طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليست كل النصوص تُقرأ من ظاهرها، فهناك نصوص تبدو للوهلة الأولى وكأنها تتحدث عن الاقتصاد، بينما هي في حقيقتها تتحدث عن الإنسان. وهذا ما ينطبق على (ثروة الحياة)، في كتاب في سبيل البعث. فمن يقرأه قراءة عابرة قد يظنه دفاعاً عن الاشتراكية، أما من يتأمله بعمق فسيدرك أن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لم يكن يناقش نظرية اقتصادية بقدر ما كان يعيد تعريف معنى الحياة نفسها.
لقد كتب هذا النص عام 1936، في زمن كانت فيه الاشتراكية والرأسمالية تتصارعان حول ملكية وسائل الإنتاج، لكنه تجاوز هذا الجدل كله، وانتقل إلى سؤال أكثر عمقاً، ما قيمة الثروة إذا ظل الإنسان فقيراً في إنسانيته؟
وهنا تبدأ فرادة هذا النص، فهو لا ينطلق من الاقتصاد إلى الإنسان، وإنما ينطلق من الإنسان إلى الاقتصاد، ويجعل الإنسان هو الأصل، وكل ما عداه وسائل.
سوء الفهم الذي لازم الاشتراكية: يبدأ الأستاذ أحمد ميشيل عفلق باعتراف لافت، فيقول إنه يريد إزالة سوء التفاهم القائم بين الشباب الثوري وبين الشباب العربي عامة. ولم يكن يقصد سوء تفاهم سياسياً، بل سوء فهم فلسفياً. فقد كانت الاشتراكية تُقدَّم بوصفها مشروعاً لتوزيع الثروة، بينما كان يرى أنها مشروع لتحرير الإنسان.
ولهذا يرفض أن تُختزل الاشتراكية في تحسين مستوى المعيشة، أو في إعادة توزيع الأموال، لأن ذلك لا يمس جوهر الأزمة الإنسانية. فالإنسان قد يمتلك المال ويظل فقيراً، وقد يشبع جسده بينما تبقى روحه جائعة. إن القضية عنده ليست زيادة ثروة المجتمع، وإنما زيادة ثروة الحياة.
ما المقصود بثروة الحياة؟: هنا يبلغ النص ذروته الفلسفية عندما يقول: (إن ما أطمع منه ليس زيادة في ثروة المعامل، بل في ثروة الحياة). هذه العبارة وحدها تكفي لإعادة بناء فهم كامل للموضوع. فالثروة ليست ما نملكه، بل ما نصبح عليه. والغنى الحقيقي ليس كثرة الأشياء، بل كثرة الإنسان.
إن المجتمع قد يضاعف إنتاجه الصناعي عشر مرات، لكنه إذا لم يضاعف قدرة الإنسان على الحب والإبداع والحرية والتضحية، فإنه يبقى مجتمعاً غنياً بالأشياء وفقيراً بالحياة. ولهذا تصبح “ثروة الحياة” مفهوماً حضارياً، لا اقتصادياً، فهي تعني إطلاق الطاقات الإنسانية الكامنة، وتحويل الإنسان من مجرد مستهلك للوجود إلى صانع للوجود.
الإنسان أكبر من حاجاته: من أكثر الأفكار أصالة في هذا الموضوع أن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق يرفض اختزال الإنسان في حاجاته المادية. فهو لا ينكر أهمية الخبز، لكنه يرفض أن يتحول الخبز إلى الغاية النهائية. ولهذا يقول إنه لا ينظر إلى الجائع لأنه جائع فقط، وإنما لأنه إنسان تعطلت طاقاته، وحُرم من فرصة أن يمنح الحياة أفضل ما عنده. وهنا يختلف جذرياً عن كثير من القراءات الاقتصادية التي تنظر إلى الإنسان باعتباره كائناً استهلاكياً. فالإنسان عنده ليس معدة تحتاج إلى الطعام، بل روح تحتاج إلى أن تحقق رسالتها. إن الجوع مأساة، لكن المأساة الأكبر هي أن يموت الإبداع داخل الإنسان، وأن تبقى مواهبه مدفونة تحت ضغط الحاجة أو القهر أو الفقر أو الاستبداد.
الاشتراكية بوصفها تحريراً للإنسان: في هذا النص لا يقدم الأستاذ أحمد ميشيل عفلق تعريفاً تقليدياً للاشتراكية، بل يقدم تعريفاً وجودياً لها. فهو لا يتحدث عن المصانع ولا عن فائض القيمة، وإنما عن تحرير القوى الكامنة في الإنسان. فالاشتراكية، في نظره، ليست مشروعاً لمصادرة الثروة، وإنما مشروع لتحرير المواهب، وفتح أبواب العمل والإبداع أمام الجميع، بحيث لا تُهدر قدرات البشر بسبب الفقر أو الاحتكار أو الظلم.
