بين موسكو وبغداد.. حين تبكي السماء بالسواد

صحيفة الهدف

قرشي الطيب

في الأزمنة العادية، ينتظر الناس المطر كما ينتظرون رسالةً من الغيب. يرفع الفلاح عينيه إلى السماء، وتفتح الأشجار أكفّها الخضراء، وتتهيأ الأرض لاستقبال الماء بوصفه وعدًا بالحياة.
لكن الحروب تملك قدرةً غريبة على تشويه الأشياء الجميلة.
فهي لا تكتفي بتحويل المدن إلى خرائب، ولا البشر إلى أرقام في نشرات الأخبار، بل تمتد يدها الطويلة إلى السماء نفسها، فتعبث بألوانها وقوانينها وأحلامها.
ذات يوم، استيقظت بغداد على مطرٍ أسود.
لم يكن المطر يومها يحمل رائحة الحقول، بل رائحة النفط المحترق. لم تكن القطرات شفافةً تتلألأ على النوافذ، بل كانت ملوثةً بدخان الحرائق التي صعدت من الأرض حتى استوطنت الغيوم. بدا المشهد وكأن السماء قد ارتدت ثياب الحداد، ونثرت على المدينة رمادها بدلًا من ماء الحياة.
وقبل أن يحدث ذلك بسنوات، كان نزار قباني يرسم في قصيدة صورةً مدهشة حين قال:
“وقل لعيون البصريات بأن يمطرن علينا مطرًا أسود”
ربما لم يكن الشاعر يتنبأ بحدثٍ بعينه؛ فالشعراء لا يملكون خرائط الغد، لكنهم يملكون حساسيةً تجعلهم يلتقطون ظلال الكوارث قبل أن تصل. كأن الكلمات، أحيانًا، ترى ما لا تراه العيون.
ومرت السنوات.
تبدلت الرايات، وتغيرت الخرائط، واختلفت أسماء الجنرالات، لكن الحروب بقيت هي الحروب؛ تعيد إنتاج مآسيها بأزياء جديدة.
وفي زمن آخر، وعلى مسافة آلاف الكيلومترات من بغداد، شهدت موسكو مشهدًا يشبه الحلم الثقيل. ارتفع دخان الحرائق الناتجة عن استهداف منشآت الوقود عاليًا، حتى بدا وكأنه يحاول احتلال السماء نفسها. وعندما امتزجت السحب بذلك السواد، تردد الحديث عن أمطار داكنة اللون، كأن التاريخ يعيد كتابة جملته القديمة بحبر جديد.
هكذا التقت بغداد وموسكو.
ليستا مدينتين متشابهتين في اللغة أو المناخ أو الذاكرة، لكنهما التقتا تحت مظلة سوداء واحدة.
كأن الحروب، مهما اختلفت جغرافيتها، تنتج المشهد ذاته: أرضٌ تحترق، ودخانٌ يصعد، وسماءٌ تفقد براءتها.
ما أشد قسوة أن يتحوّل المطر إلى شاهد اتهام!
فالمطر في المخيلة الإنسانية رمز للخصب والغفران والتجدّد. وعندما يسقط أسود، فإنه يبدو وكأنه يحمل رسالة مختلفة تمامًا؛ رسالة تقول إن الخراب لم يعد حبيس الأرض، بل تسلّل إلى الفضاء الأعلى، إلى المكان الذي اعتاد البشر أن ينظروا إليه طلبًا للرحمة.
في الأمطار السوداء شيء يشبه دموع السماء.
كأنّ الغيوم تعجز عن احتمال ما تراه من حرائق البشر، فتذرف حزنها بلون الدخان. وكأن الطبيعة، التي ظلت قرونًا تحاول مداواة جراح الإنسان، قد تعبت أخيرًا من كثرة ما أحدثه الإنسان من جراح.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن الدخان، في الحالتين، بدأ من الأرض ثم عاد إليها. صعد أولًا على هيئة نار، ثم رجع على هيئة مطر. كأن العنف يدور في دائرة مغلقة؛ فما نرسله إلى السماء يعود إلينا، وما نحرقه في الأرض يسقط فوق رؤوسنا من جديد.
لهذا لا ينبغي النظر إلى الأمطار السوداء بوصفها ظاهرة عابرة أو مشهدًا غريبًا فحسب، بل بوصفها استعارةً كبرى لعصرٍ أصبح فيه الإنسان قادرًا على تلويث حتى أحلامه.
فحين يصبح المطر أسود، لا تكون الغيوم هي التي تغيرت، بل نحن.
وحين تبكي السماء بالسواد، فإنها لا ترثي مدينةً واحدة، بل ترثي ذلك الجزء المضيء من الروح البشرية الذي تلتهمه الحروب كل يوم.
ويبقى الأمل، رغم كل شيء، أن تستعيد السماء لونها الأول.
أن يعود المطر ماءً لا رمادًا.
وأن تبقى عبارة نزار قباني شعرًا جميلًا يدهشنا، لا نبوءةً يكررها التاريخ كلما اشتعلت الأرض.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.