من الرفقة إلى الرسالة: الرفاقية بوصفها أخلاق النضال والأمة العربية في الفكر البعثي

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليست الرفاقية في الفكر البعثي مجرد علاقة تنظيمية بين أفراد ينتمون إلى حزب واحد، ولا مجرد رابطة سياسية تجمع أصحاب موقف أو مشروع مشترك. فالانتماءات السياسية يمكن أن تنشأ وتزول، والتحالفات قد تتبدل بتبدل المصالح والظروف، أما الرفاقية الحقيقية فهي حالة إنسانية وأخلاقية أعمق من ذلك بكثير، فإنها علاقة تنشأ حين تلتقي الأرواح حول فكرة كبرى، وتتوحد الإرادات حول رسالة تتجاوز الأفراد إلى الأمة العربية والتاريخ. ولهذا لم يكن غريباً أن يردد الشهيد القائد صدام حسين في وصف علاقته بالرفيق المجاهد عزة إبراهيم الدوري عبارته الشهيرة: (اجعله في عيني وأغمض عليه جفوني). هذه العبارة ليست مجرد تعبير عن المحبة أو الثقة الشخصية، بل هي تلخيص مكثف لمعنى الرفاقية كما يفهمها المناضلون أصحاب الرسالات الكبرى. فالعين هي موضع الحراسة والانتباه والرؤية، والجفون هي موضع الحماية والرعاية. وحين يطلب الإنسان أن يكون رفيقه في عينه وأن تغمض عليه جفونه، فإنه يعلن أن هذا الرفيق أصبح جزءاً من مسؤوليته الأخلاقية وامتداداً لذاته وقضيته.
فالعلاقة الرفاقية إنها ميثاق أخلاقي ونضالي يقوم على الثقة المتبادلة، والصدق، والإخلاص للفكرة، والاستعداد لتحمل المشقة معاً. فالرفيق الصميمي لا يقف إلى جانب رفيقه في لحظات النجاح فقط، بل يُعرف عند المحن والشدائد، حين تصبح التضحية معياراً للانتماء، ويصبح الوفاء امتحاناً للضمير قبل أن يكون التزاماً تنظيمياً. ولهذا كانت الرفاقية في التجربة البعثية علاقة تتجاوز حدود المصلحة الشخصية إلى شعور عميق بالمسؤولية المشتركة تجاه الأمة ورسالتها. فالرفيق لا يرى في رفيقه منافساً على موقع أو نفوذاً، بل شريكاً في حمل الأمانة التاريخية. ومن هنا كانت الرفاقية تتطلب جملة من القيم الأساسية: الثقة، والصراحة، والنقد الأخوي، واحترام التضحيات، والاستعداد لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. فكلما ضعفت هذه القيم تحولت التنظيمات إلى تجمعات مصالح، وكلما ترسخت تحولت إلى مدارس للنضال وصناعة التاريخ، فإنها علاقة تتجاوز حدود الصداقة التقليدية إلى مرتبة المشاركة في المصير. فالرفاق البعثيون الصميميون لا يجمعهم الطريق فقط، بل يجمعهم الاستعداد لدفع ثمن الطريق.
ومن هنا نفهم لماذا ارتبط مفهوم الرفيق في تاريخ النضال العربي بمعاني التضحية والوفاء والثبات. فالرفيق ليس من يسير معك عندما تكون الظروف مواتية، بل من يبقى حين تصبح الطريق شاقة، وحين تتكاثر المحن وتضيق الخيارات.
ومن منظور فلسفي أعمق، فإن الرفاقية تنبع من حقيقة إنسانية أساسية، وهي أن الإنسان كائن لا يكتمل وحده. فكل مشروع كبير في التاريخ كان ثمرة عمل جماعي تجاوز حدود الفرد الواحد. ولهذا فإن الرفيق ليس مجرد مساعد في الطريق، بل هو جزء من المعنى الذي يمنح الطريق قيمته. فالإنسان قد يتحمل المشقة منفرداً، لكنه يجد في الرفقة ما يحول المعاناة إلى رسالة، والخسارة إلى تضحية، والطريق الطويل إلى أمل مشترك. ولهذا فإن القرآن الكريم نفسه رسخ قيمة الصحبة والرفقة في أعلى صورها الإنسانية والإيمانية. قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، (سورة التوبة، الآية 40).

في هذه الآية العظيمة لا يظهر معنى الصحبة بوصفه علاقة اجتماعية فقط، بل باعتباره مشاركة في الخطر والمصير والثبات. ففي أحلك اللحظات كانت الرفقة سنداً معنوياً يواجه الخوف ويمنح القوة على الاستمرار. وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، (سورة الكهف، الآية 28). وكأن القرآن يقرر أن الإنسان لا يصنع مصيره منفرداً، وأن الرسالات الكبرى لا يحملها أفراد معزولون، بل جماعات مؤمنة بقضيتها، متماسكة في محنتها، متعاونة في مسيرتها.
