عبد المنعم مختار
في أقصى الغرب، حيث تنتهي اليابسة الإيرلندية كأنها تتردّد قبل أن تذوب في اتساع الأطلسي، ويبدأ البحر رحلته الطويلة نحو المجهول، لم يعد المكان مجرد جغرافيا، بل سؤالٌ مفتوح عن معنى أن يعبر الرمز جذوره الأولى ويرحل.
هناك، وقف حنظلة من جديد.
الأمر مجرد انتقال من سياق لأو مكان إلى آخر، انزياح الذاكرة نفسها من جدارها الأول إلى فضاء أكثر اتساعًا.. هكذا الرموز، حين تُختبر في غربتها القصوى، تكشف ما كان مستترًا فيها من قدرة على البقاء خارج موطنها الأصلي، وعلى الاستمرار حتى حين تُقتلع من تربتها الأولى، دون أن تتغيّر في جوهرها أو تفقد سماتها وصفاتها الأولى.
هناك، فوق جزيرة إينيس أوير، بدا حنظلة كأنه لا يُنقل بل يُستدعى. لا يُصنع كتمثال، بل يُعاد تشكيله بوصفه فكرة تبحث عن مكان جديد. وفي لحظة تدشين العمل الفني الذي أنجزته الفنانة الإيرلندية بيلولوكا، لم يكن التمثال مادة من طين وصخر، كان نقطة التقاء بين ذاكرة بعيدة وضمير يطلّ من جهة أخرى من العالم.
إنه انتقال من الرسم إلى الكتلة، ومن الخط إلى الصلابة، لكن دون أن يفقد هشاشته الأصلية. فحتى حين يتحوّل الرمز إلى حجر، يظل محتفظًا بشيء من ارتجافه الأول، وكأنّ المادة لا تكتمل إلا بما تحمله من معنى غير مكتمل..
إيرلندا في المشهد ليس خلفية جغرافية، هي طبقة من المعنى؛ مكان يعرف بدوره معنى الذاكرة الثقيلة، ومعنى أن تكون الأرض شاهدة على تاريخ طويل من الألم والصمود. وهكذا يتجاور جرحان، ويفتحان بينهما مساحة رمزية لفهم أبعد من السياسة وأقرب إلى الإنسان.
وحين تقف الفنانة بيلولوكا أمام عملها، معلنة أنها تهديه إلى أطفال غزّة الذين غابوا تحت النار، فإن الفعل يتجاوز حدود النحت إلى معنى أوسع من الوفاء واستيقاظ الضمير. يصبح الفن حينها محاولةً لإبقاء الغياب مرئيًا، وشحذ الذاكرة لتُقاوم النسيان عبر تحويل الفقد إلى حضورٍ رمزيّ لا ينطفئ.
حتى التصدّع الذي أصاب إحدى قدمي التمثال أثناء العمل، ثم بقاؤه واقفًا، يبدو وكأنه جزء من اللغة ذاتها: لغة تقول إن الصمود ليس حالة نقاء، بل شكل من أشكال الاحتمال المستمر للهزيمة دون السقوط.
وهكذا، لا يعود حنظلة مجرد شخصية معروفة بملامحها الصامتة، بل كائنًا رمزيًا يعبر المسافات.. ليبقى شاهدًا على أن المسافة نفسها صارت جزءًا من المعنى، وأن الوجود أحيانًا لا يُقاس بالوصول بل بالقدرة على البقاء في حالة تعليق بين الألم والرفض.
وفي نهاية الامتداد بين الأطلسي وفلسطين، هناك، بين الحجر والذاكرة، يعود السؤال القديم وقد صار أكثر إلحاحًا وأقل قابلية للإجابة: متى ينتهي الظلم.. متى يعود حنظلة إلى فلسطين؟

Leave a Reply