د.سلمى نايل
في زوايا البيوت المؤقتة، وخلف أبواب الغرف التي ازدحمت بالحنين، تجلس أمهات كثيرات يحملن على أكتافهن أعمارًا من التضحية والصبر. أمهات لم تكسرهن قسوة الحياة، ولم تهزمهن سنوات الكفاح الطويلة، لكنهن وجدن أنفسهن في مواجهة ألم جديد لم يكن في الحسبان.
حين اندلعت الحرب واشتد النزوح، كانت الأم أول من جمع شتات الأسرة، وأول من أخفى خوفه ليزرع الطمأنينة في قلوب أبنائه. حملت همّ الطريق، وقلق المستقبل، ووجع الفقد، ثم مضت تواسي الجميع، بينما كانت تخفي دموعها في أعماق قلبها. تركت بيتها وذكرياتها وجيرانها وأشياءها الصغيرة التي كانت تمنح أيامها معنى، لكنها قبلت بكل ذلك من أجل أن ينجو أبناؤها.
ومع مرور الأيام، تفرقت السبل بالأبناء. انشغل بعضهم بالبحث عن العمل، وانشغل آخرون ببناء حياة جديدة وسط ظروف قاسية فرضها الواقع. شيئًا فشيئًا، بدأت المسافات تتسع، ليس فقط بين المدن والبلدان، بل أحيانًا بين القلوب أيضًا.
تجلس الأم تنتظر صوتًا اعتادت سماعه كل يوم، أو زيارة كانت فيما مضى أمرًا عاديًا. تنظر إلى هاتفها مرات كثيرة، وتفرح برسالة قصيرة كما يفرح الطفل بهدية ثمينة. تحاول أن تقنع نفسها بأن أبناءها مشغولون، وأن الحياة أثقلت كواهلهم، لكنها في أعماقها تشتاق إلى ذلك الدفء الذي كانت تعيشه حين كانت الأسرة مجتمعة حولها.
المشكلة ليست في سفر الأبناء أو انشغالهم بظروف الحياة، فلكل إنسان مسؤولياته وتحدياته، ولكنها تبدأ حين يتحول الانشغال إلى غياب دائم، وحين تصبح الأم آخر من يُسأل عن حالها، أو أول من يُؤجل التواصل معها إلى وقت قد لا يأتي. فالأم التي أفنت عمرها في رعاية أبنائها لا تحتاج إلى المال بقدر حاجتها إلى الشعور بأنها ما زالت عزيزة ومهمة في حياتهم.
والحل لا يحتاج إلى إمكانات كبيرة أو ظروف مثالية، بل يحتاج إلى شيء من الوفاء. مكالمة يومية تطمئن قلبها، وزيارة كلما أمكن ذلك، ومشاركة بسيطة في تفاصيل الحياة، وكلمات صادقة تشعرها بأنها ما زالت السند والحضن والمكانة التي لا ينافسها أحد.
كما يحتاج الأبناء إلى أن يدركوا أن الزمن يمضي سريعًا، وأن الفرص التي تضيع اليوم قد لا تعود غدًا. فكم من أم كانت تنتظر لقاء أبنائها ثم رحلت قبل أن يتحقق ما كانت تتمناه، وكم من كلمة حب أو امتنان تأخرت حتى أصبح الندم هو الشيء الوحيد الباقي.
إن كانت الحرب قد أخذت من الأمهات بيوتهن وأمنهن واستقرارهن، فلا ينبغي أن تأخذ منهن أيضًا دفء أبنائهن وقربهم. فالأم لا تزال بحاجة إلى من يسأل عنها، ويستمع إليها، ويمنحها بعضًا من الحب الذي أغدقته عليهم طوال عمرها.
رحم الله الأمهات الراحلات، وحفظ الأمهات الحاضرات، وجعل في قلوب الأبناء من البر والرحمة ما يعوضهن عن قسوة الأيام. فالأم هي الوطن حين تتشرد الأوطان، وهي الأمان حين تضيق الدنيا بما رحبت.

Leave a Reply