بابكر الوسيلة
عيدٌ بأيَّةِ حالٍ
عُدتَ يا عيدُ؟!
بما غَنَّى الشَّهيدُ برُوحِهِ ورُؤاهُ؟
أم بما قتَلَتْ بَنِيْكَ الجَنْجويدُ؟
كيف تَنجُو الأرضُ
من صَحْرا مَناكِبِها
ويَنمُو في مَواكِبِها الشَّهيدُ؟
حُزْنٌ بنا
فينا، علينا..
كلَّما اجْتازَنا حُزْنٌ
جاء يَسعَى مِن عَساكِرهِ إلينا.
قد عَرَفْنا موتَنا العادِيَّ
في أجسادنا..
لكنَّ موتَ الشَّاطىءِ الغَرْبيِّ في دَمِنا.. يُعِيدُ
عبدَ العظيمِ وقلْبَهُ
عبدَ السَّلامِ وصَحْبَهُ
عبدَ الجليلِ وكَلْبَهُ
إنَّ الموتَ مَوجٌ في مواكِبنا جديدُ..
مواكبُ تَخرُجُ من فِجاجِ الأرضِ قاطِبةً
يا طالما فَجَّتِ الدُّنيا الزَّغاريدُ.
مِن حقِّنا
مِن حقِّنا.. هذا المكانُ..
غنَّيتَنا يا نِيلُ
أنتَ قتَلتَنا
آنَ الأوَانُ.. فَنَقِّنا
إنَّ “العَسَاسيِّين”*
في بَلَدي
لأنْجاسٌ وشِرْذِمةٌ مَناكِيدُ..
عبَّاسُ عبَّاسٌ
إذا احتدَمَ الوَغى
و”التِّرْسُ تِرسٌ”
والشَّهيدُ شهيدُ.
عيدٌ بأيَّةِ موتٍ
عُدتَ يا عيدُ؟!
إنِّي لَأُصْرِخُ موتيَ عن أغلى مَشاعرِهِ
بل إنِّي لَأشْرَحُ من شِعْري إلى صوتي،
وأصْرُخُ باسْتِشعارِ شاعرِهِ:
( يا نِيلُ هل تَجري المياهُ دَمَاً
لكي تَفيضَ.. ويَصحو الأهلُ إِنْ نْودُوا)
أنا ميِّتٌ حقَّاً
ولكنْ.. ها وُجُودي ما أَقُولُ
(يُريدُ المرءُ أنْ يُعطَى مُنَاهُ
ويَأتي الله إلَّا ما يُريدُ)
إنِّي لَأَبصُقُ في وُجُوهِكُمُ دماً
كما
أَنَّي أَزِيدُ
(ولو أنَّي أَجُودُ بهِ ولكنْ، لا أُجِيدُ)
أنا الغزيرُ أسًى
من غيمةٍ بدمي..
أنا الفقيرُ وأَسْبابي السَّجاجيدُ.
عادٌ وعادُوا في مَكائدِهمْ
لكنَّ عادَاً
_أيَّ عادٍ _ في المَكائِدِ
خَلفَها هُوْدُ.
عيدٌ بأيَّةِ ذكرى
عُدتَ يا عيدُ؟!
أنا واجِدٌ
كيف عن ذكرى بلادي
قد أَحِيدُ!
أنا شاهِدٌ
وأَفتضِحُ المَواجِدَ كلَّها
أنا مِن صَفَائحِ أهلِها
أنا مِن فَضَائحِها الوَحِيدُ.
بلادي يا بلادي يا بلادي..
إنِّي مَررْتُ بكذَّابِينَ أَسألُهُم:
هل مَرَّ مِن نِيلٍ هُنا؟
هل أَبصَرتُمُ الوادي؟
أنا الحبيبُ أُجِيبُ..
ردَّاني الصَّدى
صمْتاً
وأَرْدَتْني التَّقاليدُ.
عيدٌ بأيَّةِ نيلٍ
عُدتَ يا عيدُ؟!
