أبوبكر الطيب
إن كلمة “البرلوم” دلالة عميقة تختصر قلة الخبرة، والتخبط، والاعتماد على سياسة “التجربة والخطأ”. ولكن، عندما تبتلي الساحة الرياضية بمسؤول تنفيذي يمارس “البرلمة” الإدارية من داخل كابينة الوزارة، ويظن أن أحكام المحكمة العليا مجرد “مسودة” قابلة للتعديل والتراشق، فهنا نصبح أمام كارثة حقيقية تهدد هيبة الدولة ومؤسساتها.
لقد خرج علينا السيد الوزير المكلف بتسجيل صوتي مسرب، لم يكن مجرد زلة لسان في مجلس ودي، وإنما كان إعلاناً صريحاً عن حالة خطأ مريع بأبجديات إدارة الدولة. فالوزير—الذي يُفترض به أن يكون حارساً للقانون وممتثلاً لأحكامه—جلس يصف الحكم القضائي النهائي والبات الصادر لصالح لجنة الـ50 لاتحاد الخرطوم المحلي بأنه “معضلة”! ولم يقف قطار “البرلمة” عند هذا الحد،ولكنه مضى يلوّح بكل ثقة باللجوء إلى “جهات أعلى” إذا لم يستجب قاضي التنفيذ لرؤيته!
وهنا نوقد مصابيح الحقيقة أمام هذا المسؤول المستجد ونقول له: أي جهات أعلى من المحكمة العليا في دولة المؤسسات؟ ومن ذا الذي يملك سلطة مراجعة حكم قالت فيه أعلى منصة قضائية كلمتها الأخيرة وشطبت كل استشكالاتها؟ هذا المنطق الضعيف لا يشبه لغة مسؤولي الدولة المحترفين ولكنه يشبه عقلية الطلاب المستجدين الذين يظنون أن أبواب القوانين يمكن فتحها بالواسطة والمجاملات.
إن القضاء ليس ساحة للتفاوض، وحينما تبدأ في التعامل مع الأحكام باعتبارها ملفاً يُدار بالترضيات، فاعلم أن الخلل بات في طريقة تفكيرك أنت!
إن القارئ الحصيف الذي يتجاوز سطح التصريحات المخجلة للسيد الوزير، ويغوص في قراءة “ما بين السطور”، سيكتشف فوراً أن هذا التخبط ليس عفوياً،وإنما هو “تمهيد مدروس لنية مبيتة” وطبخة إدارية تُطهى في الظلام؛ فالوزير لا يصف واقعاً عندما يتباكى بأن لجنة الـ50 “غير موجودة”، وإنما هو يصنع ذريعة!
إن الهدف الخفي من وراء تكرار هذه الأكاذيب هو صناعة “حالة تعذر مصطنعة” يوهم بها الرأي العام والسيد الوالي، تمهيداً للالتفاف على حكم القضاء واستخدام “المادة 8 ل بحجة عجز اللجنة عن التسيير”! إنه يريد إسقاط لجنة الـ50 الشرعية بقرار وزاري مباغت، وإعادة الاتحاد إلى ذات الوجوه التي ظل القانون يطارد شرعيتها لثماني سنوات، في تلاعب فج بمواد القانون؛ إذ كيف تُستخدم مادة مرتبطة بالعجز عن إدارة نشاط.. في إتحاد مشلولة وكسيح وبه فراغ ولا يوجد فيه نشاط من الأساس؟!
أما السر الأكبر الذي يفسر غضب الوزير وهجومه، فهو رعب المجموعة التي تحركه من كلمة “المراجع العام”. لقد ذهبت لجنة الـ50 إلى الوزير لتبدأ تسلماً رسمياً، لكنها حينما رفضت مسرحية التسليم والتسلّم “المكتبية” العشوائية، وتمسكت بالتدقيق المالي وجرد العهد والوثائق والأموال العامة التي دارت حولها الشبهات لسنوات، جن جنون الوزير ومن معه.
إن التصريح العدائي للوزير ليس إلا غطاءً كثيفاً لحماية ملفات مالية وعقود استثمارية يُراد لها أن تُدفن “في الظلام” دون محاسبة!
رياح أخيرة
من باب الإنصاف، نقول إن الأندية من حقها أن تبحث عن مخرج للأزمة لأنها المتضرر الأكبر، لكن الحكمة كانت تقتضي من الوفد الذي زار الوزارة أن يقف على مسافة واحدة من الجميع، لا أن يتحول إلى كومبارس في مسرحية إسقاط هيبة الدولة.
إن المشهد بات مقلوباً؛ لجنة الـ50 أنشأها وزير سابق وفق صحيح القانون وحصنها القضاء، والوزير الحالي، بدلاً من حماية استمرارية قرار الدولة، يخوض معركة شخصية لتصفية الحسابات وتبديل المواقف بتبدل الأشخاص، ليتحول من حَكَم عدل إلى خصم صريح داخل الأزمة.
إن ما يُكسر اليوم في اتحاد الخرطوم ليس أقفال المقار والملفات فحسب، وإنما هيبة الاتحاد نفسه. ونحن إذ نضع هذا الملف الساخن وخطورته أمام السيد الوالي الموقر، نحذره من أن “البرلمة” الإدارية والمؤامرات المبيتة لوزرائه ستورد الولاية موارد الفتنة والهلاك،
وأهلك العرب قالوا : —
جهلُ الموازينِ أعمى عينَهُ فغدا يشكو القضاءَ وفي كفيهِ تكسيرُ
إن ضاع حقٌّ فمنكَ الجهلُ ضيّعَهُ
لا السيفُ يُظلمُ إن خانتْكَ تدبيرُ
فلا تُحمِّلْ سِواكَ اليومَ زلتَك فالجهلُ داءٌ، وما في الجهلِ تبريرُ
والله المستعان

Leave a Reply