موريتانيا الثقافية: إرثٌ أعمق من المؤسسات

صحيفة الهدف

راما عبد الله

حملت الأخبار قبل أيام خبر الإعلان عن تأسيس اتحاد للمؤلفين الموريتانيين، حيث أعلن في نواكشوط عن تأسيس (اتحاد المؤلفين الموريتانيين – إمام) في خطوة تهدف إلى دعم حركة التأليف والبحث العلمي في موريتانيا، وتشجيع النشر وإحياء التراث الثقافي الوطني.
من الوهلة الأولى يبدو الخبر إداريًا في صياغته، لكنه في عمقه يكشف عن حاجة أقدم من المؤسسة نفسها، حاجة بلدٍ ظلّ يكتب معرفته خارج الأطر الحديثة، ويعيش بين إرثٍ علمي كثيف لم ينقطع، وبين واقع ثقافي معاصر ما زال يبحث عن أدواته التنظيمية. فموريتانيا، في جوهرها، ليست بلدًا فقيرًا في الثقافة كما قد توحي الصورة السطحية، بل بلدٌ مثقل بالمعرفة، لكن هذه المعرفة ظلّت تاريخيًا تتحرك في مسارات مختلفة عن النموذج المؤسسي الحديث، حيث لعبت المحظرة دور الجامعة، والكتاب دور المؤسسة، والشيخ دور الأكاديمي، في منظومة متكاملة صنعت شخصية ثقافية خاصة ومتماسكة..
هذا العمق التاريخي ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو المفتاح لفهم طبيعة الحاضر. فالمشهد الثقافي الموريتاني لم ينقطع يومًا، لكنه ظل يعمل غالبًا خارج البنية التنظيمية الصلبة التي تنقل الإنتاج الفكري من المجال المحلي إلى الفضاء العربي والدولي. ولذلك، حين نتحدث اليوم عن اتحاد للمؤلفين، فنحن لا نتحدث عن بداية من الصفر، بل عن محاولة لتأطير ما هو موجود أصلًا، وإعادة ترتيب حركة معرفية كانت تعمل بشكل فردي ومتفرّق.
فعلى المستوى التنظيمي، تشير التجربة الموريتانية إلى وجود طبقات ثقافية متعدّدة: إطار رسمي تمثّله وزارة الثقافة، واتحادات أدبية تقليدية مثل اتحاد الأدباء والكتاب، إلى جانب حراك متزايد من المبادرات المستقلة والمهرجانات والملتقيات الأدبية. غير أن هذه الطبقات، رغم حضورها، لا تزال تعاني من تشتّت في الفعل وضعف في التكامل، وهو ما يجعل الأثر الثقافي أقل اتساعًا من حجم الإنتاج الفعلي.
في المقابل، برز خلال السنوات الأخيرة نشاط ثقافي أكثر حيوية، تمثّل في تنامي معارض الكتب في نواكشوط، واتساع الفضاء الشعري، وعودة الاهتمام بالنصوص الأدبية والدراسات اللغوية، إضافة إلى حضور متزايد للأصوات الشابة التي تحاول إعادة قراءة التراث الموريتاني بعين معاصرة، دون القطيعة مع جذوره. هذا الحراك، وإن كان لا يزال محدودًا من حيث البنية المؤسسية، إلا أنه يشير إلى تحوّل تدريجي في وعي الثقافة نفسها.
وتُظهر المعطيات العامة أن الدولة الموريتانية باتت أكثر إدراكًا لأهمية الثقافة كجزء من الهوية الوطنية ومن أدوات القوة الناعمة، مع تأكيدات رسمية متكرّرة على دعم الإبداع وتعزيز النشر وتطوير العمل الثقافي، حتى وإن ظل التنفيذ العملي بحاجة إلى مزيد من البنية التحتية الثقافية المستقرة. فالمشكلة ليست في غياب الخطاب، بل في ضعف التحوّل من الخطاب إلى صناعة ثقافية متكاملة، فالثقافة اليوم صناعة..
أهمية الاتحاد الجديد تتجلى في أنه يحاول معالجة واحدة من أعمق الإشكالات: غياب التنظيم المهني القادر على تحويل الكتابة من فعل فردي إلى حركة جماعية. فالثقافة، مهما كانت غنية، تظل مهدّدة بالتشتت إذا لم تُحط بإطار يحفظ إنتاجها، ويوفّر لها قنوات النشر، ويمنحها قدرة على الوصول إلى القارئ داخل موريتانيا وخارجها.
أما على مستوى العلاقة مع الفضاء العربي، فما يزال الحضور الموريتاني بحاجة إلى تعزيز أكثر انتظامًا. فهناك إنتاج فكري معتبر في مجالات الشعر والدراسات الإسلامية واللغة العربية، لكنه لا يصل دائمًا إلى مراكز التلقّي العربية الكبرى بالزخم نفسه. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن لثقافة بهذا العمق التاريخي أن تتحوّل إلى فاعل حاضر في المشهد العربي، لا مجرد ذاكرة علمية بعيدة عنه؟
إن الإجابة لا تكمن فقط في جودة الإنتاج، بل في بنية التنظيم نفسها: دور نشر قوية، شبكات توزيع، حضور مستمر في معارض الكتب العربية، وتبادل ثقافي منظّم لا يعتمد على المبادرات الفردية وحدها. فالثقافة اليوم لم تعد تُقاس بما تُنتجه فقط، بل بما تستطيع أن تفعله بهذا الإنتاج في فضاء التداول العام.
ومن هنا، يمكن النظر إلى تأسيس اتحاد المؤلفين الموريتانيين بوصفه خطوة في اتجاه إعادة ترتيب هذا المشهد، لا بوصفه حلًا نهائيًا، بل كبداية ضرورية في مسار طويل. فإذا ما كُتب له الاستمرار والتطوير، فقد يشكل هذا الاتحاد نقطة تحوّل في العلاقة بين الكاتب والمؤسسة، وبين الإنتاج المحلي والفضاء العربي الأوسع.
موريتانيا اليوم أمام لحظة ثقافية دقيقة: إرث غني لا يحتاج إلى إثبات، لكن يحتاج إلى تنظيم؛ وحاضر يتحرّك ببطء نحو التحديث، لكنه ما يزال في طور التشكّل؛ ومستقبل يعتمد على قدرة هذه المبادرات على التحوّل من إعلان إلى مشروع، ومن فكرة إلى بنية ثقافية فاعلة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.