بدون ألوان: “رسائل العيد.. اجبروا الخواطر”

صحيفة الهدف

حمدي صلاح الدين

مشهد أول: عرفة

يقف الحجيج بعرفة في أعظم أيام الله في الأرض، فأكثروا من الدعاء في هذا اليوم العظيم.

مشهد ثانٍ: الورق والوراقون “عودوا أقوى مما كنتم”

لقد أصبح العالم سريعاً لدرجة أن التوقف لعام واحد يبدو كأنه قرن كامل، فما بالك بثلاثة أعوام؟ وهنا تبرز أسئلة ملحة: كيف نحمي مبادئنا وقناعاتنا؟ وكيف نحافظ على مساحاتنا الخاصة وتوازننا النفسي في عالم يطالبنا بالوجود الرقمي والمادي المستمر؟ تعكس المصطلحات الجديدة المتسارعة ــ سواء الغربية منها أو المحلية ــ فجوة الأجيال، وتكشف كيف تؤثر هذه الفجوة على هوية التواصل اليومي، وتضعنا أمام تساؤلات عن كيفية صناعة “القدوات الرقمية” التي أسهمت في إعادة صياغة وعي الجيل الجديد ومفاهيمه عن النجاح، الفشل، والبطولة، وما هي إيجابيات وسلبيات هذا الإسهام؟ ثم كيف يمكننا تعزيز قيمة “الصمت” في عالم مليء بالضجيج، وفي زمن التعليقات الفورية والمنشورات السريعة؟ وما هي القيمة الفكرية لـ “التأني” و”التريث” و”التروي” قبل إطلاق الأحكام؟

إن الكتابة في زمن الح.رب ليست ترفاً لملء مساحة بيضاء بالحبر الأسود، بل هي وقوف شجاع وقوي على أرض تبدلت معالمها تماماً؛ فنحن أمام واقع مأزوم يحتاج إلى “مبضع جراح” يترفع عن الانحيازات السياسية الضيقة، ويهتم أولاً بالإنسان، وبالمستقبل، وببنية المجتمع التي تصدعت، حيث يحتاج المجتمع اليوم إلى النظر بعمق تجاه قضية “الهوية وإعادة تعريف الوطن”؛ فأين نحن الآن؟ إن الح.رب لم تدمر الجدران والبيوت فحسب، بل هزت في الأعماق مفهوم “المواطنة” و”التوافق” و”الأمان”، مثلما يحتاج المجتمع إلى نقاش مستفيض حول التحول النفسي والاجتماعي للإنسان السوداني، الذي استيقظ ليجد نفسه قد تحول من “صاحب أرض” إلى نازح في الداخل أو لاجئ في دول الجوار، وكيف يعيد السوداني تعريف ذاته خارج حدوده الجغرافية المعتادة؟

إننا بحاجة ماسة إلى تشريح تآكل النسيج الاجتماعي والشروخ القبلية، وتفشي العنصرية والجهوية ومواجهة الحقيقة القاسية دون مواربة: كيف استيقظت خطابات الكراهية والجهوية؟ وكيف نبني خطاباً عقلانياً يرمم ما أفسدته الح.رب، ويعيد إنتاج “سودانيتنا” المشتركة؟ لقد أثبتت الأيام أن المعركة الإعلامية والنفسية لا تقل ضراوة عن المعركة العسكرية؛ فكيف أصبح المواطن البسيط ضحية لـ “غسيل الأدمغة الرقمي” والشائعات المتضاربة؟ وكيف يستطيع المجتمع رفع وعيه لتفكيك الأكاذيب وتقديم قراءة هادئة للأحداث بعيداً عن البروباغندا الموجهة؟ وكيف ستسهم النخب الفكرية والسياسية في تقديم مبادرات حقيقية تحقن الدماء وتحفظ البلاد والعباد؟

لقد تحولت الحالة النفسية للمجتمع إلى نوع من التأقلم والاعتياد على أخبار الفقد والدمار؛ فكيف نحمي الضمير الإنساني من التبلد؟ وكيف نحافظ على الإحساس بالفجيعة حياً دون السقوط في فخاخ الاستسلام واليأس؟ أضف إلى ذلك مآلات الانقطاع المعرفي والتعليمي لجيل كامل؛ شباب جامعيون تعطلت حيواتهم، وأطفال نسوا شكل المدرسة والكلاس، فكيف يمكننا التفكير في “حلول بديلة” لإنقاذ عقول هذا الجيل؟ ورغم قتامة المشهد، فقد أظهرت الح.رب جوانب ملهمة في الشخصية السودانية تستحق التوثيق والتحليل؛ تبرز هنا ظواهر مثل “غرف الطوارئ” و”التكايا” الشبابية التي أدارت الأزمة باقتدار في غياب الدولة، وهذا النموذج يقدم قراءة لمستقبل مغاير يقوده الشباب بوعي وإيثار باهر، ولا يفوتنا تحليل كيف تحول السودانيون في المهاجر ــ القديمة والجديدة ــ إلى شريان الحياة الوحيد للعائلات في الداخل، في شبكة تكافلية فريدة عززت صمود المجتمع وصانته من الانهيار الجزئي أو الكامل.

