السودان بين الـ ح.رب والفكرة: قراءة في كلمة الأستاذ المناضل السنهوري في نيروبي

صحيفة الهدف

 طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

في العاصمة الكينية نيروبي، وفي إطار اجتماع (قوى إعلان المبادئ)، (وهو تحالف مدني – سياسي تشكل في مرحلة ما بعد الـ ح.رب السودانية، ويضم قوى مدنية وأحزاباً سياسية وحركات مسلحة، من بينها حزب البعث العربي الاشتراكي)، وقف الأستاذ المناضل الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، الأستاذ علي الريح السنهوري، ليلقي كلمة تجاوزت حدود المناسبة إلى آفاق أوسع.

ليست قيمة الكلمات الكبرى فيما تقوله فقط، بل في اللحظة التاريخية التي تُقال فيها، وفي نوع الوعي الذي تحمله خلف عباراتها؛ ولهذا، لا يمكن قراءة كلمة الأستاذ المناضل الأمين العام في نيروبي كخطاب سياسي عادي، بل هي محاولة لإعادة تعريف معنى السياسة نفسها في لحظة الانهيار السوداني الكبير.

لقد بدت الكلمة، في عمقها، وكأنها انتقال من لغة (الصراع على السلطة) إلى لغة (الصراع على بقاء الوطن)، ومن سؤال: من يحكم السودان؟ إلى سؤال أكثر خطورة ووجودية: كيف يبقى السودان أصلاً؟

وهنا تحديداً تكمن أهمية الخطاب، لأنه لم ينطلق من عقلية الحزب الباحث عن مكاسب، بل من رؤية قومية ترى أن الدولة الوطنية العربية في السودان ليست معزولة عن مصير الوطن العربي كله، وأن ما يجري ليس مجرد ح.رب داخلية، وإنما حلقة ضمن مشروع أوسع لتفكيك المجتمعات وإعادة إنتاج الخرائط على أسس الهويات المتصارعة.

أخطر ما في الـ ح.رب السودانية أنها لم تدمّر الحجر فقط، بل ضربت المعنى ذاته؛ فحين يقول الأمين العام للحزب إن الناس يريدون (الرجوع إلى بيوتهم وأعمالهم ومزارعهم)، فهو يعيد السياسة إلى أصلها الإنساني الأول.

فالـ ح.رب السودانية لم تنشأ في فراغ، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من هشاشة الدولة الوطنية، واختلال العلاقة بين المركز والأطراف، وفشل النخب السودانية — المدنية والعسكرية معاً — في بناء عقد وطني قادر على استيعاب التنوع الاجتماعي والثقافي والجهوي داخل السودان؛ ولهذا فإن الـ ح.رب ليست فقط انفجاراً عسكرياً، بل انفجاراً مؤجلاً لأزمة دولة لم تُحسم أسئلتها الكبرى منذ الاستقلال.

إنه يقول، بصورة غير مباشرة، إن الأيديولوجيات كلها تفقد معناها عندما يصبح الإنسان مهدداً في خبزه وأمنه ووجوده اليومي؛ وهنا تظهر نزعة فلسفية عميقة في الخطاب، تتمثل في أولوية الحياة على الصراع، وأولوية الوطن على السلطة، وأولوية الإنسان على الشعارات.

ولعل ما يميز خطاب الأمين العام للحزب عن غيره من الخطابات السياسية السودانية، هو خلوه من (المركزية الذاتية)، فهو لا يتحدث عن حزبه كـ (طليعة واعية)، ولا عن نفسه كـ (قائد)، بل يتحدث عن السودان، وعن الناس، وعن الأمة؛ هذه الإنسانية في الخطاب هي التي تجعله مقنعاً، ليس لأنه يقول الصواب، بل لأنه يقول ما يشعر به الناس فعلاً.

ولهذا جاءت عبارته اللافتة: (الآن المطلب ليس أن نعود إلى نظام اشتراكي أو نظام رأسمالي، بل إن المطلب الأساسي للناس هو البقاء على قيد الحياة)؛ هذه ليست جملة سياسية عابرة، بل مراجعة عميقة لفكرة الدولة نفسها، لأن الدولة التي تعجز عن حماية الحياة اليومية لمواطنيها تتحول إلى مجرد هيكل بلا روح.

في كثير من الخطابات الحزبية العربية، يطغى الدفاع عن التنظيم على الدفاع عن الأمة العربية، لكن اللافت في كلمة الأمين العام للحزب أن (البعث) لم يظهر بوصفه جهازاً تنظيمياً مغلقاً، بل باعتباره رؤية تتجاوز الحزب نحو سؤال الدولة الوطنية ووحدة المجتمع؛ ولهذا لم تكن القضية الأساسية في الخطاب هي (موقع حزب البعث من السلطة)، بل (موقع السودان من التفتيت).

