هندسة الإنهاك: كيف يصنع حلفاء الأمس مقبرة للثورة في السودان؟

صحيفة الهدف

عادل أحمد محمد
لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل مجرد صدام عسكري طارئ بين جنرالين تضخمت طموحاتهما، بل هي في عمقها التكتيكي عملية جراحية قيصرية، أُديرت بدم بارد لإجهاض أعظم ثورة سلمية شهدها الوجدان السوداني الحديث. حين هتفت الحناجر بوعي لا يلين تسقط بس، لم تكن تسقط وجهاً واحداً، بل كانت تقوض منظومة أمنية واقتصادية كاملة تأسست على مدى ثلاثة عقود من القهر والمحاصصة. واليوم، يتكشف المشهد عن مأساة مكتملة الأركان: شعبٌ ينهشه النزوح، وبنية تحتية تُدمر كمصائر الناس، ونخبٌ تمارس براغماتية الدم فوق جثث الضحايا.
أولاً: فرضية التوافق الضمني.. إطالة أمد الحرب لتركيع الشارع
الخديعة الكبرى التي تُسوق اليوم هي أن هذه الحرب ستقود إلى حسم وطني خالص. لكن القراءة الحازمة للمشهد تكشف عن سيناريو الإنهاك المتعمد ، حيث تجد أطراف نافذة في السلطة الحالية مصلحة وجودية في تطويل أمد الصراع. الهدف ليس عسكرياً بالدرجة الأولى، بل هو هدف استراتيجي يرمي إلى تفكيك الحواضن المدنية، وتشريد الملايين، وإشغال المواطن السوداني بلقمة عيشه وأمان أطفاله بدلاً من مطالبه المشروعة بالحرية والعدالة والدولة المدنية المهنية. إنها عملية إعادة صياغة الخارطة السياسية عبر هندسة الفوضى، ليوضع الشعب في النهاية أمام خيارين أحلاهما علقم: إما الموت المستدام، أو القبول بتسوية هشة تعيد إنتاج الوجوه القديمة والجديدة تحت لافتة حقن الدماء والمصالحة الوطنية.
ثانياً: براغماتية الدم.. صناعة الانشقاقات واستقطاب القتلة
تتساقط الأقنعة السياسية وتتكشف عقلية المدرسة الأمنية القديمة بوضوح صارخ عندما نرى منصات المنتصرين تستقبل قادة المليشيا المهزومين بالأحضان والمصالحات. كيف يستقيم عقلاً ولغةً أن ترفع شعارات حسم المليشيا واجتثاثها، ثم تعيد تدوير رموزها وأبواقها بمجرد انشقاقهم؟
هذا السلوك يثبت أن الحسم العسكري الكامل ليس هو المبتغى، بل هي استراتيجية الاحتواء البراغماتي المعهودة. يُنظر إلى هؤلاء القادة المنشقين ليس كـ شركاء في الجريمة تجب محاسبتهم على دماء المواطنين، بل كأدوات استخباراتية وأوراق ضغط إعلامية لتفتيت العدو من داخله. هذه الانتهازية العسكرية تصدم ضمير الشارع الذي دفع الفاتورة الأغلى من دمه وعرضه، وتؤكد أن دماء السودانيين لا تتعدى كونها أرقاماً في حسابات النخب الحاكمة.
ثالثاً: تدمير البنية التحتية.. معاقبة الشعب بـ الأرض المحروقة
حين تمتد يد التدمير الممنهج لتستهدف الجسور والكباري الحيوية وتصيب شريان الحياة والمعاش، يصبح واضحاً أن الحرب لا تُدار ضد ثكنات عسكرية، بل تُدار ضد مقومات الدولة ذاتها. قطع الطرق والجسور ليس تكتيكاً لحصار الخصم بقدر ما هو حصار وتجويع للمواطن البسيط، لقطع صلات الرحم وسبل التجارة بين المدن والقرى. إنه عقاب جماعي لشعب تجرأ يوماً وطلب حقه في الحياة الكريمة، وتحويل المدن الحاضنة للثورة إلى حطام تذروه الرياح ليصبح التفكير في المستقبل ترفاً لا يملكه أحد.
رابعاً: عقلية الكيزان وإعادة إنتاج الدولة الريعية الفاسدة
لا يمكن فصل هذا المشهد العبثي عن إرث الدولة الريعية والمؤسسات الاستخراجية التي لا ترى في السودان سوى منجم كبير للثروات يخدم القلة الحاكمة وحلفاءها الإقليميين والدوليين. عندما تنفصل السلطة ماليًا وأمنيًا عن شعبها، وتصبح موارد البلاد نهباً للمحاصصات العسكرية، ينفرط العقد الاجتماعي تماماً. الحرب الحالية هي ذروة هذا الانفراط ، حيث يتحول الوطن إلى ساحة حرب بالوكالة، وتُسخر ثرواته لشراء الولاءات وبناء التحالفات الأمنية المشبوهة، بينما يتردى المواطن في غيابات الفقر والنزوح والجهل.
إن الواجب التاريخي يفرض اليوم كشف هذه الأقنعة دون مواربة أو تجميل. هذه الحرب في عمقها هي اتفاق ضمني بين بنادق تسعى لتثبيت عروشها، وبراغماتية عسكرية تعيد تدوير المجرمين على حساب دماء الأبرياء. والرهان الحقيقي لم يعد على وعود الحسم الميداني ولا على تسويات الغرف المغلقة، بل الرهان يظل معقوداً على وعي الشارع السوداني الذي هتف يوماً تسقط بس، وهو الوعي الوحيد القادر على كسر هذه الدوامة الشيطانية وإيقاف قطار المحاصصات الأمنية التي تحاول كتابة الفصل الأخير في كتاب الثورة السودانية بمداد من دم وتدمير.

#صحيفة_الهدف #الهدف #السودان #أخبار_السودان #آراء_حرة #الهدف_أخبار #حـ.ـرب_السودان #هندسة_الإنهاك #الثورة_السودانية #لا_للحـ.ـرب #السودان_الجديد #المقاومة_السلمية #تسقط_بس #جرائم_الحـ.ـرب #العدالة_الانتقالية #كشف_الحقائق

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.