البحث عن الطريق الأقل كلفة

صحيفة الهدف

راما عبدالله

في الحروب، لا يكون السؤال الأكبر: مَن انتصر؟ بل: مَن بقي حيًا؟ ومَن استطاع أن يحافظ على أسرته، ولو بحدٍّ أدنى من الكرامة؟ وفي السودان، منذ اندلاع الح.رب، تحوّل البحث عن «الطريق الأقل كلفة» إلى العنوان اليومي لحياة ملايين الناس.

لم تعد الكلفة تُقاس بالمال وحده، بل بالخوف، والفقد، والجوع، والغربة، والانتظار. وكل أسرة سودانية أصبحت تقف أمام خيارات لا يحمل أيٌّ منها طمأنينة، وإنما تفاوت في حجم الخسائر.

هناك أمٌّ تحمل أطفالها وتفكر في النزوح إلى مدينة أخرى، وهي تعلم أن الطريق قد يكون محفوفًا بالمخاطر، وأن المدينة التي تقصدها ربما لا تتوفر فيها مياه أو كهرباء أو خدمات صحية، لكنها تقول في نفسها: «لعلها تكون أقل كلفة من البقاء تحت أصوات الرصاص».

وهناك أسرة أخرى أنهكها اللجوء في إحدى دول الجوار؛ ارتفعت تكاليف المعيشة، وضاقت فرص العمل، وتبددت المدخرات، وأصبح الإحساس بالغربة عبئًا لا يقل قسوة عن الح.رب نفسها. فتبدأ رحلة التفكير في العودة إلى الديار، رغم أن الديار لم تستعد عافيتها بعد، ورغم أن العودة قد تعني مواجهة المخاطر ذاتها التي دفعتهم إلى الرحيل، لكنها أيضًا محاولة للبحث عن طريق أقل كلفة من حياة اللجوء الطويلة.

في كل بيت سوداني تقريبًا يدور هذا الحوار الصامت: هل نبقى؟ أم نرحل؟ هل نعود؟ أم ننتظر؟ وكل قرار يحمل ثمنًا باهظًا، ولا أحد يملك رفاهية الاختيار بين الخير والشر، بل بين السيئ والأسوأ. لقد فرضت الح.رب على الناس معادلة قاسية، فصاروا يحسبون تكلفة الحياة كما يحسب التجار الأرباح والخسائر؛ تكلفة النزوح، وتكلفة اللجوء، وتكلفة العودة، وتكلفة البقاء. حتى الأحلام أصبحت تُوزن بميزان الخوف.

وفي المقابل، يبدو أن الساسة أيضًا يبحثون عن «الطريق الأقل كلفة»، ولكن بمعنى مختلف؛ فكثير منهم يحسب كلفة المواقف السياسية، وكلفة التنازلات، وكلفة المكاسب والخسائر الحزبية، بينما يدفع المواطن وحده فاتورة التأخير في الوصول إلى حل يوقف الح.رب.

أما طرفا الصراع، فيقف كل منهما أمام خيارين كبيرين: الاستمرار في الحسم العسكري أو اللجوء إلى التفاوض. ولكل خيار حساباته السياسية والعسكرية، لكن الحقيقة الثابتة أن الكلفة الإنسانية للح.رب تتزايد مع كل يوم يمر. فكل معركة جديدة تعني مزيدًا من النازحين، ومزيدًا من الأطفال خارج المدارس، ومزيدًا من الأسر التي تفقد مصدر رزقها، ومزيدًا من البيوت التي تتحول إلى أطلال.

قد يرى البعض أن الحسم العسكري هو الطريق لتحقيق أهدافه، وقد يرى آخرون أن التفاوض هو السبيل الممكن. لكن بعيدًا عن هذه الحسابات، يبقى السؤال الذي يطرحه المواطن السوداني البسيط: متى يصبح الإنسان هو معيار القرار؟ ومتى تكون حياة الناس هي الكلفة التي يجب ألا تُستهان بها؟

لقد أثبتت هذه الح.رب أن أكثر مَن يدفع الثمن ليس مَن يجلس إلى طاولة السياسة، ولا مَن يخطط للعمليات العسكرية، وإنما تلك الأم التي تقطع مئات الكيلومترات بحثًا عن مكان آمن لأطفالها، وذلك الأب الذي يعجز عن توفير لقمة العيش، وذلك الشيخ الذي ينتظر دواءً لم يعد متاحًا، وذلك الطفل الذي لا يفهم لماذا أصبح منزله ذكرى.

إن الطريق الأقل كلفة للسودانيين ليس طريق النزوح، ولا طريق اللجوء، ولا حتى طريق العودة في ظل المخاطر. فالطريق الأقل كلفة، في جوهره، هو طريق يوقف الح.رب، ويحفظ الأرواح، ويعيد الناس إلى بيوتهم آمنين، ويعيد للدولة مؤسساتها وخدماتها، ويمنح الأطفال حقهم في مستقبل لا تحدده أصوات المدافع.

فكل يوم تستمر فيه الح.رب يجعل أي طريق آخر أكثر كلفة. وكل يوم يتأخر فيه السلام يضيف اسمًا جديدًا إلى قوائم الضحايا، وأسرة جديدة إلى قوائم النازحين، وحلمًا جديدًا إلى قائمة الأحلام المؤجلة. وربما آن الأوان لأن يدرك الجميع أن السودان لم يعد يحتمل البحث عن أقل الخسائر في الح.رب، بل يحتاج إلى البحث عن أكبر المكاسب في السلام؛ لأن الوطن الذي يخسر أبناءه كل يوم، لا يربح شيئًا مهما كانت نتائج المعارك أو المفاوضات.

#السودان #ملف_الهدف_الثقافي #لا_للحرب #سلام_السودان #نازحون #إنسانية #مستقبل_السودان #أوجاع_السودان #الهدف_الثقافي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.