هذا المنشور ضمن برنامج (عينة الطرفة) الذي تقدّمه مؤسسة الفال الثقافية، ويُعنى بالاحتفاء بصُنّاع الأثر في السودان. شكرًا وامتنانًا لما قدموه وما يزالون يقدّمونه. لماذا (عينة الطرفة)؟ لأنها عروس الخريف وعموده الفقري.. إذا صلحت، صلح الموسم كله. وكذا صُنّاع الأثر.. وجودهم بشارة خير لمجتمعنا وعموده الفقري..
هو فاعل ثقافي، يضع يديه حيثما وجد لهما موضعًا في العمل الثقافي، وبقولٍ أدق: إن وجد مساحة ملأها بفيض وعيه، وإن لم يجد، ابتكر مكانًا من العدم ليقيم فيه صلوات التنوير.
فهو مأمون الذي في الصحافة الثقافية، وهو ذاته في المنابر، وهو الذي في (جماعة عمل الثقافية) يفتح طريقًا للكتاب حتى يصل إلى القرّاء، فيفتح بذلك دربًا يربط بين روح الكاتب وعقل القارئ.
ومأمون التلب مرسال محبّة، شقّ فجاج المألوف، وظلّ يجاوز حدود العادة بخيال جامح، يبتدع طرقًا لا تنتهي لجمع القلوب على الود. ويكمن سرّ قبول الناس له، حيثما حلّ، في ذلك القلب الذي يسع الدنيا وما فيها؛ فهو لا يواجه الأعداء بالخصومة، بل يغسل ضغائنهم بفيضٍ من المحبة حتى يراهم أحبابًا.
ومأمون لا يعرف السير في طريق واحدة، ولا يركن إلى المسير الآمن في الطريق السالك؛ دائمًا ما يفتح طرقًا جديدة. فهو في الكتابة لا يلتزم القوالب القديمة، وإنما يجرّب ويبتكر ويخلق قوالبه الخاصة في بناء النصوص. لذلك يأتي نصّه متعدّد الطبقات، واسع الاحتمال للتأويل، وبرغم رمزيته العالية، فإنه يظل مشتبكًا بقوة مع التحولات الاجتماعية والسياسية في عموم الوجود الإنساني.
فسلامٌ على مأمون.. الضحكة العالية في أحلك اللحظات، والقلب الذي لم يعرف يومًا غير جليل الحب.
–
في سيرة مأمون التلب.. المقاومة الثقافية في زمن الخراب
يُعدّ مأمون التلب واحدًا من الأصوات الشعرية والثقافية التي ظهرت في السودان خلال الألفية الجديدة، إذ جمع بين الشعر، والصحافة الثقافية، والنقد، والعمل الثقافي المستقل، ليصنع حضورًا مختلفًا يقوم على فكرة أن الثقافة ليست ترفًا، بل وسيلة للمقاومة والدفاع عن الإنسان في مواجهة القمع والحرب والعزلة.
ينتمي التلب إلى جيل أدبي تشكّل وعيه في ظل التحوّلات السياسية والاجتماعية العنيفة التي عاشها السودان خلال العقود الأخيرة، لذلك جاءت تجربته مشبّعة بأسئلة الهوية والمنفى والحرية والخذلان الإنساني. وقد عُرف منذ بداياته بنزعته الحداثية والتجريبية، وابتعاده عن القوالب الشعرية التقليدية، مع ميل واضح إلى تفكيك اللغة اليومية وإعادة تركيبها داخل فضاء شعري كثيف ومفتوح على التأمل الفلسفي والوجداني.
بدأ مأمون التلب نشاطه في الصحافة الثقافية منذ عام 2004، حيث عمل محرّرًا وكاتبًا في عدد من الصحف السودانية والمنصّات الرقمية، وأسهم في تقديم ومتابعة المشهد الأدبي السوداني والعربي، كما كتب مقالات تناولت علاقة الثقافة بالسلطة، ودور الأدب في مقاومة الأنظمة الشمولية. وعُرف بكتاباته التي تنحاز إلى حرية التعبير وحق المثقّف في الاستقلال عن الهيمنة السياسية والأيديولوجية.
وفي سياق نشاطه الثقافي، شغل منصب المدير التنفيذي لاتحاد الكُتّاب السودانيين، وأسهم في عدد من المبادرات المستقلة التي حاولت إعادة الثقافة إلى المجال العام بعيدًا عن المؤسسات الرسمية.
وكان من أبرز تلك المبادرات مشاركته في تأسيس (جماعة عمل الثقافية)، وهي جماعة أدبية اهتمت بتنظيم القراءات الشعرية والأنشطة المفتوحة، قبل أن يطلق عام 2015 مبادرته اللافتة (الحركة الشعرية.. قيادة جماعية أفقية)، التي هدفت إلى كسر النمط النخبوي للثقافة ونقل الشعر إلى الشارع والفضاءات العامة.
أما على المستوى الإبداعي، فقد أصدر عددًا من الأعمال الشعرية والنصوص المفتوحة التي رسّخت حضوره في المشهد السوداني الحديث، من أبرزها: (وحش التجوال (2015)، وهي طبعة شعرية محدودة صدرت ضمن مشروع الحركة الشعرية، و(طينيًا.. شهقة الماء في المُدرك) (2018)، الصادرة عن دار رفيقي للنشر، و(المشيمة) (2021)، وهو نص أدبي يمزج بين الشعر والتأمّل والسرد.
كما شارك في أنطولوجيا (الخرطوم.. المدينة خلال القصص) الصادرة بالإنجليزية عن دار (كوما برس) في لندن عام 2016، ككاتب ومترجم، في محاولة لتقديم صورة أدبية مختلفة عن الخرطوم.
وتتسم كتابات مأمون التلب بنبرة إنسانية عالية، حيث ينشغل بما يسميه “خرائط الألم”، أي تتبع أثر العنف والحروب والهشاشة في حياة البشر. لذلك تبدو نصوصه مشبّعة بالحزن الهادئ، والأسئلة المفتوحة، والإحساس الدائم بالاقتلاع والبحث عن المعنى.
ومع اندلاع حرب الخرطوم في أبريل 2023، اضطر مأمون التلب إلى مغادرة السودان، بعد أن وجد نفسه في مواجهة تجربة المنفى القسري، شأنه شأن آلاف السودانيين الذين اقتلعتهم الحرب من مدنهم وبيوتهم. وقد كتب خلال تلك الفترة نصوصًا مؤثرة عن الخراب والفقد والمنفى، كان من أشهرها مقاله (لم أعد صالحًا للكتابة عن السودان)، الذي عبّر فيه عن حجم الانكسار الذي خلّفته الحرب في الذاكرة والوجدان.
تنقّل التلب بعد خروجه بين عدة مدن، قبل أن يستقر مؤخرًا في زنجبار، حيث واصل نشاطه الثقافي وعمل على مشروع لتأسيس مكتبة عامة تحمل اسم (حنتوب)، في إشارة رمزية إلى الذاكرة السودانية والتعليم والمعرفة.
ويمثّل مأمون التلب اليوم نموذجًا للمثقّف السوداني الذي لم يفصل بين الكتابة والموقف الإنساني، ولا بين الشعر والحياة اليومية. شاعر يرى في الثقافة شكلًا من أشكال النجاة، وفي الكلمة أداة لمقاومة النسيان والخراب.

Leave a Reply