30 كيلوجرامًا… وحزنٌ لا يسمح به ميزان السفر

صحيفة الهدف

مها عوض الكريم

في ليلة شديدة البرودة، في أواخر ديسمبر 2023م، خرجت من السودان مُكرهة بسبب الحرب، في رحلة عبر الصحراء نحو المجهول، أنا وأبنائي، نبحث عن أمن وحياة كريمة.

عامان ونصف قضيناها في مصر، تنقلنا فيها شمالًا وجنوبًا، من أسوان إلى القليوبية، ثم الأقصر، وأخيرًا الإسكندرية.

عامان ونصف لم تلتئم فيهما جروح أرواحنا بعد، ولا قلوبنا المنكسرة على وطننا الجريح والأسير لدى الظلمة. لكن الأيام مضت بنا في مصر، خلقنا فيها حياة جديدة، وصداقات، وذكريات، واكتسبنا فيها تجارب ومعارف جديدة، وخسرنا فيها أغلى الناس.

أصعب ما في الأمر هو أن تعيش بصفة لاجئ بعد أن كنت مواطنًا، وأن يُنظر إليك كضيف ثقيل غير مرغوب فيه، ينتظرون وقت رحيلك بفارغ الصبر.

حان وقت الرحيل الآن، بعد أن سُدَّت طرق الحياة الكريمة في وجوهنا، بتواطؤ مع سلطة الأمر الواقع في بلادنا. وكان الخيار هو العودة الطوعية المجانية، فالخيارات الأخرى مكلفة جدًا.

إجراءات قفل ملف المفوضية وحدها تكلفنا حوالي 35 ألف جنيه مصري، غير تكلفة تذاكر السفر لأسرة كاملة، وهو أمر لا قِبل لي به.

الآن أحزم حقائبي استعدادًا للسفر، ويجب عليَّ أن أتقيد بالوزن المسموح به، وهو 30 كيلو فقط.

وضعت في حقيبتي ملف المستندات، وجوازاتنا التي انتهت مدتها، والجوازات الجديدة التي استخرجناها من القنصلية بأسوان. وضعت بقايا خيوط الكروشيه المتبقية من عملي، فستنفعني لاحقًا. أما ملابسي فلم تكن كثيرة، فقد جئت بالقليل الذي بلي، والبقية هدايا من إخوتي.

حسنًا، ما زال لدي متسع من الوزن، سأضع فيه الطاولة الخشبية الصغيرة، ستكون مفيدة لتقديم الضيافة، رغم أن شكلها الراقي قد لا يتناسب مع سراير حسن عدس التي جهزتها في السودان لتكون نقطة البداية لتأثيث المنزل.

كم بلغ وزن الحقيبة الآن؟ لم تصل إلى الوزن المطلوب بعد؟

ذهبت إلى المطبخ، واخترت ما خف حمله، فأنا أصلًا لم أشترِ ما غلا ثمنه، وهذه مهارة اكتسبتها بعد الحرب، بعدما جربت فقد الغالي والنفيس من الممتلكات.

وآخر شيء وضعته كان الملايات الأربع التي فرشتها على أسرّة كل الشقق التي سكنتها، والملايات الجديدة، هدية أختي، التي كنت أفرشها للضيوف وفي الأعياد.

أغلقت السحّاب، ووضعت الحقيبة على الميزان، فظهر الرقم: 28 كيلو.

ماذا لديَّ لأضعه بعد؟

لم أجد سوى حزني وهمّي، لكنه ثقيل جدًا، وهو حمل لا تطيقه سوى أضلعي.

هكذا انتهيت من حزم حقيبتي، وأنا الآن جاهزة للسفر، وفي انتظار رسالة لجنة الأمل للعودة الطوعية، تحدد تاريخ الرحلة.

في هذه الحياة سنسافر بإرادتنا أو غصبًا عنا. قد يسمحون لنا بحمل متاعنا، أو يجبروننا على تركه، أو يسرقونه منا.

نصيحتي لكم: لنخفف أحمالنا حتى يسهل علينا السفر، ففي النهاية الحياة مجرد رحلة، والكفن ما فيه جيوب.

محبتي لكم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.