ستة خيول تمر في الليل

صحيفة الهدف

د. أشـرف مـبارك

كنا سابقاً ننام في “الحوش”. وفي كل ليلة، عندما تخفّ أصوات المارة ويهبط هدوء الليل، نسمع أصواتاً أخرى… تك تك… تك تك.. أصوات حوافر الخيل. ونبدأ نُحصي الحوافر. كنا صغاراً نعرف وقع تلك الحوافر كما نعرف أصوات أمهاتنا، فنهمس إن كنا مستيقظين: “بوليس السواري”. كانوا يمرون على خيولهم بهدوء لا يوقظ طفلاً ولا يهيج كلباً.

كانت ثلاثة، كعادتها. أمي قالت: “ستة. ثلاثة يعودون، وثلاثة يذهبون. هذا معناه أن الحلة بخير.” سألتها: “يمة لو ما مروا الليلة بيحصل شنو؟” ابتسمت أمي وقالت: “لو الناس حافظت على قلوبها نظيفة ما بتحتاج لي زول يحرسها”.

أصواتهم وهم يتحدثون إلى بعضهم صارت من علامات الليل. لم نكن نعرف أسماءهم، كنا نعرف خيولهم: لهذا وقعٌ أسرع، ولذاك صهيلٌ خفيف يشبه السعال، وللأغرّ بقعة بيضاء تُرى في العتمة كنجمة سقطت في الوحل. كنا صغاراً، نحسب أن الزمن يتسع كلما كبر القلب.

باب الدار الخشبي، باب السنط، كان يظل موارباً حتى آخر الليل ويُسدّ بخشبة صغيرة، لا لتمنع دخول أحد، بل لئلا تعلقه الريح. جارتنا فاطمة كانت تدخل صباحاً كأنها في بيتها، تشارك أمي في “عواسة الكسرة” وتهمس لها: “عيشكم بارك الله فيه.” وأمي ترد: “عيشكم منه.” كانت الكسرة تنتقل بين البيوت كالأمانة.

ما عرفنا معنى أن نطرق الباب منتظرين الإذن. كان الكبار وكنا ندفعه بركبتنا ونصيح: “السلام عليكم” أو ننادي باسم “يا فلان”، فيأتي الرد من أعماق الدار قبل أن نرى وجوههم: “حبابكم، تفضلوا.”

ذات ضحى، جلسنا تحت شجرة النيم ننتظر تمرير الكرة. كان حمد يعدّ: “واحد.. اثنين.. ثلاثة”، وصوته ينكسر كلما بلغ العاشرة. كنا نلهو حتى تبدأ تباشير منتصف النهار، ونحن نظن أن الشمس تنتظرنا. كانت الدنيا لا تريد أن تنتهي.

وفي الطريق إلى البيت، مررنا بجدار “التُمنة”. كان الشرطي الذي يعرف الناس في الحي بأسمائهم يقرأ جريدة أمام الباب، رفع رأسه وقال: “يا ولد، تأخرت اليوم.” قلت: “الكرة ضاعت.” ضحك وأخرج من جيبه أربع قروش: “اشتروا غيرها.” لم نكن نعرف اسمه، كنا نسميه “أبو الكاكي”.

في المساء، حين هبط الليل مثل غطاء ثقيل، عدنا ننتظر الحوافر. كنت أعتقد أن بوليس السواري لا ينامون أبداً، وأن خيولهم لا تعرف النوم أيضاً. سألت أبي: “هم طول الليل يلفوا؟ متين ينوموا؟” قال: “ينوموا النهار.” قلت: “يعني هم ما بعرفوا النهار؟” ضحك طويلاً وقال: “يطمئنوا القلوب.” لم أفهم يومها ما معنى أن يطمئن الإنسان على قلب غيره.

كبرت.

ذات صباح، كان المذيع يتحدث بنبرة باردة عن بيتٍ في أطراف المدينة. قال إن الباب كُسر عند الفجر. لم يقل إن في البيت أطفالاً، لكني تخيّلتهم. تخيّلت بابنا الخشبي وهو يُدفع بالقدم، لا بالتحية. صرتُ أرى في المدينة أبواباً من حديد، وأقفالاً لا تفتح إلا ببصمة، وكاميرات تحدق في المارة كأن كل عابر متهم.

مرة سألت أبي: — وين التُمنة؟ نظر إليّ كأنه يحاول أن يتأكد أني أقصدها هي، لا شيئاً آخر. قلت: — التُمنة… قدام بيت عم إدريس… قال: — أزالوها. صارت موقف سيارات. ثم سكت. كان صمته أطول من الجواب. بعد قليل سألته: — بس الخيل وين راحوا؟

لم أجد جواباً.

الليلة، في هذه الشقة التي لا يعرف جيراني صوتي، وقفتُ أمام النافذة. لا حوافر في الخارج. لا صهيل. لا أحد يمرّ. لكني سمعتهم. في وشوشة الريح، في صرير باب الجار، في نباح كلب بعيد… سمعت ستة خيول تمرّ. فتحت النافذة. كان الظلام كثيفاً. لا سواري، فقط عتمة تامة. ولوحتُ بيدي، كما كنا نفعل صغاراً، ونحن نلوح لظلال تمرّ في الليل، لا تعرف أين تذهب ولا متى تعود.

أمي قالت لي أمس: “الزمن تغيّر. لكن القلب ما تغيّر. لسه فاكر البيت المفتوح؟” قلت: “فاكر.” قالت: “إذا فتحت باب قلبك، فتحت باب الدار. كدا كنا نعيش.”

وضعت السماعة، وأنا أحاول أن أتذكر إن كنا يوماً أغلقنا الباب حقاً، أم أننا كنا نظنه مفتوحاً فقط لأننا كنا واثقين أن كل من يطرقه يحمل خيراً. ربما كان بوليس السواري يحرسوننا من الخارج، وأمهاتنا يحرسننا من الداخل، ونحن كنا نحرس أحلامنا دون أن ندري.

الليلة، سأشتري رغيفاً من الفرن. ولن أغلق الباب.

#أدب #قصة_قصيرة #ذاكرة #حنين #البيت_القديم #السودان #أشرف_مبارك #إبداع_أدبي #إنسانية #نصوص_أدبية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.