أبوبكر الطيب
هناك أزمات تولد من ضيق الإمكانات، وأخرى يصنعها ضيق الخيال الإداري. وما يحيط بالملاعب السودانية اليوم ينتمي إلى النوع الثاني؛ فالأزمة لم تعد حكاية عشب يحتاج إلى صيانة، أو مدرجات تنتظر الترميم، وإنما قصة إدارة لم تجعل البنية التحتية أولوية، ثم راحت تبحث كل موسم عن مخرج مؤقت يعفيها من مواجهة السؤال الكبير.
، حيث نحاول أن ننظر إلى المشهد من زاوية تختلف عن المألوف، نتوقف أمام ملف لا يحتمل المزيد من التأجيل، لأن الملعب هو نقطة البداية لأي نشاط رياضي، ومن دونه تصبح كل الجداول والبرامج مجرد أوراق تنتظر مكاناً تُنفذ فيه.
شهد الوسط الرياضي خلال الأشهر الماضية جهوداً رسمية لإعادة الحياة إلى عدد من الملاعب التي أنهكتها الحرب، وهي جهود تستحق التقدير، لأنها تؤكد أن الدولة ما زالت ترى في الرياضة جزءاً من مشروع التعافي الوطني. ولم يكن أحد ينتظر معجزة تعيد كل المنشآت إلى سابق عهدها، لكن الجميع كان ينتظر أن يجد تلك المبادرات شريكاً يضع خطة واضحة، ويحدد الأولويات، ويقود مشروع التأهيل بخطوات مدروسة.
ذلك الشريك كان ينبغي أن يكون الاتحاد السوداني لكرة القدم.
غير أن المشهد سار في اتجاه آخر.
تشكّلت لجان، وتعددت التصريحات، وتوالت الوعود، بينما ظل السؤال نفسه بلا إجابة: ما هي خطة الاتحاد للملاعب؟
أي الملاعب أصبحت جاهزة؟
وأيها يحتاج إلى تدخل عاجل؟
وما هو البرنامج الزمني للصيانة؟
ومن أين سيأتي التمويل؟
ومن يتابع التنفيذ؟
هذه ليست أسئلة تعجيزية، وإنما الحد الأدنى الذي ينتظره الوسط الرياضي من مؤسسة تستعد لإدارة موسم جديد.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما نعلم أن عدداً من قيادات الاتحاد يشغلون مواقع معتبرة في لجان الاتحاد الدولي لكرة القدم، وهي مواقع تمنح أصحابها فرصة الاطلاع على أحدث تجارب تطوير البنية التحتية، وفتح أبواب التعاون والدعم.
لكن المثل السوداني يسبقنا إلى الوصف:
يكسي الناس وهو عريان.”
فكيف تمتد الخبرة إلى خارج الحدود، بينما تقف ملاعب الوطن في طابور الانتظار؟
وكيف تتسع العلاقات الدولية في المؤتمرات، ثم تضيق عندما يحين وقت البحث عن مشروع إنقاذ للملاعب السودانية؟
ثم جاءت الموافقة على استمرار مشاركة المريخ والهلال في الدوري الموريتاني للموسم الثاني، لتفتح باباً آخر للأسئلة.
فالظروف التي فرضت هذا الخيار في بدايته كانت مفهومة، لكن تحويله إلى واقع يتكرر كل عام يبعث برسالة مختلفة؛ رسالة تقول إن الحل الأسهل أصبح أكثر جاذبية من معالجة أصل المشكلة.
الكرة السودانية لا تحتاج إلى ملاعب مستأجرة بقدر حاجتها إلى ملاعب تستعيد نبضها داخل حدود الوطن.
وفي زحمة هذا الواقع، أعلن الدكتور برقو ، رئيس صندوق دعم المناشط الرياضية، عن مشروع طموح لإحياء المدينة الرياضية تحت مسمى “المدينة الرياضية العالمية”، إلى جانب إنشاء خمسة ملاعب جديدة موزعة جغرافياً على عدد من المدن وهي بشريات أعادت شيئاً من التفاؤل إلى الشارع الرياضي.
غير أن هذه الأخبار تفرض سؤالاً مشروعاً وملحاً
هل سينتظر الاتحاد السوداني اكتمال المدينة الرياضية العالمية والملاعب الجديدة حتى يكتشف أن للملاعب الحالية حقاً في الصيانة والتأهيل؟
المشروعات المستقبلية تبعث على الأمل، لكنها لا تعفي أحداً من مسؤولياته الحاضرة.
ويبدو أن الاتحاد السوداني قد اطمأن إلى معادلة ظل يكررها كل موسم؛ ينتظر الولاة ليفتحوا أبواب الدعم، وتتحرك حكومة الولاية لتأهيل الملعب، ثم يأتي الاتحاد ليحدد موعد المباراة ويقطف الثمرة. لذلك لم يعد ملف الملاعب يشغل باله كما ينبغي، لأن هناك دائماً من يُنتظر أن يحمل عنه العبء.
فالذي اعتاد أن يعيش على جهود الآخرين، لن يشعر يوماً بثقل مسؤولياته.
والمفارقة الأكبر أن الاتحاد يقترب من إعلان برنامج الموسم الجديد عقب انتهاء فترة التسجيلات في الأول من أغسطس، بينما لا يزال الوسط الرياضي ينتظر إجابات واضحة عن الملاعب التي ستستضيف المنافسات، وخطة تأهيلها، والجهة التي ستتولى الإشراف عليها.
فالبرنامج يبدأ من جاهزية الأرض التي ستقام عليها تلك المباريات.
يا سادة الاتحاد لا تكونوا
كَالعِيسِ فِي البَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظَّمَأُ
وَالْمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ
فأنتم تملكون العلاقات، واللجان، والمواقع، والصفة، لكن الكرة السودانية ما زالت تبحث عن خطة، قبل أن تبحث عن مباراة.
وأهلك العرب قالوا:
“من اعتاد انتظار الغيث، نسي أن يحفر البئر.
تَعَلَّلْ بِالأَمَانِيِّ نَفْسَاً وَقُلْ لَهَا … سَتَأْتِي لَكِ الأَيَّامُ بِمَا كُنْتِ تَجْهَلِ يوَمَا فَتِئَ الإِنْسَانُ يَأْمُلُ عَيْشَهُ …
وَمَا عَيْشُهُ إِلاَّ رَجَاءٌ مُؤَجَّلُ
والله المستعان

Leave a Reply