حين قال إن السودان ليس الدولة الوحيدة المستهدفة، وإن الوطن العربي كله يواجه مشاريع التقسيم، كان يعيد وضع الـ ح.رب السودانية داخل سياقها الجيوسياسي والتاريخي الأوسع؛ وهنا يظهر البعد القومي بوضوح، فالسودان، في هذا التصور، ليس مجرد حدود جغرافية، بل جزء من معركة تاريخية يخوضها المشرق والمغرب العربي ضد التفكيك وإعادة إنتاج الاستعمار بأدوات جديدة.

إنها رؤية ترى أن الـ ح.روب الأهلية الحديثة لم تعد مجرد صراعات داخلية، بل أدوات لإضعاف المجال العربي كله، وتحويله إلى فسيفساء من الجماعات المتنازعة التي يسهل التحكم بها؛ ولعل أخطر ما في هذا النمط من الـ ح.روب أنه لا يكتفي بإضعاف الدولة، بل يعيد تشكيل الوعي الاجتماعي نفسه، بحيث تتحول الجماعات المحلية من مكونات وطنية إلى هويات خائفة تبحث عن الحماية في السلاح والقبيلة والطائفة، لا في الدولة الجامعة؛ وهنا يصبح تفكيك المجتمع أسبق من تفكيك الجغرافيا.

من أكثر الأفكار عمقاً في الكلمة تلك العبارة التي تبدو بسيطة في ظاهرها: (لا وصاية على الشعب ولا سلطة لغير الشعب)؛ فهذه الجملة لا ترفض الحكم العسكري فقط، بل ترفض أيضاً عقلية النخبة التي تعتقد أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، سواء كانت نخبة حزبية أو أيديولوجية أو مدنية؛ إنها دعوة لتحرير السياسة من (أوهام الطليعة المعصومة).

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في رفض الوصاية، بل في بناء مؤسسات قادرة على تحويل الإرادة الشعبية إلى ممارسة سياسية مستقرة؛ فالشعوب قد تثور ضد الاستبداد، لكنها تحتاج أيضاً إلى دولة قانون، ومؤسسات، وعقد اجتماعي يمنع عودة العنف بصورة جديدة.

فالكلمة هنا لا تهاجم الاستبداد العسكري وحده، بل تنتقد أيضاً استبداد النخب الفكرية التي تريد رسم مستقبل الشعب بالنيابة عنها؛ ولهذا جاءت الفكرة الأكثر نضجاً في الخطاب حين قال إن من يتقدم صفوف النضال يجب أن يتراجع عن صفوف السلطة.

هذه ليست دعوة أخلاقية فقط، بل محاولة لفصل (الوطني) عن (النفعي)، ولحماية العمل العام من التحول إلى سوق للمكاسب الشخصية.

ففي كثير من الأحيان يُختزل السلام في وقف إطلاق النار، لكن الأمين العام للحزب قدّم مفهوماً أعمق، إذ ربط السلام مباشرة بوحدة السودان؛ فهو يدرك أن الـ ح.رب الحديثة لا تهدف فقط إلى القتل، بل إلى تحطيم فكرة العيش المشترك نفسها.

ولهذا فإن الحفاظ على التنوع السوداني، في نظره، ليس مسألة ثقافية ثانوية، بل شرط لبقاء الدولة ذاتها؛ ومن هنا جاءت رؤيته للتنوع باعتباره (مصدر إثراء وقوة)، لا سبباً للانقسام؛ وإنه ينتقل من منطق (إدارة الاختلاف) إلى منطق (تحويل الاختلاف إلى طاقة وطنية)، وهذا طرح يتجاوز الخطابات التقليدية التي تتعامل مع التنوع كعبء ينبغي احتواؤه، لا كثروة حضارية ينبغي استثمارها.

وحين استشهد الأمين العام للحزب بمقولة الإمام الصادق المهدي: (البفش غبينتو بيدمر مدينتو)، فإنه لم يكن يستدعي حكمة شعبية فقط، بل كان يحذر من تحويل السياسة إلى عملية ثأر جماعي.

وهنا تظهر واحدة من أكثر النقاط نضجاً في الخطاب، إذ يرفض منطق (الأبرياء الكاملين) و(المدانين الكاملين)؛ لأن المجتمعات الخارجة من الـ ح.روب لا تُبنى بمنطق الانتقام، بل بمنطق القدرة على إنتاج عقد وطني جديد.

إنه إدراك عميق لحقيقة أن الـ ح.رب قد تتوقف عسكرياً لكنها تستمر نفسياً وثقافياً إذا بقيت عقلية الإقصاء حاضرة؛ وبالتالي فهو ضد الانتقام السياسي، وضد الـ ح.رب الأهلية الباردة.

