شعرية الأثر والغياب في تجربة الشاعرة نجلاء البحيري

صحيفة الهدف

عمرو العنتبلي
كاتب وناقد من مصر

بين انقسام الذات واستحالة امتلاك الجمال، تأتي قصائد الشاعرة ضمن سياق شعري معاصر يعيد النظر في علاقة الإنسان بالعالم، وبذاته، وباللغة التي يحاول من خلالها أن يعرّف وجوده.

إنها كتابة لا تنطلق من الأشياء في صورتها الخارجية، ولا تتعامل مع التجربة الإنسانية باعتبارها حالة مكتملة يمكن الإمساك بها عبر وصف مباشر، وإنما تدخل إلى الطبقات العميقة التي تتحرك تحت سطح الوجود؛ حيث الأسئلة المؤجلة، والهوية المتحولة، والرغبات المتعارضة، والآثار التي تبقى بعد رحيل الأشياء.

إن النص الشعري عند الشاعرة يتحرك داخل منطقة دقيقة بين الحضور والاختفاء. فالأشياء في عالمها الشعري لا تظهر باعتبارها كائنات مستقرة ذات معنى نهائي، وإنما بوصفها علامات مفتوحة على احتمالات متعددة.

الاسم يحمل أزمة الهوية، الجسد يصبح مساحة لانقسام الروح، الفكرة تتحول إلى كائن عابر لا يعرف صاحبه، والفراشة تتحول من صورة للجمال إلى سؤال فلسفي عن الحرية والامتلاك والفقد.

تكتب نجلاء البحيري الإنسان في لحظة مواجهته الداخلية، حين يكتشف أن ذاته ليست وحدة بسيطة مغلقة، وإنما فضاء تتجاور داخله أصوات متعددة، وأن ما يظنه ثابتاً يحمل في داخله حركة خفية لا تتوقف.

لذلك فإن قصائدها لا تبحث عن تعريف الإنسان، وإنما تكشف هشاشة التعريفات التي حاول الإنسان عبر التاريخ أن يضع نفسه داخلها. إن العلامات الشعرية عندها لا تؤدي وظيفة الإشارة إلى شيء خارجي فقط، وإنما تصبح كياناً نابضاً يحمل توتره الخاص.

فالاسم ليس مجرد لفظ، وإنما أزمة وجودية. والفراشة ليست مجرد كائن طبيعي، وإنما رمز لكل ما يرفض التحول إلى ملكية. واليد ليست أداة حسية فقط، وإنما تمثيل للرغبة الإنسانية في الاحتفاظ بما يخشى فقده.

كما تقوم التجربة الشعرية عندها على فكرة مركزية، وهي أن الإنسان يعيش دائماً في مواجهة ما يفلت منه؛ يفلت منه اكتمال ذاته، ووضوح هويته، وثبات الأشياء التي يحبها، لذلك يصبح الشعر محاولة للإنصات إلى هذا الإفلات، ومحاولة لفهم المعنى الذي يولد من المسافة بين الرغبة والغياب.

في قصيدة “أثر قدمين”، تقدم الشاعرة صورة للذات المنقسمة، الذات التي تحمل أكثر من اتجاه، وتسير بين قوة تدفعها إلى التحليق وقوة تعيدها إلى الأرض. أما قصيدة “الفراشة” فتنتقل الشاعرة إلى علاقة الإنسان بالجمال، حيث يتحول فعل الاقتراب إلى سؤال أخلاقي حول حدود التملك، وحول الفرق بين الحب الذي يمنح الحرية والحب الذي يحاول الاحتفاظ.

تلتقي القصيدتان في عمق واحد؛ الإنسان كائن يبحث عن الثبات داخل عالم متغير، ويحاول الإمساك بما لا يقبل الإمساك. ومن هنا تأتي قيمة التجربة الشعرية؛ لأنها لا تقدم إجابات جاهزة، وإنما تكشف المساحات الخفية التي يعيش فيها الإنسان قبل أن يصل إلى أي إجابة.

سيمياء الأشياء والفكرة واللغة في القصيدة

تبدأ القصيدة بقول الشاعرة: “كان أحَدي يمشي أعلى من اسمه،/ كأن الاسم لا يملك قرار البقاء في مكانه.”

منذ السطر الأول تتأسس الأزمة المركزية للنص، وهي أزمة العلاقة بين الإنسان وعلامته الأولى. فالاسم في الوعي الإنساني ليس مجرد مجموعة أصوات، وإنما هو وعاء للهوية، وعلامة تشير إلى حضور الشخص وتميزه عن الآخرين. غير أن الشاعرة تقلب هذه الوظيفة المعتادة، فتجعل الاسم نفسه في حالة اضطراب. إن الإنسان هنا أكبر من اسمه، وأوسع من العلامة التي تختصره. هناك دائماً مساحة داخلية لا تستطيع الكلمات أن تحتويها، وجزء من الكائن يظل خارج كل تعريف.

هذه الرؤية تحمل بعداً سيميائياً عميقاً؛ لأن الشاعرة تكشف الفجوة بين الدال والمدلول. فالاسم بوصفه دالاً يحاول أن يثبت معنى صاحبه، غير أن الذات الإنسانية بما تحمله من تغير وتجربة وذاكرة تظل متجاوزة لهذا التثبيت. الاسم يريد السكون، بينما الإنسان يعيش الحركة. ومن هنا تصبح عبارة “يمشي أعلى من اسمه” صورة شعرية كثيفة؛ فالإنسان لا يسير داخل العلامة، وإنما يتجاوزها.

