محمد جبارة: فنان يهب الغناء معنى

صحيفة الهدف

سلمى الشيخ سلامة

يحرقني صوته فأبدو كالممسوسة، ويحرّك داخلي شجنًا فتنفتح له الأبواب. يدخل القلب مباشرة لأنه يغني أغنية أعدّها من عيون الغناء: (يمّه). آه يا يمّه، تلك أغنية منذ الصبا تجرح العين فلا تبكي إلا طربًا، ولا يفعل القلب سوى أن يهفو إلى الأم، ولا تفارقني صورة رسمها محمد جبارة، دون ألقاب، لأنني أعشق غناءه..
شوفي الزمن يا يمّه ساقني بعيد خلاص
جرّعني كاس
دردرني اتغربت يا يمّه
وريني الخلاص
كنت، حين تجيء تلك الأغنية محمولة على أثير المذياع، في أي مكان أكون فيه، يتوجّه قلبي إلى أمّي. فإن كانت قريبة مني أخذتها في حضني أو أخذتني في حضنها. فهي مثلي الآن ملتاعة لفراق أمّها. أحلم بذلك الحضن الدافئ، يسوقني إليه محمد جبارة. لا أعرف لماذا تفعل بي تلك الأغنية كل هذا الفعل السحري كلما وأينما سمعتها.
بتذكّرك يا يمّه يا يمّه
وكتين الناس يقولو قايمين البلد
رصّوا الهديمات عدّلوا
ركبوا اللواري وقبّلوا
وأي البلاد تلك يا محمد جبارة التي تعنيها؟ فكل الجهات خواتم، لكنك أنت بلادي التي نهوى. صوتها مرافئ نتكئ عليها كثيرًا، سواء كنا هنا أو هناك، داخلية كانت الغربة أم خارجية، مادية أم معنوية. يغطّي صوتك الجسد بملاءة من الدفء، فتتدفأ الروح، أيها الشفيف. أراك الآن تصدح:
وقت الناس يجونا من البلد
ناعم ترابها علي هديماتن رقد
ريحة التمر فوق الهدوم
لون الخضار خانس لبد
وأرى أمّي وهي:
في الدغش النسايمو يهبهبن
قايمي الصباح متكفلتي
شايلي الحليلي على المراح
جبتي اللبن بي انشراح
والساعة ديك يا دوبو ديكنا بدا الصياح
لم ترَ أمّي، بالقطع، وهي تدخل المراح، تسقي الغنيمات وتحلبهن وتسقينا لبنًا مقننًا مصحوبًا بغنائك. لكنها كانت دائمًا، منذ اكتشافها تلك الأغنية، ممسوسة مثلي بها. كلما دخلت إلى المراح وجدتها تردّدها. كانت الأغنية تصاحبها في كل صباح، كأنها غدت مفتاحًا للصباحات..
يا لصوتك حين يطلّ من المذياع حاملًا تلك الأغنية. أحسّها إحساسًا خاصًا، كأنها متوجّهة إليّ وحدي، لا إلى جمهور برنامج عام لكل الناس. وأجدني في الأمسيات الغريبة، في مهجري، أردد باكية:
وكت الخلوق ترقد تنوم..
بسهر براي أرعى النجوم
وأذكرك لحظتها رديفًا لمحمد صالح، أو كما كان يحلو لنا مناداته: “الشايقي”، الذي كان يعمل في الإذاعة سائقًا. كنت تشكّل ملمحًا أصيلًا في تلك العربة. ينطلق صوتك، ويطلق له محمد صالح العنان، ويردّد معك:
عفارم عفارم
يا شعبًا مسالمًا
يا حرّ الإرادة
جماعي القيادة.. وكتين تصادم
رياحك تقصقص
جناح المظالم
من حقي أغني لشعبي
ومن حق الشعب عليّ
لا بايدك تمنع قلبي
ولا قلبي كمان بايديا
وللحق، فإن قلبي مثلك “ما بايديا”. لذلك تسوقني الكلمات إلى أبعد من مجرد الكلمات، وأراك، نعم أراك، رغم أنني لم أرك في حياتي. لكنني أراك هنا في القلب.. أو لست القائل:
من الصباح نقوم رباح
على الفلاح شداد نصاح
لا علل لا كلل
لا قهر لا غلب
لا رسوم على الكتب
لا فصل بينفصل
أمام طفل
فصل أساسه مكتمل
طفل حفل
حيحتفل
في الحصص روى القصص
عن الوطن..
محبة كاملة للدرس
ولا المعاني بتلتبس
ولا الغناوي تنحبس
غناوي هادفة تلتمس
ظروف مواتية تنعكس
على البلاد نما وغرس
على الولاد لبس لبس
على الشباب عرس عرس
وطن مكانه في الرمش
نمش نباهي بيه الشمس
في كل غنائك، وبكل غنائك، أجدني أستمع وروحي في سرمد لا تعود منه حتى بعد نهاية الأغنيات. تظل تسرح طويلًا وجميلًا.
فأنت، حين تغنّي، تحمل معك الأفئدة، لأنك تعرف كيف تختار المقاطع، وتقف مع ما يتلاءم من ملامح الزمن الجديد، ومع أفضل النصوص التي تتناول الإنسان في ظل الظروف الصعبة والقهرية، وكل ما يشكّل قيمًا إنسانية.
محمد جبارة، أتمنى أن تكون بخير دائمًا..
ولك حبي أبدًا، لأنك تهب الغناء معنى، والكلمة مذاق الأبدية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.