كلمة العدد: كأس العالم.. وازدواجية المعايير

صحيفة الهدف

انتشر مقطع فيديو للناشطة وصانعة المحتوى الرومانية نيكول جينيس، وهي تضع إصبعها على واحدة من أكثر القضايا حساسية في الخطاب الغربي المعاصر: ازدواجية المعايير في التعامل مع بطولات كأس العالم حين يتعلق الأمر بحقوق الإنسان.
تقول الناشطة، بأسلوب ساخر قريب من الكوميديا السوداء، إن الحملة الإعلامية والسياسية التي استهدفت مونديال قطر 2022 بذريعة “حقوق الإنسان” بدت صارمة وحادّة إلى درجة غير مسبوقة، بينما غابت النبرة ذاتها تمامًا مع النسخة الحالية في الولايات المتحدة. وكأن المعايير الأخلاقية ليست ثابتة، بل تُفعّل وتُعطّل بحسب الدولة المستضيفة وموقعها السياسي في النظام الدولي.
هذه الملاحظة تفتح سؤالًا يتجاوز كرة القدم: هل تُستخدم حقوق الإنسان كقيمة كونية فعلًا، أم كأداة انتقائية في إدارة الصورة والضغط السياسي؟
ففي مونديال قطر 2022، تحوّل ملف حقوق الإنسان إلى محور مركزي في التغطيات الغربية، وامتدت الانتقادات من قضايا العمال والبنية الاجتماعية إلى نمط الحياة والثقافة المحلية، في خطاب اقترب أحيانًا من المحاكمة أكثر من النقد. بينما تمر النسخة الأمريكية الحالية بقدر أقل من الجدل الأخلاقي، رغم استمرار ملفات معقدة تتعلق بالهجرة، والعدالة الاجتماعية، وسياسات الأمن، وتعاملها مع الجماهير القادمة من خارج الغرب.
وتلفت الناشطة إلى جانب أكثر حساسية في التجربة الحالية: طريقة التعامل مع بعض المنتخبات والجماهير، خصوصًا من الأقطار العربية وإيران، حيث تتداخل الإجراءات الأمنية مع الاعتبارات السياسية في تشكيل تجربة المشجع، بما يجعل البطولة مساحة تنظيمية محكومة بقدر من الرقابة والتدقيق.
هنا تتضح المفارقة: حين تكون البطولة خارج الغرب يُرفع سقف الخطاب الحقوقي إلى أقصاه، وتُستحضر اللغة الأخلاقية بكثافة عالية، بينما تتراجع هذه اللغة داخل الغرب لصالح أولويات الأمن والتنظيم، وتُدفن الأسئلة الحقوقية في التفاصيل الإجرائية.
هذه الازدواجية لا تتعلّق بكرة القدم فقط، بل بطريقة إنتاج الخطاب الدولي نفسه، حيث لا تُقاس القضايا دائمًا بموضوعها، بل بموقعها السياسي والجغرافي.
ومن هنا يصبح كأس العالم مساحة لقياس كيفية توظيف القيم: ففي حالة قطر جرى تضخيم ملف الحقوق ليصبح الإطار الحاكم للتقييم، بينما في الحالة الأمريكية تُجزأ القضايا وتُدار إداريًا بعيدًا عن الطابع الأخلاقي الشامل.
وفي خلفية هذا الجدل يبرز سؤال أوسع: هل تُمارس “حقوق الإنسان” كمعيار ثابت، أم تتحوّل في كثير من الحالات إلى لغة انتقائية تُستخدم وفق خرائط السياسة والمصالح؟
بين قطر 2022 والولايات المتحدة 2026، لا يتغيّر الحدث الرياضي فقط، بل تتغيّر أيضًا طريقة الحديث عن العدالة نفسها.. ومن يُسأل، ومن يُتجاوز سؤاله.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.