17 – 30 تموز 1968: محاولة عربية لاستعادة حق الأمة في صناعة التاريخ

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

ليست الثورات الكبرى تلك التي تغيّر الحكومات، بل تلك التي تغيّر تصور الأمم لذاتها، وتعيد صياغة علاقتها بالتاريخ. فهناك أحداث تنتهي بانتهاء لحظتها، وهناك أحداث تتحول إلى أسئلة طويلة العمر. ومن هذا النوع جاءت ثورة السابع عشر – الثلاثين من تموز 1968، التي لم تكن مجرد انتقال للسلطة، بل محاولة عربية لإعادة تعريف الدولة، والإنسان، ودور الأمة في صناعة التاريخ.

فثورة تموز لم تكن مجرد انتقال للسلطة، بل كانت محاولة فلسفية للإجابة عن سؤال ظل يؤرق الفكر القومي العربي منذ أن دخلت الأمة العربية مرحلة الانكسارات الحضارية المتعاقبة، وكان سقوط بغداد عام 1258 أحد أبرز منعطفاتها، فكيف تستعيد الأمة قدرتها على صناعة التاريخ بدلاً من الاكتفاء بالعيش داخله؟

لم تكن ثورة تموز، في التصور البعثي، مشروعاً وطنياً عراقياً مغلقاً، بل كانت ترى العراق جزءاً من مشروع نهضوي عربي أشمل، يقوم على أن قوة كل قطر ينبغي أن تتحول إلى قوة مضافة للأمة العربية كلها. ولذلك لم يكن نجاح الدولة الوطنية يتعارض مع فكرة الوحدة العربية، بل كان يُنظر إليه بوصفه إحدى مقدماتها، لأن الأمة القوية لا تُبنى من أقطار ضعيفة، وإنما من دول وطنية قادرة تتكامل فيما بينها اقتصادياً وثقافياً وسياسياً.

لقد جاءت تجربة ثورة تموز تطبيقاً بصورة واضحة للرؤية الفكرية التي طرحها الأستاذ أحمد ميشيل عفلق حول الأمة العربية بوصفها رسالة حضارية، وهي رؤية انعكست في الخطاب السياسي والبرامج التنموية التي تبناها الحكم الوطني قطر العراق.

لقد أدرك الفكر القومي العربي أن أخطر أشكال الاستعمار ليس احتلال الأرض، وكما يمكن وصف أحد أخطر أشكال الهيمنة بأنه احتلال الزمن، أي حرمان الأمة العربية من قدرتها على رسم مستقبلها. فالأمة المهزومة لا تفقد ثرواتها فقط، بل تفقد قدرتها على التخطيط للمستقبل، وتتحول إلى مجتمع يستهلك ما يصنعه الآخر، ويفكر بما ينتجه الآخر، ويحلم بما يسمح به الآخر. ومن هنا جاءت فلسفة ثورة تموز. فلم يكن الهدف إدارة العراق فحسب، وإنما إعادة العراق إلى موقع الفاعل في التاريخ العربي، لا موقع المتلقي لنتائج الآخرين. وقد لخّص القائد الشهيد صدام حسين هذا البعد القومي حين أكد في إحدى كلمات ثورة تموز أن قوة العراق ليست للعراق وحده، وإنما هي قوة للأمة العربية كلها، في إشارة إلى أن المشروع لم يكن قطرياً مغلقاً، بل جزءاً من رؤية قومية أشمل.

ولم يكن العراق في التصور البعثي مشروعاً مكتفياً بذاته، بل قاعدة متقدمة في مشروع عربي أشمل. ولذلك كانت التنمية في العراق تُفهم بوصفها قوة مضافة للأمة العربية، لا إنجازاً قطرياً معزولاً. فكل تقدم قطري، في هذا المنظور، ينبغي أن يفتح الطريق أمام الوحدة، لا أن يغلقه، فكل نهضة تبدأ بتحرير الإنسان من شعوره بالعجز.

ولهذا لم يكن القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق يرى الثورة مجرد انتقال للسلطة، بل تغييراً في الإنسان أولاً، لأن الإنسان الجديد هو الذي يصنع الدولة الجديدة. فالتعليم لم يكن خدمة، وإنما صناعة للعقل. لم يُنظر إلى النفط بوصفه مورداً مالياً فحسب، بل باعتباره أداة لبناء الاستقلال الاقتصادي وتمويل مشروع التنمية الوطنية. ولهذا كان الحديث عن النفط مرتبطاً دائماً ببناء الإنسان، انسجاماً مع ما أكده القائد الشهيد صدام حسين مراراً بأن (الثروة الحقيقية هي الإنسان)، لأن الموارد الطبيعية تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى معرفة وإنتاج. والجيش لم يكن مؤسسة قتالية فقط، وإنما مدرسة لبناء الإرادة الوطنية. كما إن الثقافة لم تُفهم باعتبارها نشاطاً نخبوياً، بل باعتبارها أحد أعمدة الأمن الحضاري، وجزءاً أصيلاً من الأمن القومي. وهنا ظهرت الفكرة التي ميّزت التجربة البعثية في العراق، في أن التنمية ليست زيادة في الدخل، وإنما زيادة في قيمة الإنسان.