ثم تقول: “والآخر…/ يثبّت الأرض في قدميه/ كلما ارتجفت احتمالاتي،/ كأنه يمنعني من الانفلات أكثر مما ينبغي.”

يظهر هنا عنصر جديد داخل البناء الشعري وهو “الآخر”، غير أن هذا الآخر لا يبدو مجرد شخصية مقابلة للمتكلم، وإنما جزءاً داخلياً من تكوين الذات. إنه يمثل القوة التي تحاول حفظ التوازن أمام اندفاع الاحتمالات. فالشاعرة هنا لا تقدم هذا الانقسام باعتباره صراعاً بين طرفين منفصلين، وإنما باعتباره حالة وجودية يعيشها الإنسان في داخله.

وتصل القصيدة إلى واحدة من أعمق صورها: “لا مسافة بيننا،/ بل انقسام في طريقة حمل الجسد نفسه.”

هذه الصورة تمثل جوهر التجربة كلها. فالجسد هنا يتحول إلى علامة فلسفية؛ إنه يحمل آثار الروح، ويكشف الصراع الذي لا يظهر خارجياً. الجسد الواحد يحمل اتجاهين، وخطوتين، وطريقتين في مواجهة العالم. إنها صورة للإنسان الحديث الذي لم يعد يعيش انسجاماً كاملاً مع ذاته.

الأشياء والفكرة واللغة حين يفقد العالم يقينه

بعد أن أسست القصيدة أزمة الهوية، تنتقل إلى مستوى أكثر عمقاً؛ مستوى العلاقة بين الذات والعالم الخارجي. تقول الشاعرة: “أرفع الأشياء حتى تكاد تفقد ثقلها،/ وأعيدها إلى مكانها كمن يجرّب إن كانت ما زالت موجودة.”

تبدو الصورة في ظاهرها بسيطة، غير أن البعد العميق فيها يكشف عن تجربة وجودية؛ فالحركة الجسدية تتحول إلى فعل معرفي. إن الإنسان لا يقف أمام أشياء مكتملة، وإنما أمام علامات تنتظر التأويل. وكل شيء يمكن أن يتحول فجأة من مألوف إلى غامض، ومن يقين إلى احتمال.

ثم تنتقل القصيدة من الأشياء إلى الأفكار: “الفكرة التي تعبرني/ تتوقف في المنتصف/ كأنها لا تعرف أيّنا يحق له أن يُكمِلها.”

الفكرة لا تسكن الإنسان، وإنما تمر خلاله. إنها كائن عابر له مساره الخاص. والذات لا تبدو صاحبة سلطة مطلقة عليها، وإنما فضاء تستقر فيه لحظة ثم تواصل طريقها. وتأتي اللغة في القصيدة بوصفها مجالاً للصراع: “حتى اللغة…/ تتسع في جهة/ وتنكمش في جهة أخرى،/ وأبقى بينهما/ كجملة لم تُحسم علامتها بعد.”

إن اختيار صورة “الجملة التي لم تُحسم علامتها” يكشف وعياً عميقاً بأن الإنسان نفسه نص مفتوح، وتختتم القصيدة: “وفي الداخل…/ لا جهة واحدة تقودني،/ بل أثر قدمين/ لا تتفقان على صاحب واحد.”

قصيدة الفراشة وسيمياء الجمال العابر

إذا كانت القصيدة الأولى تنشغل بسؤال “من أنا؟”، فإن القصيدة الثانية تنتقل إلى سؤال آخر: “كيف أتعامل مع ما أحب؟”

تبدأ القصيدة: “أيتها الفراشة… لا أراكِ تدخلين الزهرة، لكنها تميل قليلاً بعدك، كأنها تذكّرت فجأة أنها كانت خفيفةً بما يكفي للطيران.”

تختار الشاعرة الفراشة مركزاً رمزياً للنص؛ بوصفها رمزاً للتحول والرقة والجمال الذي لا يستقر. المفارقة هنا أن الكائن الأكثر خفة يستطيع أن يوقظ إحساساً بالحركة لدى كائن ثابت. ثم تصل القصيدة إلى نقطة التحول: “لكنني… نسيتُ أن الخفة لا تُمسك. مددتُ يدي.”

هذه اللحظة تمثل جوهر المأساة الإنسانية؛ فالإنسان يحاول تثبيت لحظات الجمال، غير أن بعض الأشياء تحمل شرط وجودها داخل حريتها. وتقول الشاعرة: “لم تفلتي… بل اخترتِ أن تموتي في قبضتي، بدل أن تسمحي لي بامتلاك مروركِ.”

هذه المفارقة تكشف حدود الرغبة الإنسانية؛ فالمأساة لا تأتي من القسوة، وإنما من سوء الفهم ومحاولة تحويل الحضور إلى ملكية. وما يختم التجربة هو “غبار الجناح”: “ظلّ على أصابعي غبارٌ دقيقٌ من جناحيكِ، لا يُرى، لكنه كان يثقلها أكثر من حجر.”

الغبار الدقيق يصبح أثقل من الحجر؛ لأن الثقل الحقيقي ليس ثقل المادة، وإنما ثقل الوعي والندم. إن الإنسان لا يحمل ما فقده ماديًا، وإنما يحمل المعنى الذي تركه الفقد داخله.

هنا يصبح الشعر فعل إنصات إلى ما يمرّ، وشهادة على أن الإنسان، مهما حاول تثبيت العالم حوله، يظل في النهاية أثراً يبحث عن صاحبه.

#شعر #نقد_أدبي #نجلاء_البحيري #أدب_معاصر #فلسفة #إبداع #قراءة_نقدية #قصيدة #هوية #حداثة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.