محمود أبو بكر
كاتب ارتيري
تظلّ صورة مكتبة تضم مجموعة من الروايات الإريترية على مواقع التواصل، شاهدة على حضورٍ أدبيٍّ يتشكّل خارج دائرة الضوء العربي.
رغم هذا الحضور، ما يزال الأدب الإريتري المكتوب بالعربية يعاني من عزلة واضحة في محيطه العربي وعلى امتداد قرّاء لغة الضاد، على الرغم من أن العربية تُعدّ أحد المكونات الأساسية للثقافة الإريترية المتعدّدة بتكويناتها اللسانية والإثنية والحضارية.
إريتريا، الواقعة شرق القارة الإفريقية، والتي تحدّها دولتان عربيتان هما السودان وجيبوتي، وتمتد سواحلها على طول نحو 1100 كيلومتر على البحر الأحمر بمحاذاة اليمن والسعودية، ليست بعيدة عن الامتداد الثقافي العربي. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن انهيار سد مأرب في اليمن أسهم في موجات هجرة بشرية نحو المنطقة التي تُشكّل إريتريا الحالية، حاملة معها ثقافاتها وفنونها وأساليب عيشها، بما فيها أنماط الزراعة على المدرجات الجبلية، لتندمج تدريجيًا في النسيج المحلي وتنتج تراكمًا حضاريًا متعدّد الروافد.
كما تشير بعض المصادر إلى الهجرة الأولى لصحابة الرسول في العام الخامس للبعثة نحو السواحل الإريترية، حيث أُقيم أول مسجد في منطقة “رأس مدر” بمدينة مصوّع الحالية، وهو ما أسهم في ترسيخ حضور الإسلام وتعزيز التعدّدية الثقافية في الضفة الغربية للبحر الأحمر.
العزلة
من هنا، يبدو النتاج الثقافي والأدبي الإريتري المكتوب بالعربية نتاجًا طبيعيًا لهذا التداخل التاريخي، غير أنه لم ينجُ من حالة عزلة فرضتها عوامل متعدّدة. من أبرزها السياق السياسي المرتبط بتعاقب القوى الاستعمارية التي عملت على فصل البلاد عن محيطها، وفرض أنماط لغوية وثقافية مغايرة، إلى جانب الحروب المتلاحقة، ثم طبيعة النظام السياسي الذي تلا الاستقلال، وكلها عوامل أسهمت في تعميق هذه “القطيعة” الثقافية.
معادلة الهامش والمركز
وبعيدًا عن التفسيرات السياسية والتاريخية، يظل السؤال الجوهري: ما خصوصية النص الأدبي الإريتري في المشهد العربي، في ظل هيمنة “المركز” على “الهامش” الثقافي العربي؟
يرى الباحث كزافيا لوفان، المهتم بالحضور العربي والإسلامي في شرق ووسط إفريقيا، أن في هوامش الثقافة العربية أدبًا مهمًا يكتب بالعربية، كما هو الحال في الصومال وإريتريا، لكن هذا الأدب لم يحظ بالانتشار الكافي.
وإذا سلّمنا بمنطق المركز والهامش، فإن المشكلة لا تتعلق بضعف الإنتاج بقدر ما ترتبط بآليات النشر والتوزيع، وهي تحديات يمكن تجاوزها في ظل الثورة الرقمية وتطور وسائل الاتصال.
وفي السنوات الأخيرة، شهد الأدب الإريتري تطورًا كمّيًا ونوعيًا لافتًا، مع بروز أسماء روائية جديدة، خاصة بعد الاهتمام الذي حظيت به رواية (تايتانيكات إفريقية) لأبو بكر كهال، وترجمتها إلى عدة لغات، إضافة إلى فوز الروائي حجّي جابر بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2019 عن روايته (رغوة سوداء).
محمد سعيد ناود.. أول سارد روائي بالعربية
يُعدّ محمد سعيد ناود (1926 – 2010) أول من كتب الرواية باللغة العربية في إريتريا، عبر روايته (رحلة الشتاء.. صالح) التي صدرت عام 1978 عن دار (الكاتب العربي) في بيروت.
ويرى الناقد والروائي محمد جميل أن الرواية تمثّل علامة فارقة باعتبارها التجربة الأولى في هذا المجال وبمستوى فني لافت، مشيرًا إلى تأثّرها الواضح بالمناخ السردي السوداني، بحكم تجربة ناود التعليمية والسياسية في السودان وانتمائه إلى منطقة حدودية ثقافيًا بين البلدين.
ويضيف أن ثيمة الثورة تهيمن على الرواية، وأن ناود، رغم انشغاله بالعمل الثوري وقيادته لحركة تحرير إريتريا، ظل يمارس الكتابة السردية، قبل أن تعيق ظروفه النضالية استكمال مشاريعه الروائية اللاحقة.
تجارب أدبية لاحقة
إلى جانب ناود، برزت أسماء أدبية إريترية في مجالي الشعر والقصة القصيرة، مثل محمد عثمان كجراي، وعبدالرحمن سكاب، وأحمد سعد، ومحمد محمود الشيخ، إضافة إلى أجيال جديدة واصلت الكتابة بالعربية.
لكن الميلاد الحقيقي للرواية لم يتبلور إلا في التسعينيات، مع عودة عدد من المثقّفين بعد الاستقلال، حيث بدأت القصة القصيرة تفرض حضورها عبر أسماء مثل عبد الرحيم شنقب، عبد القادر حكيم، عبد الجليل سليمان، حامد ضرار، وغيرهم.
كما برزت روايات لاحقة، من بينها أعمال أحمد عمر شيخ، بدءًا من (نوريت) وصولًا إلى رواياته اللاحقة، إضافة إلى أسماء روائية معاصرة مثل أبو بكر كهال وحجّي جابر، اللذين قدّما تجارب لافتة في فضاء المنفى والهجرة والثورة.
سؤال الكم والنوع
تشهد الساحة الأدبية الإريترية اليوم توسّعًا كميًا ملحوظًا، مع صدور أعمال روائية ودواوين شعرية متعدّدة، وتزايد حضورها في معارض الكتاب العربية.
ومن الأسماء الجديدة هاشم محمود الذي أصدر عددًا من الروايات، ومحمود الشامي، ومصطفى محمد محمود، وعبد القادر مسلّم، وعبد الوهاب حامد، ومحمد إسماعيل هنقلا، ومنصور سعيد وغيرهم.
ومع هذا التراكم، يظل سؤال “النوع” النقدي قائمًا، بما يستدعي قراءة نقدية أعمق تواكب هذا الحضور المتنامي، وتعيد إدماج الأدب الإريتري المكتوب بالعربية في سياقه العربي الأوسع، بعد أن ظل لفترة طويلة أسير العزلة.

Leave a Reply