ليس من العدل أن يُقرأ ميثاق نحو بناء وطن جديد باعتباره مجرد بيان سياسي عابر، كما ليس من الحكمة التعامل معه كنصّ مقدس فوق النقد والمراجعة. فالوثيقة في حقيقتها محاولة جادة من قوى مدنية وسياسية للبحث عن مخرج تاريخي من أكبر كارثة يعيشها السودان منذ تأسيس دولته الحديثة، لكنها في ذات الوقت تظل مشروعاً سياسياً قابلاً للنقاش والاختبار والاختلاف.
الميثاق جاء محمّلاً بعناوين كبيرة السلام العدالة، الدولة المدنية إنهاء الحرب، تفكيك التمكين، إعادة بناء الجيش، المواطنة المتساوية، العدالة الانتقالية، وفصل الدين عن السياسة. وهي كلها عناوين ظل السودانيون يرفعونها منذ عقود، لكن السؤال الحقيقي ليس في جمال العبارات، بل في قدرة الواقع السوداني على حملها إلى الأرض.
وربما أكثر البنود التي أثارت الجدل هو الحديث عن فصل الدين عن الدولة أو السياسة. وبعيداً عن ردود الفعل الانفعالية المعتادة، فإن مثل هذه القضايا المصيرية لا تُفرض ببيان سياسي ولا تُحسم بمنشور في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما عبر حوار طويل يشارك فيه الشعب نفسه وصولاً إلى دستور دائم يكتسب شرعيته من الإرادة الشعبية والقبول العام.
ومن وجهة نظري الشخصية، فإن الحديث عن فصل الدين عن الدولة في السودان يبدو طرحاً شديد التعقيد، لأن السودان في نهاية الأمر بلد مسلم وغالبية شعبه تدين بالإسلام وهناك قضايا شرعية ثابتة مرتبطة بحياة الناس اليومية مثل الميراث والأحوال الشخصية والزكاة وغيرها من القوانين ذات المرجعية الدينية التي لا يمكن تجاوزها ببساطة أو التعامل معها وكأنها غير موجودة.
لذلك ربما يكون النقاش الأكثر واقعية ليس حول إبعاد الدين من حياة الدولة والمجتمع وإنما حول منع استغلال الدين في الصراع السياسي وفصل المناورات الحزبية والأطماع السلطوية عن قدسية الدين نفسه. فالأزمة في السودان لم تكن في تدين الناس، وإنما في استخدام الدين كأداة للتمكين السياسي والاحتكار والإقصاء وتبرير الاستبداد والحروب
بمعنى آخر، يمكن الحديث عن دولة مدنية تقوم على المواطنة والقانون والمؤسسات، وتحترم في ذات الوقت المرجعية الدينية والثوابت المجتمعية دون أن تتحول إلى دولة ثيوقراطية تحتكر الحديث باسم السماء ودون أن تدخل أيضاً في صدام مع وجدان المجتمع وهويته الثقافية والدينية
لكن في المقابل، هناك أسئلة أكثر تعقيداً لا يكفي فيها الخطاب النظري وحده. فالميثاق يتحدث بوضوح عن حظر المؤتمر الوطني وواجهاته الإسلامية ومنع عودتهم للحياة السياسية، غير أن السؤال العملي هنا كيف يمكن تنفيذ ذلك في ظل واقع تملك فيه هذه القوى بصورة مباشرة أو غير مباشرة السلاح والنفوذ داخل مؤسسات الدولة نفسها، فضلاً عن التشابكات العسكرية والمليشيات الحليفة والمجموعات المسلحة المرتبطة بالحرب؟
هذه ليست ملاحظة صغيرة، بل واحدة من أعقد معضلات المشهد السوداني كله. فالقضية ليست مجرد حزب سياسي يمكن إغلاق مقاره بقرار إداري أو إصدار بيان بحظره، وإنما بنية كاملة تأسست عبر ثلاثين عاماً من السيطرة على الدولة والمجتمع والسلاح والاقتصاد والإعلام. هناك عناصر داخل المؤسسات النظامية، وشبكات مالية، ومليشيات مسلحة، وخطاب تعبوي ديني وإعلامي، وعلاقات اجتماعية وقبلية متشابكة. لذلك فإن اختزال الأزمة في شعار “تفكيك المتأسلمين” قد يبدو أسهل من الواقع نفسه.
وفي المقابل، فإن تجاهل الجرائم والانتهاكات بدعوى التسامح أو عدم الإقصاء يعني عملياً إعادة إنتاج الأزمة ذاتها. لأن الشعوب التي لا تحقق العدالة غالباً ما تعود إلى الحروب مرة أخرى ولأن الضحايا لا يمكن مطالبتهم بالنسيان بينما لا تزال أدوات القوة والسلاح والنفوذ قائمة كما هي.
هنا تظهر الحاجة إلى رؤية أكثر واقعية تجمع بين العدالة والمحاسبة من جهة وبين تفكيك بنية العنف والسلاح من جهة أخرى. فالعدالة ليست مجرد شعارات انتقامية، كما أنها ليست صفقات سياسية ناعمة تتجاوز الدم والخراب. العدالة الحقيقية تعني بناء دولة تمنع تكرار الكارثة نفسها ولهذا فإن الحديث عن العدالة الانتقالية يجب ألا يُفهم فقط باعتباره محاكمات وسجوناً، بل كعملية أوسع تشمل كشف الحقيقة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية على أسس مهنية وقومية بعيدة عن الولاءات الحزبية والعقائدية، مع تجفيف مصادر التمويل التي تُبقي الحرب مشتعلة
المشكلة في السودان اليوم أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت اقتصاداً ومصالح وشبكات نفوذ. هناك من يعيشون على استمرار الفوضى، ويملكون المال والسلاح والخطاب التعبوي. لذلك فإن أي مشروع لبناء السلام لن ينجح إذا اكتفى بالشعارات السياسية دون معالجة جذور اقتصاد الحرب نفسه.
كما أن السلاح لم يعد حكراً على جهة واحدة فالح.رب الحالية أفرزت واقعاً معقداً من الجيوش والمليشيات والقوى المسلحة، وكل طرف يمتلك روايته الخاصة وخطابه التعبوي. لهذا فإن أي عملية عدالة أو تفكيك يجب أن تكون شاملة ومتوازنة، لا انتقائية، حتى لا تتحول إلى مجرد أداة في صراع جديد ورغم كل الملاحظات والأسئلة لا يمكن إنكار أن أهمية هذا الميثاق تكمن في أنه يحاول إعادة النقاش إلى أصل القضية كيف نوقف الحرب ونمنع انهيار السودان الكامل؟ فبعد سنوات الدم والخراب ربما أصبح مجرد الاتفاق على أولوية السلام خطوة مهمة في بلد اعتاد أن يختلف حتى على تعريف أزمته
السودان اليوم لا يحتاج إلى وثائق جميلة فقط، بل يحتاج إلى شجاعة سياسية وصدق مع الجماهير وقدرة على مواجهة الأسئلة الصعبة دون هروب أو مزايدات
فالأوطان لا تُبنى بالنوايا وحدها، ولا تسقط فقط بسبب الخصوم، بل أحياناً بسبب عجز أصحاب المشاريع أنفسهم عن رؤية الواقع كما هو
لهذا، فإن ميثاق بناء وطن جديد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية الطريق، بل بداية لنقاش وطني كبير حول السودان الذي يريده الناس فعلاً، لا السودان الذي تتخيله النخب وحدها.

Leave a Reply