مشهد ثالث: الزيات يريق روحه على الورق

وفي هذه المرثية، يسكب الأديب الزيات قطعة من روحه على الورق بأسلوبه الراقي، واصفاً لوعة الأب وفجيعته في ابنه: “يا قارئي أنت صديقي، فدعني أُرقْ على يديك هذه العبرات الباقية! هذا ولدي كما ترى، رُزقته على حال عابسة كاليأس، وكهولة يائسة كالهرم، وحياة باردة كالموت، فأشرق في نفسي إشراق الأمل، وأورق في عودي إيراق الربيع، وولد في حياتي العقيمة معاني الجِدَّة والاستمرار والخلود! شغل رجاءُ فراغي كله، وملأ وجودي كله، حتى أصبح هو شغلي ووجودي!.. فهو صغيراً أنا، وأنا كبيراً هو، يأكل فأشبع، ويشرب فأرتوي، وينام فأستريح، ويحلم فتسبح روحي وروحه في إشراق سماوي من الغبطة لا يوصف ولا يحد. ما هذا الضياء الذي يشع في نظراتي؟.. ما هذا الرجاء الذي يشيع في بسماتي؟.. ما هذا الرضا الذي يغمر نفسي؟.. ما هذا النعيم الذي يملأ شعوري؟.. ذلك كله انعكاس حياة على حياة، وتدفق روح في روح، وتأثير ولد في والد. ثم انقضت تلك السنون الأربع، فصوَّحت الواحة، وأوحش القفر، وانطفأت الومضة وأغطش الليل، وتبدد الحلم وتجهم الواقع، وأخفق الطبُ ومات (رجاء)! يا جبار السماوات والأرض رحماك!.. أفي مثل خفقة الوسنان تُبدّل الدنيا غير الدنيا، فيعود النعيم شقاءً، والملأ خلاءً، والأمل ذكرى؟.. أفي مثل تحية العجلان يصمت الروض الغرد، ويسكن البيت اللاعب، ويقبح الوجود الجميل؟ حنانيك يا لطيف! ما هذا اللهيب الغريب الذي يهب على غشاء الصدر ومزاقّ البطن، فيرمض الحشا ويذيب لفائف القلب؟.. وا لهف نفسي عليه ساعة أخذته غصة الموت، وأدركته شهقة الروح، فصاح بملء فيه الجميل: (بابا.. بابا!) كأنما ظن أباه يدفع عنه ما لا يدفعه عن نفسه! لنا الله من قبلك ومن بعدك يا رجاء!”.

مشهد رابع: خنجر الفقد

ولا زال إحساسنا متعمقاً بـ ”الفقد“؛ فقدِ الوطن، والطقوس السودانية الحميمة، والأهل، والجيران، والأصدقاء، إن إحساس “الفقد” إحساس مرّ، قتال، ومدمر؛ وفي هذا السياق، يقول المولى عز وجل في سورة القصص: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، متحدثاً عن فقد سيدنا موسى عليه السلام، حيث استخدم الله تعالى كلمة “الفؤاد” في الشطر الأول من الآية، والفؤاد تشريحيًا هو التجويف الذي يقبع داخله القلب، لكن البيان الإلهي عاد في الجزء الثاني ليستخدم كلمة “القلب” بدلاً من “الفؤاد”، قائلاً: “لولا أن ربطنا على قلبها”، وفي هذا إشارة ــ بحسب المفسرين ــ إلى أن قلب أم موسى كاد أن يطير من شدة الوجد من تجويفه الذي يقبع فيه بسبب فقد ابنها، لولا أن ربط الله على قلبها بنعمة الصبر والتثبيت، والربط هنا معنوي وليس حسياً؛ هذا هو “إحساس الفقد” الذي يجعل القلب يكاد يطير من مكانه بحسب الوصف الرباني المعجز.

إن ح.رب الأفيال قتلت من قتلت، وغرست أنصال مواجعها في أجساد وأرواح من بقوا أحياء؛ فقد اتسع فتق الفقد على الراتق، وفقد الناس الأسرة، والعائلة، والأصدقاء، والجيران، والزملاء، وبائع الدكان، وبائع اللبن، وبائع الخضار.. أولئك الذين شكلوا عصب المشهد الحياتي اليومي لنا جميعاً، وكان أكثر المتأثرين بهذا الفقد كبار السن، الذين مات الكثير منهم حسرةً وكمداً، حيث حكى لي صديقي طارق أنه في أول عام من الح.رب، كان مسجد حيهم مع كل صلاة يؤدي صلاة الجنازة على واحد أو اثنين من كبار السن، ممن أجبرتهم الظروف على ترك ديارهم وسكنهم، واللجوء إلى معسكرات في المدارس، ورغم أنهم سكنوا وسط حفاوة وضيافة وكرم أهل تلك المناطق، إلا أن “خنجر الفقد” أعمل أنصاله في أجسادهم النحيلة، فمات أغلبهم شوقاً وحسرة على ما ضاع.

مشهد خامس: جبر الخواطر

كان عند ميمون بن مهران ضيف، فاستعجل على جاريته بالعشاء، فجاءت مسرعة تحمل صينية مملوءة بالطعام، فتعثرت وسكبتها على رأس سيدها ميمون، فقال متألماً: يا جارية أحرقتني! فقالت بذكاء وفطنة: يا معلم الخير ومؤدب الناس، ارجع إلى ما قال الله تعالى، قال: وماذا قال الله تعالى؟ قالت: قال: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، قال ميمون: قد كظمت غيظي، قالت: ﴿وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، قال: قد عفوت عنكِ، قالت: زِد يا سيدي؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، قال: أنتِ حرة لوجه الله تعالى، وقيل عقب ذلك: “والله إن ميموناً قد جبر بخاطرها”. وكل عام وأنتم بخير.

#رسائل_العيد #اجبروا_الخواطر #حمدي_صلاح_الدين #بدون_ألوان #خنجر_الفقد #سودانيتنا #غرف_الطوارئ #السودان #صحيفة_الهدف #السودان_اليوم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.