ولهذا تصبح العدالة الاجتماعية ليست مجرد عدالة في توزيع الدخل، بل عدالة في توزيع الفرص، وعدالة في إطلاق الإمكانات الإنسانية. إن المجتمع الذي يسمح لكل فرد بأن يحقق أفضل ما فيه، هو المجتمع الذي يحقق المعنى الحقيقي للاشتراكية كما تصورها الأستاذ أحمد ميشيل عفلق.
نقد الحضارة المادية: لا يوجه النص نقده إلى الرأسمالية بوصفها نظاماً اقتصادياً فحسب، بل إلى الحضارة التي تجعل قيمة الإنسان فيما يملك لا فيما يبدع. إن الإنسان الحديث، في كثير من الأحيان، يقيس نجاحه بحجم دخله، وعدد ممتلكاته، واستهلاكه، بينما يقيس الأستاذ أحمد ميشيل عفلق النجاح بقدرة الإنسان على أن يضيف شيئاً إلى الحياة. فالفرق كبير بين مجتمع ينتج السلع، ومجتمع ينتج الإنسان. وقد يكون المجتمع الأول أكثر ثراءً، لكنه ليس بالضرورة أكثر حضارة.
الحياة في مواجهة الموت: من أجمل الثنائيات التي يقوم عليها النص ثنائية الحياة والموت. لكنه لا يقصد الموت البيولوجي، وإنما الموت الحضاري. فالموت الحقيقي هو أن تتحول الحياة إلى روتين بلا رسالة، والعمل إلى وسيلة للبقاء فقط، والإنسان إلى آلة إنتاج أو استهلاك. ولهذا يختم النص بقوله إن الاشتراكية هي: (دين الحياة، وظفر الحياة على الموت). إنه لا يتحدث عن انتصار حزب على حزب، ولا عن طبقة على طبقة، وإنما عن انتصار الإنسان على كل ما يعطل إنسانيته.
من مصانع الحديد إلى مصانع الإنسان: ربما كان العالم الذي عاش فيه الأستاذ أحمد ميشيل عفلق مختلفاً عن عالمنا، لكن السؤال الذي طرحه أصبح اليوم أكثر إلحاحاً. فنحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، والاقتصاد المعرفي، حيث لم تعد الثروة تقاس بما في باطن الأرض، بل بما في عقول البشر. وفي هذا العالم، تبدو فكرة “ثروة الحياة” أكثر معاصرة من أي وقت مضى. فالدول التي تتصدر العالم اليوم ليست تلك التي تملك أكبر المناجم، وإنما تلك التي استطاعت أن تطلق طاقات الإنسان في البحث العلمي، والابتكار، والإبداع، وريادة الأعمال. لقد تغير شكل الاقتصاد، لكن الإنسان بقي هو الثروة الحقيقية.
بين اقتصاد الأشياء واقتصاد الإنسان: إن أهم ما يقدمه هذا الفصل هو أنه ينقلنا من اقتصاد الأشياء إلى اقتصاد الإنسان. فالاستثمار الحقيقي ليس في الإسمنت والحديد وحدهما، ولا في البنوك والأسواق وحدها، وإنما في بناء الإنسان القادر على التفكير، والإبداع، والعمل، والإنتاج. ومن هنا تصبح المدرسة، والجامعة، والثقافة، والبحث العلمي، والحرية، والعدالة الاجتماعية، كلها أدوات لإنتاج (ثروة الحياة). إن الأمة التي تهمل الإنسان، مهما راكمت من الثروات، ستبقى فقيرة. أما الأمة التي تطلق إنسانها، فإنها تستطيع أن تصنع الثروة حتى لو بدأت من الصفر.
خاتمة: إن ثروة الحياة، ليس دفاعاً عن الاشتراكية بالمعنى الاقتصادي الضيق، ولا هو جدل بين الرأسمالية والاشتراكية كما كان سائداً في ثلاثينيات القرن الماضي، بل هو دعوة لإعادة اكتشاف الإنسان بوصفه أعظم ثروة في الوجود. لقد أراد الأستاذ أحمد ميشيل عفلق أن يقول إن النهضة لا تُقاس بعدد المصانع، بل بعدد البشر الذين استطاع المجتمع أن يحرر مواهبهم، ولا بحجم الدخل القومي، بل بحجم الحياة التي يعيشها الإنسان في داخله. ولهذا فإن المجتمع الذي ينجح في إطلاق طاقات الإنسان، ويجعل الحرية والإبداع والعمل والإيمان بالحياة قيماً يومية، هو المجتمع الذي يحقق ثروة الحياة حقاً. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذي يقدمه هذا النص بعد ما يقارب تسعين عاماً من كتابته: إن الثروة الحقيقية ليست ما تملكه الأمة من موارد، بل ما تطلقه من إنسان. فالاقتصاد قد يبني المصانع، لكن الإنسان وحده هو الذي يبني الحضارات.

Leave a Reply