الأحاجي السودانية.. بين ذاكرة الماضي وأسئلة الحاضر

صحيفة الهدف

ندى أوشي

لم يقف دور الأحاجي في السودان باعتبارها وسيلة للتسلية في أمسيات القرى والحِلّال، بل مثّلت عبر عقود طويلة مؤسسة ثقافية غير مكتوبة، أسهمت في نقل المعارف والقيم والخبرات من جيل إلى آخر. وقبل انتشار التعليم النظامي ووسائل الإعلام الحديثة، أدّت الحكاية الشعبية دوراً محورياً في التنشئة الاجتماعية، فكانت بمثابة مدرسة موازية.. تُعلّم الأطفال وتشكّل وعيهم وتربطهم ببيئتهم ومجتمعهم، وتمنحهم تصوراً مبكّراً عن معنى الخير والشر، والعدل والظلم، والعمل والكسل.
وتصنّف الدراسات الحديثة التراث الشفاهي ضمن مكونات التراث الثقافي غير المادي، الذي يشمل الروايات الشفاهية والأمثال والألغاز والحكايات الشعبية والأغاني التقليدية. وتؤكّد منظمة “اليونسكو” أن هذا النوع من التراث يمثّل أحد أهم الوسائل التي تنقل بها المجتمعات ذاكرتها الجماعية وقيمها الثقافية عبر الأجيال، وتحافظ من خلاله على هويتها واستمراريتها التاريخية.
في السودان، ارتبطت الأحاجي غالباً بجلسات السمر العائلية، حيث تتولى الحبوبات والأمهات مهمّة السرد. ومن خلال شخصيات الحيوانات الناطقة، والأبطال البسطاء، والأطفال الأذكياء، كانت الأحاجي تطرح أسئلة أخلاقية واجتماعية حول الصدق والعدل والشجاعة والعمل والتعاون، وتعيد إنتاج قيم الجماعة في قالب سردي بسيط وممتع.
ويرى الباحثون في الفولكلور أن الحكاية الشعبية تمثّل مرآة للمجتمع الذي أنتجها. فالأحاجي السودانية تعكس البيئة الزراعية والرعوية والنيلية، وتكشف طبيعة العلاقات الأسرية ومكانة المرأة والطفل، وتعبّر عن البنية القيمية للمجتمع التقليدي. ولهذا فهي لا تُقرأ بوصفها قصصاً خيالية فقط، بل بوصفها وثائق ثقافية تساعد على فهم أنماط التفكير الشعبي في فترات تاريخية مختلفة.
ومن الناحية التربوية، تؤكّد دراسات علم النفس التربوي أن الاستماع إلى القصص خلال مرحلة الطفولة يسهم في تنمية اللغة والخيال والقدرة على حل المشكلات والتفكير الرمزي، كما يساعد الأطفال على فهم المشاعر الإنسانية واكتساب القيم الاجتماعية بصورة أكثر فاعلية من التلقين المباشر. ولهذا لعبت الأحاجي دوراً مهماً في بناء الشخصية وتنمية الخيال لدى أجيال متعاقبة من أهل السودان.
وتتعدّد موضوعات الأحاجي السودانية بتعدّد البيئات والثقافات داخل البلاد. فهناك حكايات تدور حول الحيوانات التي تتصرّف مثل البشر، وأخرى تبرز ذكاء الإنسان البسيط في مواجهة الصعاب، أو تحكي عن الطمع وعواقبه، وعن انتصار الخير في النهاية. وقد اشتركت في رواية هذه الحكايات وتداولها مناطق وتكوينات قبلية وثقافية مختلفة، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية للسودانيين. حكايات (فاطنة السمحة وفاطنة الشينة)، و(نبيلة الكسلانة)، و(أم قرون)، و(ود أم برير) و(ود أم بعلو)، وغيرها حكايات شائعة طافت كل بقاع السودان، حاملةً في طياتها قيماً ومعاني إنسانية عميقة.. تحتفي بالخير والحق والجمال الحقيقي، وتمجّد الاجتهاد والعمل في مواجهة الكسل والتراخي.
كما كانت الألغاز الشعبية جزءاً أساسياً من جلسات السمر، حيث يتنافس الأطفال في حلّها وسط أجواء من المرح والتفاعل، فتتعالى الضحكات وتزداد الألفة داخل الأسرة والمجتمع.
غير أن هذا التراث يواجه اليوم تحدّيات متزايدة بفعل التحوّلات الاجتماعية والتكنولوجية، حيث أدّى تراجع المجالس الأسرية التقليدية وصعود الوسائط الرقمية إلى تقلّص مساحة السرد الشفاهي التي كانت البيئة الطبيعية لانتقال الأحاجي من جيل إلى آخر. وتشير الأدبيات المعنية بالتراث الثقافي إلى أن انقطاع هذا الانتقال يهدد بفقدان جزء مهم من الذاكرة الثقافية للمجتمعات.
لذلك لم تعد قضية الأحاجي مجرد حنين إلى الماضي، بل أصبحت قضية حفظ للتراث الثقافي غير المادي، وإعادة إدماجه في الحياة المعاصرة. فهذه الحكايات ليست مجرد قصص للأطفال، وإنما مستودعات للمعرفة الشعبية وخبرات الأجداد ورؤيتهم للعالم، وجزء أصيل من الهوية الثقافية السودانية.
إن إعادة إحياء هذا التراث لا تعني فقط حفظه في الكتب أو الأرشيف، بل تعني استعادته كجزء حيّ من الحياة اليومية، يعاود الظهور في البيوت والمدارس والفضاءات الثقافية، ويجد طريقه إلى الوسائط الحديثة دون أن يفقد روحه الأصلية. فالأحاجي يمكن أن تتحوّل إلى مادة إبداعية قادرة على مخاطبة الجيل الجديد بلغة عصره، دون أن تنفصل عن جذورها الأولى التي نشأت في حضن الحكاية الشفاهية.
وعندما نعيد التفكير في مستقبل هذا التراث، فإننا لا نتحدث عن مجرد ذكريات ثقافية، بل عن مورد إنساني حي يمكن أن يسهم في بناء الوعي وتعزيز الهوية. فالحكاية التي كانت تُروى تحت ضوء القمر في حوش البيت، يمكن أن تستمر اليوم على شاشة صغيرة، دون أن تفقد قدرتها على الإبهار والتربية وإثارة الخيال، شرط أن تُقدَّم بروح تحترم أصلها وتحافظ على معناها العميق.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.