مها عوض الكريم
يُعد بابكر عبد الرحمن بابكر مختار واحدًا من أبرز رواد أدب الطفل والتعليم في السودان، وارتبط اسمه في الذاكرة الثقافية السودانية بابتكار شخصية (عمّك تنقو) التي أصبحت من أشهر الشخصيات التي عرفتها مجلة (الصبيان) وأحبها الأطفال على مدى أجيال متعاقبة.
وُلد بابكر عبد الرحمن عام 1918م بمنطقة مقرات في أبي حمد، وينتمي إلى قبيلة الفادنية. تلقى تعليمه الأولي بمقرات، وكان من زملائه في الدراسة البروفيسور عبد الله الطيب، الذي ظل يذكر نبوغه وتفوّقه العلمي. وقد نقل د.أبو بكر إبراهيم أحمد عن البروفيسور عبد الله الطيب قوله: “إنني لم أرَ طالبًا ذكيًا مثل بابكر عبد الرحمن، وهو الوحيد الذي لم أستطع تخطيه كأول للفصل طيلة فترة دراستي في مقرات”.
التحق بعد ذلك بأول دفعة في معهد التربية ببخت الرضا، وتخرّج معلّمًا عام 1937م. وكان من بين أوائل دفعته إلى جانب الأساتذة عبد اللطيف عبد الرحمن وأحمد الطيب عبد الحفيظ، الأمر الذي أهّله للعمل في بخت الرضا تقديرًا لتفوّقه وتميّزه الأكاديمي.
انخرط بابكر في سلك التعليم، ثم انتُدب عام 1946م للعمل محرّرًا بمكتب النشر التربوي في الخرطوم، وهو المكتب الذي لعب دورًا محوريًا في تطوير الكتاب المدرسي وأدب الأطفال في السودان. وخلال تلك الفترة أثرى مكتبة الطفل بعدد من الأعمال القصصية المهمة، من بينها: (قصر الذهب)، و(صديق الرهو)، و(الكلب جرقاس)، و(السراب وحمامة)، و(أحلام زلوط)، وهي القصة التي حظيت بانتشار واسع حتى أصبحت عنوانًا معروفًا في الثقافة الشعبية.
كما أسهم في مجال محو الأمّية بتأليف كتابي (باب المعرفة) و(مفتاح المعرفة)، اللذين استُخدما في برامج التعليم ومكافحة الأمّية.
ومع صدور مجلة (الصبيان) عام 1946م، بزغت واحدة من أهم إسهاماته الثقافية حين ابتكر شخصية (عمّك تنقو)، وهي شخصية شعرية طريفة خاطبت الأطفال بلغة بسيطة ومحبّبة. وقد استوحى اسمها من أحد طلابه في بخت الرضا، وهو المرحوم عثمان محمد أحمد تنقو، بعد أن استأذنه في استخدام اسمه للشخصية الخيالية.
سرعان ما تحوّلت شخصية (عمّك تنقو) إلى ظاهرة ثقافية وأدبية في مجلة (الصبيان)، وأصبحت من أكثر موادها شعبية وانتشارًا. واستمر بابكر في كتابة أشعارها حتى مغادرته دار النشر في أواخر الأربعينيات. وقد تعاقب على رسم الشخصية عدد من الفنانين، منهم آدم عيسى وسر الختم عبد الكريم، قبل أن يتولى الفنان شرحبيل أحمد رسمها في مرحلة لاحقة.
وكانت البدايات الأولى لأشعار (عمّك تنقو) مستوحاة من محيطه الأسري؛ إذ ظهرت فيها أسماء من أفراد أسرته، ومن ذلك ابنته الكبرى خديجة، وكنيته لزوجة تنقو باسم (العازة) التي استوحاها من زوجته المرحومة عائشة الطيب بابكر.
وفي أواخر أربعينيات القرن الماضي عاد بابكر عبد الرحمن إلى ميدان التعليم، فعمل في عدد من المؤسسات التعليمية والمدن السودانية، من بينها معهد التربية بالدّلنج، ومدينة سنجة، وحلفا القديمة، قبل أن يتدرّج في السلم الوظيفي حتى أصبح “باش مفتش” التعليم بالمديرية في مدينة الدامر.
وفي إطار تطوير خبراته المهنية، ابتُعث إلى الجامعة الأمريكية في بيروت خلال الفترة من 1964م إلى 1965م في دورة تدريبية متخصّصة، برفقة عدد من الشخصيات السودانية البارزة، من بينهم حسن نجيلة، وجمال محمد أحمد، والصحفية بخيتة أمين.
وفي عام 1967م نُقل إلى رئاسة وزارة المعارف بالخرطوم، حيث شغل منصب نائب وكيل أول وزارة المعارف، وكان مسؤولًا عن التعليم الابتدائي في مختلف أنحاء السودان، وهو موقع يعكس الثقة الكبيرة التي حظي بها وخبرته الطويلة في المجال التربوي.
ظل بابكر عبد الرحمن يؤدي رسالته التعليمية والثقافية حتى وفاته في 12 نوفمبر 1971م عن عمر ناهز 52 عامًا. وبرحيله فقد السودان أحد أعلام التربية وأدب الطفل، غير أن إرثه ظل حيًا في ذاكرة الأجيال، خاصة من خلال شخصية (عمّك تنقو) التي تحولت إلى جزء أصيل من وجدان الطفولة السودانية، وإلى علامة مضيئة في تاريخ النشر التربوي والثقافي في البلاد.

Leave a Reply