الطباشير الحزين: مأساة المعلم السوداني واغ.تيال المستقبل

صحيفة الهدف

بقلم : عادل أحمد محمد

حين يسقط المعلم، لا يسقط فرد واحد في منظومة الوظيفة العامة، بل تسقط الأمة بأسرها. وفي السودان اليوم، لا تدور الح.رب فقط بالرصاص والمدافع في جبهات الق.تال، بل هناك ح.رب أخرى صامتة، تُشنُّ بلا ضجيج على عقول جيل كامل، وضحيتها الأولى هو ذلك الإنسان الذي حمل رسالة الأنبياء، فكافأته البلاد بالإهمال، والفقر، والنسيان: المعلم السوداني.

تختزل تلك الصورة المأساوية لوثيقة الاستقالة المعلقة على السبورة الانهيار الأخلاقي والبنيوي للدولة. معلم يملك من الشجاعة والكبرياء ما يجعله يكتب: أقدم استقالتي احتراماً لنفسي؛ عبارة تلخص الوجع كله. لقد وصل المعلم السوداني إلى مرحلة أدرك فيها أن بقاءه في منظومة تعليمية منهارة لم يعد تضحية وطنية، بل أصبح نوعاً من الهوان الذي ترفضه كرامته الإنسانية.

لقد جرى اغت.يال مكانة المعلم بدم بارد على مدى عقود، وتوجت الح.رب الحالية هذه الج.ريمة. فبينما تتصارع النخب على كراسي السلطة والغنائم، يجد مربي الأجيال نفسه بلا راتب لشهور طويلة، مطروداً من منزله بفعل القصف، نازحاً في مراكز الإيواء، أو لاجئاً يبحث عن لقمة عيش تسد رمق أطفاله. تحول صانع العقول إلى باحث عن الإغاثة، وتحولت يده التي كانت تبني قادة المستقبل إلى يد تقلب الطوب أو تبيع البضائع البسيطة في قارعة الطريق لتأمين ثمن الخبز والدواء.

إن مأساة التعليم في السودان ليست مجرد مبانٍ قُصفت أو مدارس تحولت إلى ثكنات عسكرية ومراكز نزوح، بل هي مأساة الإنسان الذي يدير هذه العملية. وحين يضطر معلم يكسو الشيب رأسه ويحمل وقار السنين إلى التنازل عن طبشورته هرباً من واقع يؤلمه، فإن الرسالة الحقيقية التي تصلنا هي أن فكرة الدولة أصبحت تلفظ أنفاسها الأخيرة. فالدول لا تبنى ببنادق المليشيات ولا بوعود الساسة في الفنادق، بل تبنى في تلك الفصول الدراسية البسيطة، وعلى أيدي هؤلاء الرجال والنساء الذين يصنعون وعي المجتمع.

إن سياسة إفقار المعلم وتهميشه وإذلاله المعيشي هي التعبير الأكثر فجاجة عن جمهورية الخراب؛ حيث يصبح الجهل بضاعة رائجة، وتصبح البندقية أعلى صوتاً وقيمة من القلم. النخب المتصارعة صمت آذانها عن صرخات الجوع الصادرة من بيوت المعلمين، واكتشفت أن سحق التعليم هو الضمان الأكبر لاستمرار قطيع الجهل الذي يغذي معاركها العدمية.

لكن، وبرغم قسوة هذه الاستقالة المكتوبة على سبورة سوداء، سيبقى كبرياء هذا المعلم السوداني، الذي فضّل الجوع على إهانة كرامته، وصمة عار تلاحق كل من تسبب في هذا الانهيار، وشاهد عيان على جيل كامل من النخب أهدر أثمن ما تملكه الأمة: عقول أبنائها.

إن استعادة السودان لن تبدأ من طاولات المفاوضات، بل ستبدأ عندما يعود لهذا المعلم وقاره، وتُردُّ له كرامته، وعندما يصبح القلم والطبشور في بلادنا أقدس وأقوى من البندقية والخراب.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.