هناك فرق بين دولة تملك النفط، ودولة تجعل النفط يملك المستقبل. هذا هو الفارق الذي حاولت ثورة تموز أن تصنعه. فقد انتقل النفط من كونه ثروة تتحكم فيها الشركات الأجنبية إلى قاعدة لتمويل مشروع وطني واسع، شمل الصناعة، والزراعة، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية، والبحث العلمي.

ولعلها كانت من أبرز المحاولات العربية الحديثة لتحويل الثروة النفطية إلى مشروع وطني للتنمية.، حيث شعر الانسان العربي أن ثروته يمكن أن تتحول إلى جامعة، ومختبر، ومصنع، وسد، وطريق، لا إلى حسابات مصرفية خارج الحدود. ولذلك لم يكن الصراع مع العراق صراعاً على النفط وحده، بل على النموذج الذي قدمه.

الأمم لا تُحاصر لأنها فقيرة. بل تُحاصر عندما تصبح قابلة لأن تكون مثالاً. فالفقر لا يخيف القوى الكبرى، أما النجاح المستقل فيخيفها. ولهذا لم يكن العراق المستهدف لأنه يملك موارد فقط، بل لأنه حاول أن يثبت أن الإرادة السياسية تستطيع أن تحول الموارد إلى مشروع نهضوي عربي. وإن أخطر ما في أي تجربة ناجحة أنها تُقنع الآخرين بأن النجاح ممكن.

لكن التجارب التاريخية الكبرى لا تُختبر فقط في لحظة صعودها، بل أيضاً في الطريقة التي تُستهدف بها. فحين تعرض العراق للاحتلال عام 2003، لم يكن المستهدف مجرد نظام سياسي أو سلطة حاكمة، وإنما الدولة الوطنية بكل ما راكمته من مؤسسات وقدرات علمية وصناعية وعسكرية وإدارية. فالدولة التي استغرقت عقوداً في البناء جرى تفكيكها في أشهر قليلة، ودخل العراق مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تشكيل بنيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفق معادلات مختلفة. ومن هنا فإن سقوط الدولة لم يكن حدثاً عراقياً خالصاً، بل شكّل منعطفاً عميقاً في النظام العربي كله، لأن انهيار إحدى أكبر الدول العربية من حيث الإمكانات أعاد رسم موازين القوة في المنطقة، وفتح الباب أمام تحولات ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.

إن الاحتلال يستطيع أن يهزم جيشاً، وأن يفكك مؤسسات، وأن يغيّر خرائط السلطة، لكنه لا يستطيع أن يلغي حاجة الأمة إلى مشروع نهضوي. فالحاجة التاريخية لا تُلغى بالقوة، بل تتجدد كلما ازدادت أسبابها. ولهذا فإن سقوط الدولة الوطنية في العراق لم يكن نهاية الأسئلة التي طرحتها ثورة تموز، بل بداية مرحلة جديدة من البحث عنها. وما استمرار الفكر القومي في إنتاج مؤتمراته وحواراته ومراجعاته، وآخرها المؤتمر القومي الثالث عشر عام 2026، إلا تعبير عن أن الأفكار الكبرى قد تمر بفترات انحسار، لكنها لا تغادر التاريخ ما دامت الظروف التي أنشأتها ما تزال قائمة.

واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، ربما لم يعد السؤال: ماذا فعلت ثورة تموز؟ بل أصبح السؤال الأهم: لماذا ما زالت ثورة تموز حاضرة في الذاكرة العربية؟ والجواب أن الأحداث تموت، أما الأفكار فلا تموت بسهولة. لقد انتهت حكومات كثيرة، وسقطت أنظمة كثيرة، لكن فكرة الدولة العربية القادرة، المستقلة، المنتجة، ما زالت تبحث عن فرصة جديدة.

غير أن القيمة الحقيقية للتجارب التاريخية لا تكمن في تكرارها حرفياً، وإنما في قدرتها على إلهام أجيال جديدة. فليس المطلوب أن تعيد الأقطار العربية إنتاج تجربة ثورة تموز كما حدثت قبل أكثر من نصف قرن، لأن لكل مرحلة ظروفها وأدواتها، وإنما أن تستعيد الفكرة التي قامت عليها، في بناء دولة وطنية قوية، واقتصاد منتج، وإنسان متعلم، وسيادة مستقلة، وتنمية تجعل الثروة في خدمة المجتمع لا في خدمة التبعية. فالمستقبل لا يُبنى باستنساخ الماضي، وإنما بقراءة روحه، وتحويل مبادئه إلى سياسات تناسب تحديات القرن الحادي والعشرين، من الاقتصاد المعرفي، والذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي، والاستقلال التكنولوجي. وهكذا تتحول التجربة من حدث تاريخي إلى مصدر إلهام حضاري، لا إلى مجرد ذكرى سياسية.

