكن مجرد فنانة، بل كانت حكيمة مجتمعية تسعى لنبذ العنف وتضميد جراح النسيج الاجتماعي بكلماتها وأغانيها التي تحتفي بالسلام.
إن اغت.يالها بقذيفة طائشة وشظايا سقطت على منزلها في حي الهاشماب بمدينة أم درمان ليس مجرد حادث عابر في سجل الضحايا، بل هو استهداف مباشر لصوت الحكمة والجمال في بلادنا. لقد كانت شادن رمزاً للشباب الذي يحلم بوطن يعلو فيه صوت الفن على صوت الرصاص، لكن الغدر طالها كما طال الكثيرين غيرها، لتصبح ذكراها شاهداً على قسوة هذه الح.رب التي لا تفرق بين المبدع والمق.اتل، ولا بين الحكامة والمدني الأعزل. إن رحيل شادن قردود يذكرنا بأننا في هذه الح.رب لم نفقد أرواحاً فحسب، بل فقدنا هوية ثقافية كانت تحاول حماية المجتمع من التمزق، وهو جرح إضافي في جسد الوطن الذي نزف الكثير من أبنائه وبناته.
الفئات الأكثر هشاشة، الأطفال والنساء والشيوخ
تتسع دائرة المأساة لتشمل من لا يملكون حولاً ولا قوة:
الأطفال الذين سرقت الح.رب براءتهم، وحرمتهم من مقاعد الدراسة، ليعيشوا صدمات نفسية سترافقهم طويلاً.
النساء اللواتي يتحملن عبء الفقد والنزوح، ويواجهن التحديات الاقتصادية والاجتماعية في ظروف انعدام أدنى مقومات الحياة.
الشيوخ الذين قضوا أعمارهم في بناء منازلهم، ليجدوا أنفسهم في لحظات أخيرة من حياتهم يغادرون ديارهم قسراً، حاملين ذكرياتهم في حقائب لا تكاد تحتوي شيئاً.
خاتمة، جرح لا يندمل
إن الح.رب الغادرة لم تستهدف الجغرافيا فحسب، بل استهدفت الإنسان في أسمى معانيه. إنها المأساة التي تجعلنا نتساءل، متى يتوقف نزيف هذا الوطن؟ إن فقدان الشباب، وتشريد العائلات، وقتل البراءة، كلها جروح غائرة لن تندمل بانتهاء المدافع، بل ستبقى شواهد على مرحلة قاسية من تاريخنا الذي دفع ضريبته الأبرياء من كل الفئات.

Leave a Reply