بما طفَحَ السُّؤالُ بهِ؟
أم بما غنَّتْ له الجُثَثُ الجَلامِيدُ؟
عيدٌ بأيَّةِ وَجْهٍ
عُدتَ يا عيدُ؟!
بما حمَلَتْ مَواكِبُنا كواكِبَنا
أمْ بما جاءتْ به البِيدُ؟!
(ما كنتُ أَحسَبُني أَحيَا على وطَنٍ
يُسِيء بي فيهِ وَغدٌ وهْوَ مَحمودُ
ولا تَوهَّمتُ ثُوَّاراً وقد فُقِدُوا
وأنَّ مِثْلَ “أبي السَّوداءِ” مَوجُودُ
وأنَّ ذا الأخضرَ المَثقُوبَ من شَرَفٍ
تُطوِّعُهُ “الطَّفابِيعُ” الرَّعاديدُ
جَوعانُ يَأكلُ من زادي
الأجانِبُ
في بلادي
ويُمْسِكُني بها الجُنْدُ الأَجاويدُ)
عيدٌ
بأيَّةِ خَنْجَرٍ فينا تَعُودُ..
بما عَدَدْتَ على الدُّنيا وعُدْتَ إلى منافيها؟!
(إنَّ السَّماء على مَنْ تَحْتَها وقَعَتْ
وانْشَقَّتْ أراضِيْنا كما انْجابتْ بمَنْ فيها)
فمَرْحَى.. ألفَ مَرْحى يا يَهُودُ!
عيدٌ
بأيَّة جَمْرةٍ فينا
تَعودُ؟!
يا بَحرَ أزرَقَ في النَّدى
الجَمْرُ خَمْرٌ في الهوى
والخَمْرُ جَمْرٌ يا “كُلُومْبِيَّ” الرَّدى**
آهٍ وآهٍ يا هَوامِشُ يا حُدُودُ..
يا بَحرَ أبيضَ في الصَّدى
لا تَسْقِني كأسَ الحياةِ بِذلَّةٍ
بل ساقَني فيها النَّشيدُ..
أنا شاعرٌ إنِّي وشيءٌ ما
أُناشِدُكمْ بأَحلامِ القصيدةِ إذْ تُريدُ
أنا صَبٌّ وأبكي في المَواكبِ من عَينَيْ صَديقي..
وحَفِيٌّ فيَّ إنسانُ الكواكِبِ يا رَفيقي.
خوفي خَفِيٌّ فيَّ،
وفيَّ من خوفٍ حَريقي..
إنَّ هذا ما تَوارَثَهُ
الوَرِيدُ.
أنا طَيرٌ
أنا أُفُقٌ يَطِيرُ بهِ البَعِيدُ.
عيدٌ بأيَّةِ حُبٍّ
عُدتَ يا عيدُ؟!
أنا
الشَّهيدُ
سأَبقى في شَوارِعِكمْ أُغَنِّيكم وأُغْنِيْكم
أُضِيءُ على سَواعِدِكمْ
وأُوْعِدُ لا أَعُوْدُ ولا أُعِيْدُ..
ولي حَتْماً بأَمْرِ رَصَاصةٍ أُخرى مَواعِيدُ..
هذي حياةُ العاشقين لهُ
(إنِّي لَمَجنونٌ، بل إنِّي بهِ حُبَّاً لَعِربِيدُ)
يا قلبُ أنتَ قتلتَني عَمْداً
وقد بَسَمْتُ فأَحْيَتْني العَناقِيدُ..
سأَبقى في عُرُوقِ الأرضِ عن أُفُقٍ
لِتَنتصِرَ الرُّؤى فينا
وتَنتصِرَ الأناشيدُ.
* “العَسَاسيِّين” كلمة مركَّبة من كِلمتَيْ “العسكري” و”السِّياسي”، وليس لها معنى قاموسي.
** “كُلُومْبي” نسبة إلى “كُلومبيا”، وهي المنطقة الصَّغيرة الواقعة على شاطىء النِّيل الأزرق والَّتي كانت جزءاً من ساحة اعتصام القيادة العامَّة بالخرطوم.

Leave a Reply