ففي جوهر الأمر، كانت الكلمة محاولة لاستعادة المجال السياسي من المجال العسكري؛ فالسودان اليوم لا يعاني فقط من ح.رب بين جيشين، بل من تآكل السياسة نفسها، وتحول البندقية إلى اللغة الوحيدة المتاحة؛ ولهذا فإن دعوة الأمين العام للحزب إلى الحوار والتنسيق بين القوى الوطنية ليست مجرد مناورة سياسية، بل محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة (الفعل المدني) في مواجهة منطق القوة المسلحة؛ إنه يدرك أن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الأمم هو أن تصبح الـ ح.رب هي الوسيلة الوحيدة للحسم.

غير أن قراءة خطاب الأمين العام للحزب في نيروبي لا تكتمل دون رفعه إلى أفق قومي أوسع؛ فالسودان، في هذه الرؤية، ليس مجرد دولة قطرية تمر بأزمة عابرة، بل هو (قلعة) من قلاع الأمة العربية في عمقها الإفريقي؛ وإن مشروع تفكيكه ليس موجهاً للسودان وحده، بل هو نموذج يُختبر لإعادة إنتاجه في بقية الأقطار العربية.

فإذا سقط السودان في فخ التقسيم والصراعات الأهلية، فإن الرسالة التي تصل إلى الأمة العربية هي: لا دولة عربية قادرة على الصمود أمام مشاريع التفتيت؛ وإذا انتصر السودان — بإرادته وتواضع نخبه ووعي شعبه — فإنه يقدم نموذجاً يُحتذى، في أن الأمة العربية قادرة على تجاوز أزماتها، وأن الدولة الوطنية لا تموت، وأن الوحدة في التنوع ليست حلماً، بل إمكانية واقعية.

ولذلك، فإن معركة السودان ليست سودانية خالصة، بل هي معركة الأمة العربية كلها من المحيط إلى الخليج: معركة ضد مشاريع التقسيم، وضد تحويل الإنسان العربي إلى مجرد أدوات في صراعات إقليمية ودولية.

خاتمة: ربما كانت الجملة الأكثر أهمية في الخطاب كله هي دعوته إلى (التواضع) لأن أزمة النخب العربية، في أحد أعمق مستوياتها، ليست فقط في سوء الإدارة، بل في تضخم الأنا السياسية، وفي اعتقاد كل طرف أنه وحده يمتلك الحقيقة والوطن والتاريخ؛ ولهذا فإن دعوته إلى التواضع ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل شرط لإنقاذ السودان نفسه؛ فالبلاد التي أنهكتها الـ ح.رب لا تحتاج إلى منتصرين جدد، بل إلى عقل تاريخي جديد يفهم أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، وإنما بالشراكة، ولا تُحمى بالشعارات، وإنما بإرادة العيش المشترك.

وربما تكمن القيمة الأعمق لخطاب نيروبي في أنه حاول — وسط ضجيج البنادق — أن يعيد الاعتبار لفكرة السياسة نفسها، لا بوصفها صراعاً على الغلبة، بل بوصفها فناً لإنقاذ المجتمع من الانهيار؛ ففي لحظات الـ ح.روب الكبرى، لا يصبح السؤال الحقيقي: من ينتصر؟ بل: ماذا سيتبقى من الوطن بعد انتهاء المنتصرين من ح.ربهم؟

لكن السؤال الذي لا يُطرح في الخطاب، ويحتاج إلى إجابة، هو: كيف ننتقل من هذه الرؤى النبيلة إلى أرض الواقع؟ فالدعوة إلى (التواضع)، و(الشراكة)، و(الحوار)، جميلة، لكنها تظل نظرية ما لم تترافق بآليات تنفيذية واضحة، وآليات ضغط قادرة على كسر إرادة أطراف الـ ح.رب المستفيدة من استمرارها؛ وهنا يأتي دور القوى المدنية والجماهير الشعبية في الضغط من أجل السلام، وليس فقط انتظاره من المتحاربين.

ومن هنا تبدو كلمة نيروبي أبعد من مجرد خطاب سياسي، إنها محاولة لإعادة تعريف الوطنية السودانية داخل أفق قومي عربي أوسع، يرى أن إنقاذ السودان ليس شأناً سودانياً خالصاً، بل جزء من معركة الأمة كلها ضد التفتيت، وضد تحويل الإنسان العربي إلى مجرد ناجٍ دائم من الـ ح.روب.

فهل تستطيع النخب السودانية والعربية أن ترتقي إلى مستوى هذه الرؤية؟ هل تستطيع أن تضع (البقاء على قيد الحياة)، فوق حسابات السلطة والنفوذ؟ أم أننا سنظل أسرى الصراعات الضيقة حتى تلتهمنا جميعاً؟ السؤال ليس موجهاً للسودانيين وحدهم، بل لكل عربي يدرك أن تفكيك السودان هو نموذج لتفكيك الأمة بأكملها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.