حين تتحول المشاركات الرياضية الخارجية إلى عبءٍ على الوطن قراءة نقدية في أزمة إعداد كرة القدم النسائية السودانية

صحيفة الهدف

د. أبوالقاسم الطاهر الفاضلابي
تربوي وأكاديمي رياضي

في الرياضة الحديثة، لا تُقاس قيمة المشاركات الخارجية بعدد المباريات التي تُلعب، وإنما بمدى جاهزية الفرق وقدرتها على تمثيل أوطانها بصورة تحفظ كرامة المنافسة وتعكس حجم العمل الذي سبق الظهور القاري أو الإقليمي. ولذلك فإن ما شهدته مشاركة منتخب السودان للسيدات تحت (17) عاماً في تصفيات لوس أنجلوس وبطولة منطقة شرق ووسط أفريقيا (سيكافا)، يفرض على الأسرة الرياضية السودانية وقفة مراجعة جادة ومسؤولة، بعيداً عن الانفعال، وقريبة من روح النقد البنّاء الذي يبحث عن الحلول أكثر من بحثه عن إلقاء اللوم.

لقد كشفت النتائج الثقيلة التي تعرض لها المنتخب خلال فترة زمنية قصيرة عن فجوة كبيرة بين متطلبات المنافسة القارية وبين واقع الإعداد الذي سبق المشاركة. والأمر لا يتعلق بالخسارة في حد ذاتها، فالرياضة تعرف الفوز والخسارة، وإنما يتعلق بحجم الفوارق الفنية والبدنية والنفسية التي ظهرت بصورة لا تخطئها العين، حتى انتهى الأمر بتوقف إحدى المباريات لعدم اكتمال العدد القانوني داخل الملعب، وهو مشهد مؤلم لكل من يؤمن بأن الرياضة رسالة وطنية قبل أن تكون مجرد نتائج وأرقام.

هل كانت المشاركة جاهزة؟

إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس: لماذا خسر المنتخب؟ بل: هل تم توفير الحد الأدنى من متطلبات الإعداد قبل اتخاذ قرار المشاركة؟ وهل خضعت اللاعبات لبرامج تدريبية وتأهيلية كافية تمكنهن من مجابهة منتخبات تمتلك خبرات تراكمية ومشروعات تطوير مستمرة لسنوات طويلة؟

فالمنتخبات الوطنية ليست ساحات للتجريب، ولا ينبغي أن تتحول البطولات الرسمية إلى محطات لاكتشاف النواقص الأساسية في الجوانب الفنية أو البدنية أو الذهنية. وعندما تُدفع لاعبات صغيرات السن إلى منافسات بهذا الحجم دون إعداد متكامل، فإن الخسارة لا تكون فنية فقط، بل تمتد آثارها إلى الجانب النفسي والثقة بالنفس والشعور بعدم القدرة على المنافسة مستقبلاً.

اللاعبات لسن المسؤولات

ومن الواجب التأكيد على أن اللاعبات أنفسهن لا يتحملن مسؤولية هذه النتائج. فهن اجتهدن وارتدين شعار الوطن وواجهن ظروفاً تفوق إمكاناتهن وخبراتهن الحالية. ولذلك فإن توجيه النقد إليهن يُعد ظلماً مضاعفاً.

أما المسؤولية الحقيقية فتبدأ من منظومة التخطيط والإعداد وصناعة القرار الرياضي، حيث يجب أن تسبق المشاركة رؤية واضحة وأهداف قابلة للقياس وبرامج إعداد تتناسب مع مستوى المنافسة.

مراجعة شاملة لكرة القدم النسائية

كما أن هذه التجربة تفتح الباب أمام مراجعة شاملة لواقع كرة القدم النسائية في السودان. فبناء المنتخبات لا يبدأ قبل البطولة بأسابيع أو أشهر قليلة، بل يبدأ من المدارس والأكاديميات والمسابقات المحلية المنظمة وبرامج اكتشاف المواهب والتأهيل المستمر للمدربين والإداريين والحكام. وهذه هي القاعدة التي بنت عليها الدول المتقدمة نجاحاتها الحالية.

إن المال والوقت والجهد الذي يُصرف على المشاركات الخارجية يجب أن يقابله عائد فني وتربوي واضح. أما الاكتفاء بشعار “الاحتكاك واكتساب الخبرات” دون وجود أساس فني متين، فإنه يجعل من الاحتكاك نفسه تجربة قاسية قد تأتي بنتائج عكسية على المدى البعيد.

ثقافة التقييم لا التبرير

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج الرياضة السودانية إلى ثقافة التقييم والمحاسبة المؤسسية، لا ثقافة التبرير. وتحتاج إلى تقارير فنية شفافة توضح للرأي العام ما الذي حدث، وما هي الدروس المستفادة، وما هي الإجراءات التي ستُتخذ لضمان عدم تكرار مثل هذه المشاهد مستقبلاً.

فالمنتخبات الوطنية ليست ملكاً لأفراد أو مؤسسات بعينها، وإنما هي واجهة لوطن بأكمله. ومن حق الجماهير أن تعرف، ومن واجب المؤسسات الرياضية أن تراجع، ومن مسؤولية الجميع أن يعملوا حتى لا تتحول المشاركات الخارجية إلى مصدر للإحباط، بل إلى محطات حقيقية لبناء المستقبل.

ختاماً.. من المسؤول؟

إن ما حدث يجب أن يكون بداية إصلاح، لا مجرد خبر عابر في أرشيف النتائج. فالأوطان الكبيرة لا تُقاس بعدد الإخفاقات التي تتعرض لها، وإنما بقدرتها على التعلم منها وتحويلها إلى فرص للتطوير والنهوض.

وسؤال المسؤولية لا ينبغي أن يُطرح بحثاً عن كبش فداء، بل بحثاً عن إصلاح حقيقي يعيد ترتيب الأولويات ويضع مصلحة الرياضة السودانية فوق كل اعتبار. فالمسؤولية هنا جماعية، تبدأ من مؤسسات التخطيط والإدارة، ولا تنتهي عند الجهات المشرفة على الإعداد والتنفيذ.

أما اللاعبات، فهن أولى بالدعم والرعاية، لأنهن حملن راية الوطن في ظروف صعبة، ويستحققن أن يجدن منظومة رياضية تمنحهن فرصة عادلة للمنافسة وتمثيل السودان بالصورة التي تليق به.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.