غزّة ليست بخير..

صحيفة الهدف

مصطفى النبيه
روائي وكاتب من فلسطين

ثمة أشياء غريبة تنبت في جسدٍ منهك، ترسم على جثّة مدينة لوحةً تركيبيةً لصوص العصر وهم يلتفون حولها ويمتصون رحيقها.
في غزّة المنسية، هناك أمٌّ تنبش الركام بأظافرها بحثًا عن طفلها، وأبٌ يجرّ قدميه مكسورًا مخذولًا بين الخيام حاملًا وعاءً فارغًا يبحث عما يسد به جوع صغاره، وعروسٌ تجلس أمام فستانٍ لن يُرتدى، تنتظر عريسًا عاد إليها أشلاءً بدل أن يعود إليها عريسًا.
أشياء لا تُحكى بل تُحَسّ، فكيف سيدرك الواقع من لم يعش في قلب الواقع؟
هنا لا يُقاس العمر بالسنوات، بل بعدد المرات التي هربنا فيها من الموت. هنا لا يستيقظ المرء ليرتّب خططه، بل ليسأل: من أين سيأتي بالماء؟ وماذا سيطعم صغاره؟ وهل سيمتد به العمر حتى المساء؟
سنوات ونحن نفتش بين الحياة عن حياة، نحاول إقناع أنفسنا بأن الغد سيكون أقلّ قسوة، لكن كل الأبواب مغلقة. لم نعد نخشى الموت؛ فالموت، على بشاعته، أصبح رفيقًا دائمًا، أما الحياة المعلّقة بين الجوع والخوف والفقد فهي موتٌ مؤقت يتكرّر كل يوم دون أن يكتمل.
كبرت المأساة وأخذنا حصتنا منها وأكثر. كتبنا ورسمنا وصوّرنا واقعنا كما هو، بلا تزييف ولا أقنعة. ولأننا في قفصٍ مغلق نبحث عن جسرٍ يربطنا بالعالم، أخذ بعضهم من وجع غزّة ما لم يكن له.
ومع كل انهيار، تتجمّع تحت الركام الطفيليات؛ فلا يخرج من صلب الحقيقة الضحايا وحدهم، بل يخرج أيضًا المتسلقون الذين يتقنون العيش على حواف المأساة.
أدعياء الوطن والفن والثقافة يلبسون البطولات كما تُلبس الأزياء، يرقصون تحت الأضواء، يلتقطون الصور التذكارية، تُعلّق أسماؤهم على الشاشات، وتُمنح لهم الأوسمة، وتُرفع الكؤوس فوق جسد غزّة النازف.
حملوا حكاياتها كما تُحمل الغنائم، وحملوا جهد المبدعين المحاصرين وأحلامهم التي نضجت تحت القصف والحصار، ثم عادوا بها محمّلين بالتصفيق والجوائز والمجد، وكأنهم صنعوا معجزة. أكلوا لحم غزّة وألقوا لأهلها الفتات، بينما بقي أصحاب الحكايات الأصليون عالقين هنا بين الخيام والركام وطوابير الانتظار، يحلمون بالطعام والماء والأمان.
وفي اتجاهٍ آخر من فنون التسلق والسرقة، أخذ بعضهم المرضى إلى أسواق النخاسة وتاجروا بأوجاعهم. هناك كان المرضى يتعلّمون أن النجاة ليست دائمًا للأشد حاجة، بل أحيانًا للأكثر قدرة على الدفع. دُقت أبواب المزادات، ومات المستضعفون في الأرض وهم ينتظرون دورهم في الحياة.
وتاجروا بكل شيء؛ بالجوع، والخوف، والانتظار. فمئات الأرواح أُزهقت من أجل رغيف خبز هارب. انقضوا على المساعدات، وحصدوا من التبرعات خزائن امتلأت بأكثر مما امتلأت به موائد الأغنياء.
هذا العالم النائم في العسل مولع بصورة واحدة لغزّة؛ غزّة البائسة الباكية التي تعشق الموت وتكره الحياة. صورة تعفيه من رؤية الحقيقة كاملة: حقيقة أن هنا أناسًا أحبّوا الحياة كما أحبّها سائر البشر، وحلموا كما حلم الجميع، وعملوا من أجل مستقبلٍ مبهج، قبل أن تتحوّل حياتهم إلى خبر عاجل ومادة للاستهلاك اليومي.
للأسف، غزّة لم تُنهكها الحرب وحدها، بل أنهكتها أيضًا الأيدي التي امتدت إلى جراحها تبحث فيها عن غنائم.
ولا أحد خارج هذه البقعة يستطيع أن يشعر بحقيقة ما يجري هنا. فالأشياء التي تسكن الروح وتعبر فيها الجراح أعمق من أن تصفها لغات العالم كلها. لقد اعتاد العالم أن يرانا أمواتًا، حتى إن صورنا اليوم لم تعد تهز مشاعره كما كانت.
انتظرنا طويلًا أن تهتز الأرض أمام بكاء صغارنا وخوفهم، وعجز الآباء والأمهات عن حمايتهم، لكن شيئًا لم يتغير.
ومع الوقت، تحوّل وجعنا إلى مادة عرض يومية؛ ألفها المشاهدون وصارت خبرًا عابرًا في ذيل النشرات، وغدا قهرنا مجرد رقم يضاف برتابة إلى سجل الأمس.
لكن المأساة الكبرى لا تقف عند الجوع والحصار والفقد، فحتى وجعنا لم يعد ملكًا لنا.
هنا يُستحضر ذلك المثل القديم: “كُلْ من الخبز حتى تشبع، ولكن إيّاك أن تأكل مقسومًا أو تقطع.”
يُسمح لك أن تجوع بصمت، وأن تتألّم بصمت، وأن تنتظر بصمت، أما أن تسأل: لماذا؟ أو أن تصرخ من شدّة السوط، فتلك جريمة لا تُغتفر.
فالمأساة الكبرى أننا لا نملك حتى رفاهية التعبير عن وجعنا، ولا حق الصراخ من شدّة القهر؛ فخلف كل أنينٍ صادق يخرج من صدورنا المتعبة، ثمّة مشانق تُنصب في الخفاء، وألسنة جاهزة للرجم، يقودها عشّاق السلطة والكرسي، أولئك الذين يرون في بكائنا خروجًا عن النص، وفي شكوانا تهديدًا لعروشهم الواهنة.
حين تُغلق في وجهك النوافذ كلها، وتتحوّل الأيام إلى سلسلة من الإهانات والعجز، يتراجع الخوف من الموت؛ لا لأن الموت صار جميلًا، بل لأن الحياة أصبحت أقسى مما تحتمله الضلوع.
نحن نموت مرّتين: مرّة حين يُسفك دمنا، ومرّة حين نُمنع من البكاء على أنفسنا كي لا تتسخ كراسي الطغاة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.