أحمد مختار
(1)
ظل الوجدان الشّعبي السُّوداني قوياً ومتماسكاً رغم الحروب الطويلة والتّحديات الكبيرة التي واجهها، ولكن في الحرب الجارية الآن ارتفعت وتيرة الاستهداف بشدّة غير مسبوقة. وبالعودة للتاريخ، لابد من الاقرار أن النخب التي تولّت الحكم من عسكريين وسياسيين عجزت عن القيام بواجبها في بناء مؤسسات بحجم القيم الباذخة التي تُشكّل ذلك الوجدان، وباستثناء الفنون الغنائية وأدوات الإبداع الثّقافية والتّراثية، فشلت الحكومات المتعاقبة في ربط أجزائه الواسعة بوسائل مواصلات تقليدية سكك الحديد، وطُرق المسفلتة، بل دمّرت ما خلّفه الاستعمار من تلك الوسائل، وتلك كانت أسوأ اخفاقاتها.
(2)
ورغم التّاريخ المشترك والتداخل القبلي والإثني، والهجرات الواسعة، والزّيجات، والشراكات التّجارية، والتّصاهر بين المجموعات السُّكانية، والذي تُمثّل أم درمان الثّورة المهدية نموذجاً ناصعاً له، لم تسع الحكومات ونخبها لتسوير هذا الواقع بمؤسسات راسخة تحميه من التّصدع، وتقلبات السياسة والحروب ليحافظ أهل السُّودان على مشتركات حياتهم وتاريخهم أمام الهندسة الاجتماعية والتّفتيت الذي مارسته الانقاذ منذ أيامها الأولى،لصالح مشروعها الذي لايؤمن بالأرض ولا بالحدود والجغرافيا، و ولكن عامة الشّعب قاومت تلك المؤامرة وتجلّى ذلك خلال ثورة ديسمبر 2019م وهتافها الباذخ (يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور) الذي عبّر بحق عن وجدان الأجيال الجديدة، وكان أبلغ رد على السياسات التي ظلت تغذي العنصرية لمدة 30 عاماً.
(3)
خرج الشّعب فيها موحداً، معافى الوجدان إلى حدِِ ما ورفض التّقسيم و دعوات الانفصال التب تفيض بها (السوشيال ميديا) لم يتبناها سوى أفراد، حتى في مناطق النزاع الممتد منذ العام 1984م. إن حديث الناس الدائم عن السُّودان الواحد وخشية فقدانه، يعكس مزاج شعبي رافض للتقسيم وقلقهم على مستقبلهم، وقد أثبت الشّعب السُّوداني في كل اللّحظات الفارقة، في تاريخه أنّه أكثر وعيًا ونضجًا من كثير من نخبه وحكامه، و لكنه لا يمكن أن يتحمّل عبء التّضحيات إلى الأبد دون نتائج.
(4)
ولذلك تبقى محطّة الحكومة المدنية والنّظام الديمقراطي المستقر والسّلام الدائم، هى ثمن تلك التّضحيات والأرواح الغالية، والدماء الغزيرة التي سالت.
إنّ خطورة الحرب تتبدى في أنها حوّلت خطاب الكراهية من تعبير لفظي إلى سلاح استراتيجي لتفكيك الوجدان، والفضاء الرقمي إلى ساحة حروب قبيلة تنشر محتوىً تحريضياً يضخّم الفوارق ومظاهر التّنوع إلى درجة بعيدة، وصلت نسبتها إلي 55% في المنشورات التي تتبنى خطاب الكراهية العرقي والقبلي، وتجرّد الآخر المختلف من إنسانيته، ومن حقه في الاختلاف، ووصفه مجموعات كبيرة ومؤثرة من مكونات الشعب السُّوداني بالفيروسات والحشرات، لتبرير العنف ضدها، ولم تغب سردية المناطق والاتجاهات الجغرافية، في تصوير صراع المصالح والمطامع، كأنه حرب جهوية، لتعميق الانقسام وتبرير دعوات فصل وتفتيت الوطن إلى دويلات عرقية متناحرة، مما يشكّل تهديد مباشر لبناء السلام والاستقرار.
(5)
فخطاب الكراهية المنفلت، يعمّق الانقسامات ويضعف الثقة في المؤسسات المدنية، ويعزز الاعتماد على القبيلة والمنطقة كملاذات حماية للاطراف المتصارعة التي لا تملك أي إجابات شافية للأزمة الوطنية، وتلك هى مشكلة في النخب العسكرية التي حكمت، بلا مشروع وطني منذ الاستقلال 1956م، وظلّت عاجزة عن صياغة مشروع وطني جامع لأهل السُّودان، ومهووسة بالصّراع على السّلطة والثروة، وفاقدة للرؤية، وتُدير الدولة بالعلاقات الأسرية، وتتصارع في المؤسسات الحكومية، وكل تيار يعمل بأجندة طائفية أو أيديولوجية أو جهوية، لا تتّفق حتى على معنى المواطنة والوطن والمصير الواحد والوجدان المشترك، وكثير من المثقفين تواطأ مع العسكر في لحظات مفصلية، وأجهضوا تجارب التّحول الديمقراطي.
(6)
أدى تراكم الظُّلم الاجتماعي وغياب التّنمية المتوازنة وفُرض مفاهيم أحادية للثّقافة والدين، في بلد متنوع واهمال الأطراف، إلى غبن واسع في الاقاليم والأطراف البعيدة، وهى تختزن في عمق ذاكرتها سياسة المناطق المقفولة 1922م وتجارة الرقيق،التي ورّثتنا هذا الاستقطاب الحاد والتّنافر المسكوت عنه، لتحتكر النّخب العسكرية والمدنية وظائف الدولة والكليات العسكرية لمجموعات محددة،
(7)
تلك الاختلالات
وغياب المسؤولية في زمن الانكسار الوطني، انكفأت النخب على خلافاتها وانساقت وراء الاستقطابات والتكتيكات القصيرة والمعارك الوهمية، ففقدت القدرة على التأثير وضعفت ثقة المواطن في الحكومات والأنظمة وكانت نتيجة ذلك الحروب المتطاولة ومشاريع التفتيت التي ترعاها محاور إقليمية ودولية، في ظل غياب المشروع الوطني الجامع المؤجل منذ عقود طويلة.
والسُّؤال هل لا يقبل الشعب بعضه، أم أن النخب وأصحاب المطامع والمصالح هم الذين يعملون من أجل ذلك بتخربب وجدانه الصُّلب، وتهشيم ذاكرة التّعايش الطويلة، وتشويه تجربة ثورتة الموحّدة؟
(8)
المؤكد أن هناك رفض شعبي واسع لتقسيم وتجزئة الوطن، والمواطنون في كل أجزائه هم المتضررون من الحرب ويريدون السّلام والأمن والاستقرار والعدالة والحرية مع الوحدة، والمجموعات التي تسوّق خطاب الكراهية، وتوظّفه هى التي تسعي للانفصال والتقسيم، لأنه يخدم مصالحها الخاصة، وقد فشلت منذ 70 سنة في بناء دولة مواطنة ترعي حقوق المواطن السُّوداني بعدالة وبلا تمييز، وهي التي تتلاعب وتعبث بقضايا المواطنين وترفض معالجة جذور الأزمة، ليسهل السيطرة على المواطن، إن الوجدان الشعبي قوي ومقاوم، لكنه يُستنزف كل يوم تحت قصف خطاب الكراهية المُمنهج الذي تقوده مجموعات ومليشيات مستفيدة من هذا الواقع المأساوي المؤلم.

Leave a Reply