كما إن في التراث العربي القديم كانت الرفقة من أعظم القيم الأخلاقية. ولعل التاريخ العربي يقدم نماذج مبكرة لمعنى الرفاقية في أرقى صورها. فقد ارتبطت بطولات التحرر العربي عبر العصور بروابط الثقة والوفاء بين الرجال الذين حملوا همّ الأمة العربية. ولم تكن تلك الروابط قائمة على المصلحة، بل على الإيمان المشترك بقضية أكبر من الأفراد. ولهذا بقيت بعض المواقف التاريخية حية في الذاكرة العربية لأنها جسدت معنى أن يصبح مصير الإنسان مرتبطاً بمصير رفاقه. فالعرب قبل الإسلام وبعده مجّدوا الوفاء للرفيق، وعدّوا التخلي عنه في الشدائد من أقبح الصفات. وقد امتلأت أشعارهم وقصصهم بصور الإيثار والمروءة والنجدة والوفاء بالعهد.
ولم يكن ذلك مجرد خلق فردي، بل تعبيراً عن إدراك عميق بأن الإنسان لا يستطيع مواجهة الحياة وحده، وأن الجماعة المتماسكة أقوى من مجموع أفرادها. وعندما جاءت الرسالة العربية الخالدة، حملت هذا المعنى إلى مستوى أوسع. فالأمة العربية في جوهر مشروعها الحضاري ليست مجرد تجمع سكاني يتحدث لغة واحدة، بل جماعة تاريخية تحمل رسالة إنسانية وقيمية. وهذه الرسالة لا يمكن أن تؤدى إلا بروح الرفاقية والتضامن والإيمان المشترك بالمصير الواحد.
وقد نظر الأستاذ القائد المؤسس ميشيل عفلق إلى الحزب بوصفه رابطة نضالية وأخلاقية قبل أن يكون إطاراً تنظيمياً. فالمناضلون في نظره لا يجمعهم الانتماء الشكلي، بل الإيمان المشترك برسالة الأمة. ولهذا كان يؤكد أن الحزب ليس مجموعة أفراد متجاورين، بل وحدة روحية وفكرية تتجسد فيها إرادة الأمة العربية. ومن هذا المنطلق تصبح الرفاقية تعبيراً عملياً عن الإيمان بالعقيدة القومية، لأنها تنقل فكرة الوحدة من مستوى الشعارات إلى مستوى العلاقات الإنسانية اليومية بين المناضلين. ومن هنا كانت الرفاقية في الفكر البعثي جزءاً من جوهر العقيدة القومية نفسها. فالبعث لم ينظر إلى المناضل باعتباره رقماً تنظيمياً، بل باعتباره حاملاً للرسالة وشريكاً في مشروع النهضة. ولذلك لم يكن الرابط بين الرفاق قائماً على المنفعة أو المصلحة أو الموقع، بل على الإيمان المشترك بالأمة العربية وأهدافها.
ولعل الحاجة إلى الرفاقية تزداد في المشاريع الرسالية والقومية أكثر من غيرها، لأن هذه المشاريع لا تقوم على المصالح المباشرة أو المكاسب السريعة، بل على أهداف تاريخية بعيدة المدى قد لا يجني ثمارها الجيل الذي بدأها. ولهذا فإن ما يحفظ استمرارها ليس الربح السياسي العاجل، بل شبكة الثقة والوفاء التي تربط المناضلين بعضهم ببعض، وتجعلهم قادرين على مواصلة الطريق رغم الإخفاقات والتضحيات. بالتالي فإن الحزب العقائدي لا يصنع أتباعاً، بل يصنع رفاقاً. والفرق بين الاثنين كبير. فالتابع يبحث عما يأخذه. أما الرفيق فيفكر فيما يقدمه. كما إن التابع يرتبط بالموقع، أما الرفيق فيرتبط بالمبدأ. وكذلك فإن التابع يبقى ما دامت المكاسب قائمة. أما الرفيق الصميمي فيبقى حين تبدأ التضحيات. ولهذا ارتبطت الرفاقية دائماً بمعنى النضال. فلا يمكن الحديث عن الرفاقية بعيداً عن الاستعداد للتضحية.
