د. أحمد الليثي
بعد كل مشهدٍ مروّع من مشاهد الق.تل والتمثيل بالجثث وقطع الرؤوس التي شهدها السودان خلال السنوات الأخيرة، يعود سؤال مؤلم: كيف وصلنا إلى هنا؟
من الصعب، في أي محاولة للإجابة عن هذا السؤال، تجاوز أثر ثلاثة عقود من حكم الحركة الإسلامية وما تركته من بصمات عميقة على الثقافة السياسية والاجتماعية في السودان. فخلال سنوات الإنقاذ لم يكن العنف مجرد أداة تمارسها الدولة عند الحاجة، بل أصبح جزءًا من الخطاب العام. انتشرت لغة التعبئة والاستنفار، وتكررت مفردات الج.هاد والعدو والخيانة والتآمر، بينما تراجعت قيم الحوار والتعددية والاختلاف السلمي.
وفي ظل الح.روب المتواصلة في جنوب السودان ثم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، نشأت أجيال كاملة في بيئة اعتادت رؤية السلاح أكثر مما اعتادت رؤية السياسة. ومع مرور الوقت، لم يعد العنف حدثًا استثنائيًا، بل تحول تدريجيًا إلى جزء من المشهد المألوف. وعندما يعتاد المجتمع على مشاهد الح.رب لعقود طويلة، فإن الحدود الفاصلة بين ما هو طبيعي وما هو صادم تبدأ في التآكل.
قد تكون هناك عوامل أخرى ساهمت في تفاقم الظاهرة، لكن ذلك لا يلغي السؤال الجوهري: من الذي حكم السودان ثلاثين عامًا؟ ومن الذي أشرف على تشكيل المناهج والخطاب الإعلامي والمؤسسات الأمنية والسياسية خلال تلك الفترة؟ فمن الصعب الحديث عن ثقافة العنف في السودان المعاصر دون التوقف طويلًا عند الإرث الذي خلفته الحركة الإسلامية في الدولة والمجتمع.
لعل الخطر الأكبر لا يكمن في وقوع الجريمة نفسها، بل في اعتيادها. فالمجتمعات لا تنهار يوم يصبح فيها العنف ممكنًا، بل يوم يصبح مألوفًا. وعندما يتحول مشهد الذبح أو التمثيل بالجثث من حدث استثنائي يهز الضمير العام إلى مادة يومية تمر بلا اكتراث، فذلك مؤشر على أزمة أعمق من السياسة والح.رب؛ أزمة تمس الضمير الجمعي ذاته.
إن مواجهة هذه الأزمة لا تبدأ بإسكات البنادق وحدها، بل بإعادة بناء الثقافة التي ترفض العنف وتدينه أيًا كان مرتكبه، وتعيد الاعتبار لقيمة الإنسان بوصفه إنسانًا قبل أي هوية أخرى. فالح.روب تنتهي يومًا ما، أما آثارها في العقول والنفوس فقد تبقى لأجيال إن لم تُواجَه بشجاعة ووعي ونقدٍ صريح للماضي.
#السودان #نقد_سياسي #ثقافة_العنف #الإنقاذ #فكر #إنسانية #تاريخ #تحليل #السودان_اليوم #وعي

Leave a Reply