نيالاو آيول
منذ فترة أتابع بعض الصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تحوّلت كثير من هذه الصفحات إلى ساحات للصراخ والشتائم والتنميط الموجَّه إلى أبناء جنوب السودان، بل إلى اختزال الإنسان الإفريقي عمومًا في صور نمطية قاسية ومجحفة.
ولأن هذه المنصات لم تتردّد في استخدام مختلف أشكال التنميط العنصري، أتمنى من أبناء جنوب السودان، وكذلك بعض أبناء السودان، وتحديدًا أولئك الذين يتسرعون في نفي كل ما يُلصق بهم من إساءة فيُحيلونها إلى (الجنوب سودانيين)، أن يكونوا أكثر وعيًا بما يمثلونه أمام العالم.
فكلما أساء أحد إلى إفريقيا تحديدًا، لا تجعلوا الرد سقوطًا في المستنقع ذاته، ولا تحولوا النقاش إلى معركة من الإهانات الفارغة. ارفعوا اسم إفريقيا بأخلاقكم؛ لأن الإنسان لا ينتصر بالصوت العالي، بل بالوعي والاحترام والثقة بالنفس.
إفريقيا ليست فقط أخبار الحروب والجوع التي تصدرها بعض وسائل الإعلام، بل هي أرض الحضارات القديمة: منسا موسى وتمبكتو وشنقيط وكوش وأكسوم، والطبول الأولى، ونهر النيل – أو بالأصح النيلين – ونهر زامبيزي والنيجر والكونغو، والسافانا الواسعة.
إفريقيا هي أيضًا قارة جومو كينياتا، وجوليوس نيريري، وباتريس لومومبا، ونيلسون مانديلا، وكوامي نكروما، وسيدار سنغور، وأغانيها الشعبية التي تشبه دفء الإنسان البسيط.
هي القارة التي ما زال في قراها الطفل يبتسم لك دون أن يعرف لغتك، وما زالت فيها الأم تفتح بابها للغريب قبل أن تسأله من أين أتى.
في إفريقيا، رغم الفقر والتعب، ما زال الإنسان يحتفظ بشيء نادر في هذا العالم: نقاء الروح والابتسامة الدافئة. ولهذا، عندما يهاجم الآخرون إفريقيا أو يسخرون من شعوبها، لا تجعلوا ردكم نسخة أخرى من الكراهية نفسها، بل اكتبوا عن الجمال الذي تعرفونه: عن الجار الذي يشاركك الطعام، وعن النساء اللواتي يحملن الحياة فوق رؤوسهن بصبر أسطوري، وعن الموسيقى التي تولد من الحزن لكنها تصنع الفرح والرقص.
اكتبوا عن التنوّع القبلي والثقافي الذي يمكن أن يكون ثروة لا لعنة. فالعالم لا يحتاج مزيدًا من الشتائم، بل يحتاج أصواتًا تعرف كيف تدافع عن نفسها دون أن تفقد إنسانيتها. كونوا سفراء لأخلاق السودان وجنوب السودان، لا أسرى للغضب الإلكتروني العابر.
فأحيانًا صورة محترمة واحدة عن إفريقيا تهزم ألف إساءة، وكلمة صادقة عن الإنسان الإفريقي البسيط قد تغيّر نظرة شخص كامل إلى القارة كلها.
إفريقيا ليست كاملة، نعم فيها الكثير من المشاكل والأخطاء والصراعات، لكنها أيضًا مليئة بالبشر الطيبين الذين لم تفسدهم الماديات ولا قسوة العالم الحديث..
ولهذا اكتبوا عن الضوء لا عن الظلام فقط، وعن الإنسان الإفريقي الذي ما زال قلبه أقرب إلى الطبيعة، وأقرب إلى الرحمة، وأقرب إلى المعنى الحقيقي للإنسانية.
* شاعرة وكاتبة من جنوب السودان

Leave a Reply