فإن الذين يلتقون على المصالح قد يتفرقون عند أول خسارة، أما الذين يلتقون على الرسالة فإنهم يزدادون تماسكاً كلما اشتدت المحن. وفي هذا تكمن عظمة العلاقة بين الرفاق. في إنهم لا يتبادلون المنافع، بل يتبادلون الثقة. ولا يتشاركون المكاسب فقط، بل يتشاركون الأعباء والآلام والأخطار. ولهذا كانت الشهادة في الفكر القومي والثوري أعلى تجليات الرفاقية. فالشهيد لا يقدم حياته من أجل نفسه، بل من أجل رفاقه وأمته وقضيته. وهو بذلك يحول التضحية الفردية إلى طاقة أخلاقية تستمر في وجدان الجماعة بعد رحيله. ومن هنا نفهم لماذا بقيت أسماء كثيرة حية في ذاكرة الأمة رغم رحيل أصحابها. فالأجساد تفنى، أما المواقف الصادقة فتبقى. والرفاقية الحقيقية ليست علاقة تنتهي بغياب الأشخاص، بل عهد يستمر عبر الأجيال.
إن الأمة العربية اليوم، وهي تواجه تحديات التجزئة والهيمنة والاحتلال والتفكيك، تحتاج إلى استعادة هذا المعنى العميق للرفاقية. لأنها في جوهرها ليست قيمة تخص الأحزاب وحدها، بل هي حاجة إنسانية عامة. فكل مشروع جماعي، سواء كان وطنياً أو قومياً أو علمياً أو اجتماعياً، يحتاج إلى درجة من الثقة والتضامن والوفاء بين أفراده. ولهذا فإن الأمم الناجحة لا تبني مؤسساتها بالقوانين فقط، بل بثقافة التعاون والشعور بالمصير المشترك. فهي ليس باعتبارها علاقة حزبية ضيقة، بل باعتبارها ثقافة أخلاقية وحضارية تؤمن بأن الإنسان لا ينهض وحده، وأن الأوطان لا تُبنى بالأنانية، وأن الرسالات الكبرى تحتاج إلى رجال ونساء يجمعهم الإيمان بالمبدأ قبل الإيمان بالمصلحة.
وفي الفكر البعثي ترتبط الرفاقية ارتباطاً وثيقاً بما عُرف بالسمة الانقلابية للحزب. والمقصود بالانقلابية هنا ليس الحدث السياسي المجرد، بل الروح الثورية الرافضة للاستسلام للأمر الواقع، والإرادة الدائمة لتغيير أوضاع الأمة العربية حين تصل إلى مراحل الجمود والتخلف والتجزئة. فالمناضل البعثي لا يكتفي بوصف الواقع أو التكيف معه، بل يحمل في داخله نزوعاً دائماً إلى تجاوزه وصنع واقع أفضل. ومن هنا تصبح الرفاقية شرطاً ضرورياً للعمل الانقلابي بمعناه الحضاري، لأن أي مشروع تغييري كبير لا يمكن أن ينجح بأفراد متفرقين أو بعلاقات هشة تقوم على المصالح العابرة. إن السمة الانقلابية تحتاج إلى رفاق يؤمنون بفكرة واحدة، ويتحملون المخاطر نفسها، ويثق بعضهم ببعض في اللحظات التي تتعرض فيها الفكرة للاختبار. ولهذا كانت الرفاقية في البعث ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل ضرورة نضالية، لأنها توفر البيئة التي تتحول فيها العقيدة إلى فعل، والإيمان إلى تضحية، والحلم القومي إلى مشروع تغيير تاريخي. فكما أن الأمة لا تنهض بالأفراد المنعزلين، فإن الثورة على التخلف والتجزئة لا تنجح إلا بقلوب توحدها الرفاقية، وعقول تهديها العقيدة، وإرادة لا تعرف التراجع أمام التحديات.

ولهذا تبقى عبارة الشهيد القائد صدام حسين: (اجعله في عيني وأغمض عليه جفوني)، أكثر من مجرد كلمات قيلت في حق رفيق عزيز. بل إنها إعلان عن فلسفة كاملة في معنى الوفاء. وفلسفة كاملة في معنى الثقة. وفلسفة كاملة في معنى الرفاقية. فالأمة التي تمتلك رفاقاً بهذا المستوى من الإخلاص لا تموت فكرتها، حتى وإن تعثرت خطواتها. والنضال الذي يقوم على الرفاقية الصادقة لا ينتهي بانتهاء جيل، لأنه يتحول إلى عهد أخلاقي تتوارثه الأجيال. فالرفاقية، في جوهرها، ليست مجرد السير معاً في الطريق، بل هي أن يحمل كل واحدٍ منّا الآخر في قلبه، كما تحمله العين بين أحداقها، وتغلق عليه الجفون خوفاً عليه، وحفاظاً له، وهكذا تصنع الأمم العظيمة رجالها. وهكذا يصنع الرجال العظام تاريخ الأمم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.