محجوب حامد.. سيرة إبداعية على تخوم الوطن والمنفى

صحيفة الهدف

مجدي علي

يُعدّ محجوب حامد آ دم، واحدًا من الأصوات الأدبية الإريترية المعاصرة، ومن الكتّاب الذين نجحوا في بناء تجربة إبداعية متفرّدة جمعت بين الشعر والسرد والعمل الثقافي والإعلامي، مستلهمةً أسئلتها الكبرى من جدلية الوطن والمنفى، والهوية والذاكرة، والانتماء والتحولات التي شهدتها منطقة القرن الإفريقي خلال العقود الأخيرة.
وُلد محجوب حامد بمدينة كرن الإريترية عام 1974، وتخرج في معهد إعداد المعلمين بأسمرة، قبل أن يعمل مدرسًا في عدد من المدارس الابتدائية. غير أن شغفه بالثقافة والإعلام قاده إلى فضاءات أوسع، فانتقل إلى العمل بالقسم العربي للتلفزيون الإريتري معدًا ومقدمًا للبرامج ومشرفًا على البرامج الثقافية، كما تولى الإشراف على ملحق الآداب والفنون بصحيفة (إريتريا الحديثة). وقد أتاحت له هذه التجارب المبكرة الاحتكاك المباشر بالحياة الثقافية والفكرية، وأسهمت في صقل رؤيته الأدبية وتعميق اهتمامه بقضايا المجتمع والهوية والثقافة.
بدأت رحلته مع الإبداع من بوابة الشعر، حيث انشغلت قصائده الأولى بقضايا الوطن والإنسان والاغتراب، قبل أن يتجه إلى كتابة القصة والرواية، باحثًا عن فضاء سردي أكثر رحابة لاستيعاب تعقيدات التجربة الإنسانية. وقد تجلت ملامح مشروعه الأدبي في أعماله المنشورة، وفي مقدمتها ديوانه الشعري (أندلسية العينين) ومجموعته القصصية (شنكيباي)، اللذان كشفا عن موهبة قادرة على المزج بين الحس الشعري والبناء السردي، بحيث تتحول النصوص إلى مساحات للذاكرة والتأمل واستعادة الأمكنة والوجوه الغائبة.
ويعكس ديوان (أندلسية العينين) جانبًا مهمًا من عالمه الشعري القائم على الحنين والبحث عن الجمال واستدعاء الرموز الحضارية والثقافية العربية. وقد مرّ الديوان برحلة طويلة قبل صدوره، إذ تعثر نشره أكثر من مرة بين القاهرة والجزائر، قبل أن يرى النور أخيرًا في القاهرة عام 2020، ليشكل محطة بارزة في مسيرته الأدبية.
أما مجموعته القصصية (شنكيباي)، الصادرة بالقاهرة عام 2023، فتُعد باكورته السردية المنشورة، وتضم سبع قصص قصيرة تستلهم الواقع الإريتري وذاكرته الشعبية، وتنهل من التراث المحلي والعادات والأساطير المتداولة في المجتمع. وقد أوضح حامد أن انتقاله من الشعر إلى القصة لم يكن قطيعة مع تجربته الأولى، بل امتدادًا لها، إذ حمل معه أدواته الشعرية إلى السرد، الأمر الذي منح قصصه لغة مكثفة وإيقاعًا خاصًا. وقد استوقفت المجموعة عددًا من النقاد الذين رأوا فيها محاولة ناجحة لتقديم المجتمع الإريتري من الداخل، بعيدًا عن الصور النمطية، مع ربط التجربة المحلية بأسئلة إنسانية أوسع تتعلق بالحب والاغتراب والحنين والذاكرة.
وتنبع خصوصية تجربة محجوب حامد من موقعها عند تقاطع الجغرافيا والتاريخ. فهو ابن مدينة كرن ذات التنوع الثقافي واللغوي، وعاش تجارب التعليم والإعلام والعمل الثقافي، قبل أن يستقر في القاهرة، ما أتاح له الاطلاع على فضاءات ثقافية متعددة، وجعله قريبًا من المشهدين الإريتري والسوداني، ومن الفضاء العربي عمومًا. ولذلك تبدو كتاباته حافلة باستدعاء الذاكرة الشعبية وتفاصيل الحياة اليومية والإنسان البسيط، بوصفها مفاتيح لفهم التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة.
ولم تتوقف مساهماته عند حدود الكتابة الإبداعية، بل امتدت إلى العمل الثقافي العام، حيث أسهم في تأسيس اتحاد الكتّاب الإريتريين في المهجر وتولى رئاسته، كما أطلق مجلة (نوافذ) الثقافية، انطلاقًا من إيمانه العميق بدور الثقافة في حماية الذاكرة الوطنية وتعزيز حضور الأدب الإريتري في الفضاء العربي. وقد ظل من الأصوات الداعية إلى بناء جسور الحوار بين المثقفين الإريتريين والعرب، وإلى توثيق التجربة الثقافية الإريترية وتقديمها في صورتها الحقيقية والمتنوعة.
وفي حواراته الفكرية تتجلى رؤيته لقضايا الهوية والثقافة في القرن الإفريقي، إذ يرى أن كثيرًا من الصراعات المعاصرة تحمل في جوهرها أبعادًا ثقافية وهوياتية، وأن الثقافة العربية تشكل أحد المكونات الأصيلة للوجدان الإريتري. ومن هذا المنطلق يؤكد أن إريتريا لا يمكن فصلها عن محيطها العربي، وأن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل جزء من التاريخ الثقافي والاجتماعي للبلاد، ووعاء لذاكرة مشتركة تجمع شعوب المنطقة.
كما تنعكس هذه الرؤية في موقفه من العلاقات السودانية الإريترية، التي ينظر إليها بوصفها علاقة تاريخية وثقافية عميقة الجذور تتجاوز الاعتبارات السياسية العابرة. فبحسب تصوره، فإن ما يجمع الشعبين من وشائج اجتماعية وثقافية ولغوية وتاريخية يجعل من الثقافة والأدب أحد أهم الجسور القادرة على ترسيخ التواصل والتفاهم بينهما. لذلك كثيرًا ما يظهر في كتاباته واهتماماته الفكرية الاحتفاء بالمشترك الحضاري بين شعوب القرن الإفريقي، والدعوة إلى تعزيز الحوار الثقافي بوصفه مدخلًا لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وتعاونًا.
وتتميز كتابات محجوب حامد بلغة تجمع بين الرهافة الشعرية والوعي السردي، وبنزعة تأملية تنحاز إلى الإنسان وهمومه اليومية، دون أن تغفل الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والانتماء والتاريخ. ومن خلال هذه الخصائص رسّخ مكانته كأحد أبرز الأصوات الأدبية الإريترية التي نقلت تجربة القرن الإفريقي إلى القارئ العربي بعمق إنساني وجمالي، وجعلت من الأدب مساحة لاستعادة الذاكرة ومساءلة الواقع وبناء الجسور بين الثقافات.
واليوم يواصل محجوب حامد حضوره الثقافي والأدبي من القاهرة، محافظًا على مشروعه الإبداعي الذي ينحاز للإنسان، ويؤمن بأن الثقافة قادرة على بناء ما تعجز عنه السياسة، وأن الكلمة تظل الجسر الأمتن بين الشعوب والذاكرات والأوطان.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.