أحمد مختار البيت
للفرق المسرحية الفكاهية في السودان تأثيرٌ كبير وشعبية واسعة وانتشارٌ ملحوظ عبر الإذاعة والتلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، لأنها تستخدم لغة مفهومة لجميع شرائح المجتمع. غير أنها، في أغلب الأحيان، لم توظف هذا التأثير والانتشار لخدمة قضايا الناس وهمومهم ومعالجة مشكلاتهم من خلال نقد هادف للظواهر السالبة والفساد، إلا نادرًا، بل وُظِّفت الفكاهة المسرحية، في كثير من الأحيان، بصورة سلبية في إعادة إنتاج صور نمطية أسهمت في نشر العنصرية وخطاب الكراهية، وإن لم يكن ذلك بقصد سياسي مباشر، وإنما عبر آليات فنية وثقافية متراكمة، وذهنية قاصرة تعمل تحت مظلة الترفيه والإضحاك والتسلية.
وقد استخدمت بعض العروض الكوميدية آلية التنميط القائم على الإثنية والمنطقة والمهنة، من خلال شخصيات نمطية تمثل مجموعة إثنية أو جهة جغرافية معينة أو مهنة بعينها. ولأن هذه العروض، في مجملها، كانت تهدف إلى الربح والشهرة، فإنها لم تكترث بخطورة ترسيخ الصورة النمطية، وتكرار شخصية الساذج القادم من الغرب، أو البخيل القادم من الشمال، أو البسيط القادم من الشرق، أو الجنوبي الذي لا يتحدّث العربية بطلاقة وله لكنة مميّزة في الكلام. ومع التكرار الكثيف تحولت النكتة إلى ما يشبه الحقيقة في الوعي الجمعي.
ومن خلال الربط بين اللهجة والمكانة الاجتماعية والمستوى الثقافي والوعي والإدراك، أصبح استخدام لكنة أو لغة محلية أداة للإضحاك والسخرية والاستهزاء، مما رسّخ في ذهن المتلقي أن صاحب تلك اللهجة أو اللكنة أقل ذكاءً أو تحضرًا من غيره. وهكذا جرى اختزال ثقافات مجتمعات كاملة في سلوك واحد مضحك؛ كحصر أهل الشرق في عادة شرب الجبنة وبساطة المعرفة، أو أهل الغرب في الحمية والفزع وسذاجة البداوة. وبهذه الطريقة تُلغى شخصية الإنسان وتطوره الطبيعي في الحياة لصالح صورة كاريكاتورية هزلية مضرّة بالوجدان ومؤذية معنويًا، وتكرّس حواجز وهمية بين فئات شعب واحد هو في أمس الحاجة إلى ما يعزز أواصر التلاقي والاندماج والوحدة بين أبنائه.
ومن أخطر الممارسات التي سادت خلال العقود الثلاثة الماضية تطبيع الإقصاء اللغوي والثقافي. فاللغة أداة مركزية في الكوميديا، واستخدامها من غير وعي بتركيبة المجتمع وحساسيته ودرجة وعيه يعيد إنتاج التراتبية بين اللغات السودانية: لغة مركزية في مقابل لغة هامشية. وقد ساهم تصوير لهجة الخرطوم باعتبارها معيار الفصاحة والذكاء والتحضر، وتقديم لهجات الأقاليم الأخرى بوصفها مادة للضحك والسخرية، في منح المركز سلطة رمزية وميزة استعلاء متوهمة.
وهكذا ظلت بعض الفرق الكوميدية تستخدم ألفاظًا مهينة لتمرير مصطلحات ذات حمولة عنصرية في سياق النكتة، مثل: “عب”، و”زرقة”، و”عربي ساي”، و”حلبي”، و”أهل العوض”، و”غرّابي”، و”جلّابي” وغيرها، الأمر الذي يجعل تداولها يبدو طبيعيًا ومقبولًا اجتماعيًا، دون إدراك لتأثيرها السلبي والمدمّر على قطاعات واسعة من المواطنين.
ومن آليات تسويق التراتبية الاجتماعية كذلك تكريس بعض العروض لفكرة أن هناك جماعات خُلقت للأعمال الشاقة والمهن الهامشية، وأخرى خُلقت للقيادة والحكم وامتلاك الثروة. ومن أسوأ ما قدمته بعض فرق الفكاهة السخرية من أصحاب المهن البسيطة والهامشية، وبناء النكتة على شخصية العامل أو الخادمة أو الراعي، الذي يُفترض انتماؤه إلى مجموعة إثنية معينة، رغم الأدوار العظيمة التي تؤديها هذه الفئات في المجتمع. وهكذا تتحوّل المهنة إلى وصمة تلحق بمجموعة بشرية كاملة، ويُصوَّر تخلف بعض المناطق باعتباره سمة ثقافية في سكانها، لا نتيجة لغياب التنمية والخدمات والوعي، مما يرفع المسؤولية عن الدولة ويلقي بها على طبيعة الناس أنفسهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يحدث ذلك؟
هناك ثلاثة أسباب رئيسة تقف وراء هذه الظاهرة.
أولها طلب السوق؛ إذ اعتاد جزء كبير من الجمهور على هذا النمط من الكوميديا، فتنتج الفرق محتوى يلبي الرغبة في الضحك دون التفكير في آثاره المدمّرة على المدى الطويل.
وثانيها غياب الوعي النقدي؛ فالكثير من الممثلين والمؤلفين لا يقصدون الإساءة، وإنما يكرّرون ما ورثوه من تقاليد وموروثات فنية دون مراجعة نقدية لرسالتها ومحتواها، وكأنّ الزمن لا يتغير.
أما السبب الثالث فهو ضعف الرقابة المهنية، وغياب مواثيق الشرف الفنية الواضحة التي تجرّم خطاب الكراهية في المحتوى الإبداعي، فضلًا عن غياب التدريب الكافي للمبدعين على حساسية التنوّع الثقافي في بلادنا.
ومع ذلك، فمن الإنصاف الإشارة إلى أن لبعض الفرق المسرحية وجهًا آخر مشرقًا، إذ لا يمكن اختزال دور المسرح الفكاهي في جانبه السلبي فقط. فقد شهد التاريخ السوداني فرقًا وأعمالًا استخدمت الكوميديا لنقد العنصرية نفسها، والسخرية من الذين يتبنونها ويمارسونها. ومن الأمثلة البارزة أعمال الفنان الفاضل سعيد وغيره من المبدعين الذين سخروا من تعالي المدينة على الريف، وكشفوا تناقضات النظرة الاستعلائية داخل المجتمع.
فالمسرح الفكاهي سلاح ذو حدّين؛ وحين يغيب الاعتراف بالآخر بوصفه إنسانًا كاملًا له كينونته وثقافته التي يعتز بها، تتحوّل النكتة من أداة للنقد والتوعية إلى أداة لتشويه الإنسان وثقافته. ومن هنا فإن على الفرق المسرحية أن تنتقل من “الضحك على الآخر” إلى “الضحك مع الآخر”، إذا أرادت أن تنجو من محكمة التاريخ.

Leave a Reply