الفنانة صهيتو براخي.. صوت الثورة وذاكرة (الكيرار)

صحيفة الهدف

المحرر الثقافي
تُعد الفنانة الراحلة المبدعة صهيتو براخي واحدة من أبرز القامات الفنية والمناضلات الوطنيات في التاريخ الإريتري الحديث، حيث ارتبط اسمها بالموسيقى الثورية وبالوجدان الجمعي لشعب إريتريا خلال مرحلة الكفاح المسلّح من أجل الاستقلال. استخدمت صهيتو فنّها وصوتها وآلة القيثارة التقليدية (الكيرار) في التعبير عن القضايا الوطنية، لتصبح أعمالها جزءًا من الذاكرة النضالية الإريترية وصوتًا مرافقًا للثورة في مختلف مراحلها.
انخرطت صهيتو براخي ضمن كتيبة فنية ثورية كانت تعمل إلى جانب القوى الوطنية المسلّحة، وقد ضمّت هذه الكتيبة عددًا من أبرز رواد الفن الإريتري، من بينهم: الملحن والشاعر الراحل رمضان قبري، والفنان تولدي ردا، إلى جانب هيلي قبرو، وأبرار عثمان، وغيرهم من الأصوات التي أسهمت في تشكيل هوية الفن الثوري الإريتري. وكانت هذه الفرق الفنية تُعد جزءًا من البنية التعبوية للثورة، تعمل على رفع الوعي وتعزيز الروح المعنوية للمقاتلين والجماهير.
تميّزت صهيتو براخي بأدائها المنفرد على آلة الكيرار، وقدّمت من خلاله أعمالًا غنائية حملت أبعادًا وطنية وإنسانية متعدّدة. فقد غنّت للوطن والثورة، وعبّرت عن معاناة اللجوء والاغتراب، خاصة في سياق التجربة الإريترية في السودان، كما وثّقت في أعمالها الحنين إلى الوطن وأمل العودة والتحرّر. ومن أبرز ما ميّز تجربتها أنها جمعت بين الأغنية التراثية والفلكلورية من جهة، والأغنية الثورية من جهة أخرى، ضمن قالب موسيقي محافظ على الجذور الشعبية.
ومن بين أشهر تسجيلاتها أغنية (مجمريا فقري) التي تعكس بعدًا إنسانيًا عاطفيًا مرتبطًا بتجربة الحب والوجود، وأغنية )ماي جحجح) التي تصف تفاصيل الحياة اليومية وحركة الإنسان في فضاءاته البسيطة، إضافة إلى أعمال باللغة التقرايتية مثل (لالي ولا ماريام ودعاري سلام بولا).
ومع انخراطها في العمل الثوري، قدّمت صهيتو أعمالًا ذات طابع تعبوي مباشر، من أبرزها أغنية (ثورا إثيوبيا (التي دعت إلى تحالف القوى الثورية في إثيوبيا وإريتريا من أجل مواجهة النظام القائم آنذاك، في رؤية كانت تربط بين التحرّر الوطني والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الإقليم. كما قدّمت أغنية موجّهة للشباب الإريتري الذين لم يلتحقوا بالثورة، تدعوهم فيها إلى الانضمام إلى الميدان، ومنها (منأسي نعناي ميدا إتو)، والتي عُرفت بأثرها التحريضي والتوعوي في تلك المرحلة.
لم يكن الفن بالنسبة لصهيتو براخي مجرد أداء موسيقي، بل كان امتدادًا لفعل سياسي وثقافي مقاوم، أسهم في بناء الوعي الوطني، وتعزيز الهوية الإريترية في مواجهة محاولات الطمس والتهميش. وقد لعبت الكتيبة الفنية التي عملت ضمنها دورًا مهمًا في التثقيف السياسي والاجتماعي، عبر المسرح والغناء والندوات المتنقّلة، بما يخدم أهداف الثورة ويواكب معاركها الميدانية.
وبرزت صهيتو كذلك بوصفها رائدة في استخدام آلة الكيرار، حيث طوّعت أنغامها لتقديم أداء فني متفرّد، جعلها واحدة من الأصوات النسائية المميزة في تاريخ الأغنية الإريترية. ومع تطور مسيرتها، حافظت على طابعها الكلاسيكي في الأداء، مع قدرة على دمج التراث بالفكرة الثورية، ما منح أعمالها بعدًا جماليًا وإنسانيًا خاصًا.
وبعد خروج جبهة التحرير الإريترية من بعض مراحلها التنظيمية، تراجع حضورها الفني نسبيًا، لكنها ظلت محافظة على ارتباطها بالفن وبآلة الكيرار حتى آخر مراحل حياتها، وإن كان عطاؤها قد تأثّر بالظروف السياسية والتنظيمية التي مرّت بها الحركة الثورية.
يرى كثير من الباحثين أن صهيتو براخي تمثّل نموذجًا للفنانة المناضلة التي لم تفصل بين الإبداع والفعل الوطني، إذ أسهمت أعمالها في رفع الوعي، وتخليد الشهداء، ومواساة الأسر، ونقل صورة الإنسان الإريتري إلى الخارج، بما يحمله من ألم وأمل في آن واحد.
برحيلها، فقدت الساحة الفنية الإريترية صوتًا كان يحمل روح الثورة وذاكرتها، غير أن إرثها ظل حاضرًا في الوجدان، بوصفه جزءًا من تاريخ طويل من النضال الذي امتزج فيه الفن بالحرّية.
رحم الله الفنانة صهيتو براخي، وجعل إرثها الفني والوطني شاهدًا على مرحلة من أهم مراحل التاريخ الإريتري الحديث.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.