ولهذا فإن ثورة تموز لا تعيش في الماضي بقدر ما تعيش في الأسئلة التي لم تُجب عنها الأمة العربية بعد. كيف نبني دولة قوية دون أن نفقد الحرية؟ كيف نحول الثروة إلى تنمية؟ كيف نصنع اقتصاداً مستقلاً؟ كيف نعيد للعلم مكانته؟ كيف نجعل الوحدة مشروعاً عملياً لا شعاراً عاطفياً؟ هذه الأسئلة هي الإرث الحقيقي لتموز.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن كثيراً من الاقطار العربية ما زالت، بعد عقود، تواجه الأسئلة نفسها التي حاولت ثورة تموز أن تجيب عنها: كيف تُبنى الدولة المنتجة؟ وكيف يتحول النفط إلى صناعة؟ وكيف تصبح الجامعة مركزاً للتنمية؟ وكيف تتحول السياسة إلى مشروع لبناء الإنسان لا لإدارة الأزمات؟ ولهذا لا تبدو تجربة ثورة تموز حدثاً من الماضي بقدر ما تبدو سؤالاً لم يفقد راهنيته.

فالثورات التي تُنسى هي تلك التي غيّرت الحكام فقط. أما الثورات التي تبقى، فهي التي غيّرت طريقة تفكير الشعوب.  ولم تكن هذه الرؤية مجرد تنظير سياسي، بل ترجمت إلى سياسات عامة انعكست في توسع التعليم المجاني، وحملات محو الأمية، وتطوير الرعاية الصحية، والتصنيع، والتوسع في مشاريع الري، وبناء الجامعات، ومراكز البحث العلمي، وقد ارتبط ذلك بسياسة هدفت إلى تحويل الريع النفطي إلى استثمار طويل الأجل في الإنسان والمؤسسات، لا إلى إنفاق استهلاكي قصير الأجل. وهي خطوات جعلت العراق خلال السبعينيات والثمانينيات من أكثر الاقطار العربية تقدماً في مؤشرات التعليم والصحة والبنية التحتية، قبل أن تؤدي الحروب والعقوبات الدولية لاحقاً إلى إضعاف كثير من هذه المكتسبات.

وقد انعكس ذلك في ارتفاع معدلات التعليم، وانخفاض الأمية، واتساع خدمات الرعاية الصحية، وتحسن البنية الأساسية، وفق تقارير اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تلك المرحلة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المنجزات لا تكمن في أرقامها وحدها، بل فيما كشفت عنه من إمكانية تحويل الموارد إلى مشروع حضاري عندما تتوافر الإرادة السياسية.

ربما كانت أعظم رسالة تقدمها ذكرى السابع عشر – الثلاثين من تموز اليوم، أن النهضة ليست حدثاً يقع مرة واحدة، وإنما حالة وعي تتجدد كلما امتلكت الأمة الشجاعة لتفكر بنفسها.  ولهذا، فإن ثورة تموز، ستظل علامة فارقة في التاريخ العربي الحديث، لأنها لم تكتفِ بإدارة الدولة، بل حاولت أن تطرح مشروعاً حضارياً يعيد تعريف معنى الدولة، ومعنى التنمية، ومعنى الاستقلال، ومعنى أن تكون الأمة العربية صاحبة قرارها لا موضوعاً لقرارات الآخرين. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يحتفظ بأسماء الذين حكموا فحسب، بل يحتفظ أيضاً بأسماء الذين حاولوا أن يغيّروا اتجاه الزمن. وثورة تموز كانت، قبل أي شيء آخر، محاولة عربية جريئة لكتابة الزمن بإرادة الأمة العربية، لا بإرادة الآخرين.

وربما لهذا السبب بقت ثورة تموز حاضرة في الذاكرة العربية، لأنها حاولت أن تترجم إيماناً عميقاً عبّر عنه الأستاذ أحمد ميشيل عفلق حين جعل قيمة الأمة فيما تؤمن به لا فيما تملك. فالثروة يمكن أن تنهب، والدولة قد تحتل، أما الفكرة التي تستقر في وجدان الأمة العربية فتبقى قادرة على أن تولد من جديد. وربما لهذا السبب بقت ثورة تموز حاضرة في الذاكرة العربية، لأنها لم تكن مجرد ذكرى لثورة، بل سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الأمة العربية على أن تنهض من جديد. فالتجارب قد تنتهي، والدول قد تسقط، أما الأفكار التي تعبّر عن حاجة تاريخية عميقة، فإنها لا تموت، بل تنتظر جيلاً جديداً يعيد اكتشافها ويمنحها أدوات عصره. ويحقق ذاته الحرة، ويستعيد للأمة العربية دورها الرسالي في الإسهام الحضاري والإنساني.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.